ساقتني الأقدار وأنا في سفر قاصد إلى الجلوس في مقصورة قطار بين فتاتين فرنسيتين وأمهما وسيدة من بني جلدتنا. سرني التواصل الجيد للمرأة مع فتاتيها؛ كيف تسمع لهما بإمعان وتجيبهما بدقة متناهية عن استفهاماتهما المتعددة، والمختلفة مواضيعها، والكثيرة، خاصة من إحداهما التي كانت تشتكي من عاهة ظاهرة تعيق استرسالها في الكلام. أثارني كيف أخذت صغراهما حقيبة فنظرت إليها مليا ثم استفسرت أمها عن سبب الفوضى الموجودة فيها، فأجابت أنهن كن في حالة طوارئ واستنفار، فأخرجت محتوياتها التي ما كانت إلا دمى صغيرة، فمهدت لها بثوب ثم رصتها الواحدة بجنب الأخرى بمهل ودقة، نظرت إليهن مليا فوضعت المحفظة مفتوحة فوق الطاولة وكأنها تخشى على دماها من خطر الاختناق ثم استغرقت في نوم ملائكي ملفت.

ما هي إلا دقائق فإذا موجة من الشباب تصعد القطار بعد مضي حوالي نصف ساعة عن بداية رحلتنا، وكأنها طوفان أغرق القطار في الفوضى والسب والشتم وبذيء الكلام الذي يبرهن على سوء الخلق، كان ديدنهم السير في الممرات والكلام بصوت مزمجر والضحك باستهتار والرغبة الحقيقية في إيقاظ المسافرين الذين لم يتمكنوا من الصمود أمام داعي النعاس الذي يداعب أجفانهم، خاصة أن اليوم يوم سبت والصباح باكر جدا.

كانت مرافقتي المغربية تترنح من شدة النوم، لكنها ما إن أغمضت عينيها حتى زف أحدهم بضربة قاضية نحو زجاج المقصورة فقامت مذعورة، وهي التي أخبرتني أنها تعاني من مرض على مستوى الرأس وتخشى أن يعيد أحدهم الكرة فتصاب بالإغماء. قالت: “أية تربية هي تربية هؤلاء؟ أهم حقا أبناء مدارس وخريجو معاهد التربية والتعليم؟ أي آباء هم آباؤهم؟ وأية مؤسسات تعليمية تلفظ أمثال هذه النماذج؟ يحز والله في نفسي أن أرى مثلهم، ليت أبواب المقصورات مزودة بأروقة حتى لا أرى ما أراه. كان الآباء في زمن سالف يراقبون أبناءهم حتى لا يتأثروا بقرناء السوء وبرامج التلفزة الماجنة، فإذا بهم الآن أمام خطر حادق يداهمهم في بيوتهم، خطر الشبكة العنكبوتية ووسائل الاتصال التي يساء استعمالها”.

طالع أيضا  في "الرقيقة 25".. ذ. القادري يقربنا من صور التعلق بالجناب النبوي

بصدق تحولت اللحظة إلى… تتمة المقال على موقع مومنات نت.