اعتبر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في هذا المجلس أن تكالب الأعداء مهما بلغ، ومهما آذوا وبيّتوا لهذه الأمة “فإنما ذلك من تمحيص الله عز وجل”. وذكر أنه في غزوة أحد انهزم الصحابة وكان قائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يتساءل متسائل “رسول الله مع المسلمين وانهزموا؟” لكن الله تعالى قال في القرآن الكريم: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ، وقال: ويتخذ منكم شهداء فهذه سنة الله في الكون.

وذكر الإمام في هذا الشريط الذي يعود تاريخه إلى سنة 2003، حديثا لسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم “أمتي مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة”. موضحا أنها لا تتعذب في الآخرة لأن عذابها في الدنيا. وقال عليه الصلاة والسلام: “عذابها القتل” وذلك نراه يوميا في فلسطين والعراق وبقية البقاع.

وشدد رحمه الله على أن ذلك إنما هو جانب من جانبي الإيمان، وإرادة الله هي التي تحكم وهي أقدار الله تجري على عباده أجمعين ومنهم الأمة، وهذه حقيقة وواقع، ورغم ذلك يضيف رحمه الله “لا ينبغي أن نحني رؤوسنا ونستسلم للذل، فلندافع عن أنفسنا ولكن ليس بالعنف، بل بالقوة”.

ونبّه الإمام إلى الفرق الكامن بين العنف والقوة، ملفتا إلى أن الإنسان العنيف لا يستعمل العقل فيؤذي الناس لأن العنف لا يأتي بخير، بينما القوة هي العمل بالعقل، والعقل عطاء من الله تعالى. وحقيق بالمؤمن والمؤمنة أن يواجه هذا العداء والطغيان بالقوة التي أمرنا الله باتخاذ الأسباب لامتلاكها وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّة. لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا ألا نرضى بالظلم وكذلك صلى الله عليه وسلم. فنحن لا نرضى بالذل ولا ندعو إلى العنف على المسلمين ولا على غيرهم. وهذا عرفت به جماعتنا منذ أول يوم لها.

طالع أيضا  تقرير دولي: المغرب يتراجع في الديمقراطية.. ونظامه السياسي "هجين"

وتساءل الإمام، من أين نحصل على الشجاعة التي يحتاجها المسلمون اليوم؟ الذين يناهز عددهم مليار شخص، في حين أن دولة مثل بلجيكا لا تتجاوز تقريبا عشرة ملايين شخص وتملك من التكنولوجيا والتقدم ما لا يملكه المسلمون جميعا، أما اليهود فهم تقريبا سبعة ملايين شخص بمساعدة أصحابهم في أمريكا وغيرها، فبلغوا ما بلغوا من قوة التكنولوجيا والصناعات الثقيلة، لكن المسلمين غثاء كغثاء السيل كما أخبر الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام.

ووقف الإمام مع الحديث الشريف الذي رواه سيدنا ثوبان رضي الله عنه ويحمل وصفا دقيقا لأسباب ضعف الأمة وهوانها، يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يوشِكُ الأُمَمُ أنْ تَداعَى عليكم؛ كما تَداعَى الأَكَلةُ إلى قَصْعتِها. فقال قائلٌ: ومِن قِلَّةٍ نحنُ يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ، ولَينْزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدُوِّكم المهابةَ منكم، وليَقذِفنَّ اللهُ في قلوبِكم الوَهَنَ. فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ، وما الوَهَنُ؟ قال: حُبُّ الدُّنيا، وكراهيةُ الموتِ”.

وخص الإمام هذا المجلس بحديث أبي الدَّرْداء رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لَولا ثَلاثٌ ما طَأَطَأَ ابنُ آدَمَ رَأسَهُ: الفَقرُ وَالمَرَضُ وَالمَوتُ”. ومعنى طأطأ رأسه، يحني رأسه معنويا ولو يكون متكبرا، ومعنى هذا أنه لا ينبغي لنا أن نكون متكبرين، لأن المتكبرين يكون الشيطان إمامهم.

وعندما يطغى الإنسان يتجاوز حده كما قال الله تعالى: إن الانسان ليطغى، ومعنى طغى الماء؛ تجاوز حده. وحد الإنسان العبودية لله عز وجل، وعلينا أن نتعلم كيف نكون عبيدا لله مطيعين، ولا نكون مثل إبليس الذي طغى وتكبر ورفض طأطأة رأسه، ونتعلم في الصلاة كيف نطأطئ رؤوسنا في الركوع مع الاستقامة، وفي السجود إلى غاية ما تكون طأطأة الرأس وينبغي لنا أن نتعلم تفاصيل ذلك. وفق كلام الإمام.

طالع أيضا  الورع والزهد في زمن الفتنة (1)

وأشار رحمه الله إلى أن الفقر في الأمة كثير، وقد ابتلى الله الأمة في أول أمرها بالفقر، لكن الصحابة بما يملكونه من وسائل على قلتها اجتهدوا وحاربوا الفقر ونشروا الإسلام في كل البقاع. وعلينا أن نحارب الفقر ونطلب من الله الغنى، وفي ذلك نحتاج إلى “التنمية” لنلتحق بالبلدان الصاعدة، لكن كيف السبيل إلى هذه التنمية؟

وأشار حيال ذلك إلى أن جماعة العدل والإحسان، تسعى لتحقيق العدل، وليتحقق العدل ينبغي القضاء على الظلم، لا ينبغي للدولة أن تكون فقيرة، لأنه مع الفقر تفتقر إلى ما توزعه، فهي بذلك تحتاج إلى منهج وبرنامج، لأن التنمية تعني التصنيع وتعني القوة والعلوم الميكانيكية وأكثر من ذلك، على مدى أجيال.

واعتبر أن الفقر يبقى ابتلاء إلهيا في إطار سنة الله في الكون، لكن أمر المؤمن عجيب كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ”. وقال الله تعالى: “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ”.

فمطلبنا العدلي -يقول الإمام- ألا تبقى الأمة فقيرة، لأن فقرها يضعفها، وأكد على أن الفقر مرتبط بالتنمية، وليس على وجه الأرض أمة تملك من الثروة المادية المالية أكثر من بلاد العرب والمسلمين، لكن هذه الثروة الخيالية التي تقدر بالملايير في يد أمراء ينقلونها بينهم بالوراثة، وأحد الأمراء ترك لابنه (تريليون وثلاث مائة مليارات من الدولارات) وكلها بطبيعة الحال في أبناك تابعة بشكل أو بآخر لليهود، والمسلمون لا يملكون شيئا. والسبب في كل ذلك أن المسلمين لا يعرفون دينهم.

إذن فلنسع كما يسعى غيرنا من الفضلاء إلى إقامة أسباب التنمية واستنقاذ الناس مما هم فيه. وذاك ما أشار إليه الحبيب صلى الله عليه وسلم: “كاد الفقرُ أنْ يكونَ كفرًا”. أي لا يفصل الفقر عن الكفر إلا خيط رقيق، والشباب الذين يفرون الآن ويموتون في البحار، ما الذي حملهم على ذلك؟ لم يحملهم إلا البطالة والفقر، ورغم تحصيلهم الدرجات العلمية إلا أن الهراوات وراءهم، فيتساوى من حصل الدرجات والأميون في هذ المصائب.

طالع أيضا  الإمام ياسين في ذكرى رحيله التاسعة.. الإرث والأثر

أما عن الأمراض فهي أنواع كثيرة أهمها الأمراض النفسية والقلبية، وذكر الله علاجها ودواؤها. والأمراض الجسمانية متعلقة في أغلبها بالفقر والجهل والبطالة. والفقر والمرض وجهان لعملة واحدة، أما إذا انضاف إليهما الجهل، فذلك الثالوث الجهنمي. يقول الإمام.

وأضاف رحمه الله: الجهل هو عدم الوعي السياسي أولا، لأن من يحكموننا ناس ينهبون خيرات البلاد، وحديثنا عن أمور الدنيا وتحقيق العدل بين أهلها مطلب عزيز لتحقيق الغاية الإحسانية ونيل رضى الله عز وجل، وهذا ينفعنا عند الله في الدنيا والآخرة. وذكر في حديثه رحمة الله عليه أن الموت متعلق بكل ما ذكر وهو يحكم على الفقر والمرض، والموت هو رأس الحكمة والغفلة عنه داء.