الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وعلى الآل طرا والصحب ومن والاه.

حينما نتحدث عن الجمال المحمدي فإننا لا نقصد فقط الجمال الخِلْقي للذات الشريفة و الذي عبّر عنه سيدنا جابر بن سمرة رضي الله عنه بقوله “رأيتُ النبيَّ ﷺ في ليلةِ إِضْحِيَانٍ فجعلتُ أنظرُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وإلى القمرِ وعليهِ حُلَّةٌ حمراءُ فإذا هو عندي أحسنُ من القمرِ” 1 ووصفته الرُبيع بنت معوذ رضي الله عنها بقولها: “لو رأيتَه رأيتَ الشمس طالعة” 2. وأفصح عنه سيدنا أبو هريرة بقوله: “ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله ﷺ، كأن الشمس تجري في وجهه” 3. وتحدّث عنه سيدنا كعب بن مالك رضي الله عنه قائلا: “وكان إذا سُرَّ استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر” 4. ولم يجد له سيدنا حسان بن ثابت رضي الله عنه ما يصفه به إلا أن يقول:

وَأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني … ­­­­وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ

خُـلِـقـتَ مُـبَـرَّأ مِـن كُـلِّ عَيبٍ … كَـأَنَّـكَ قَـد خُلِقتَ كَما تَشاءُ 5

هذا الجمال الخِلْقي الذي ميّز سيدنا رسول الله ﷺ عن سائر بني آدم، لا يستوعب كلّ صفات الجمال المحمدي. ولذلك فحينما نتكلم عن جمال مولانا رسول الله ﷺ فإننا نقصد كلّ معاني الجمال… الخِلْقي والخُلُقي.

ولا نرضى في حديثنا عن جماله الخُلُقي بتجزئة تلك الأخلاق وانتقاء ما يناسب بعض الأذواق. ففي هذا الفعل إشارة مغرضة إلى أن بعض أخلاق سيدنا محمد -صلوات ربي وسلامه عليه- تنافي الجمال الذي قعّد بعضهم قواعده لحاجة في نفوسهم.

فيحلو لمن ألف الأريكة، واللقمة الهنيئة، والجبة البيضاء، والخطبة العصماء، أن يتحدث عن عفو رسول الله ﷺ دون عدله، وعن سماحته دون إنصافه، وعن لينه دون صلابته وثباته، وعن تواضعه دون عزّته، وعن زهده دون حسن قسمته، وعن تؤدته دون شجاعته، وعن دعوته دون جهاده.

والحقيقة أن الكمال المحمّدي هو فيما أنعم عليه الكريم الوهّاب -سبحانه- من الجمع بين جمال الخِلقة وسموّ الخلق. جمال الذات وكمال الصفات.

فجماله ﷺ في عدله، في إنصافه، في شجاعته، في إقدامه، في ثباته على مواقفه، في مراغمته لأعدائه، في جهاده بماله ونفسه.

طالع أيضا  الرحم الإنسانية عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

وبالله عليكم أخبروني هل شهد الوجود صورة أبهى أو لوحة أزهى من خروجه ﷺ على أصحابه يوما، وقد احمرّ وجهه من شدّة الغضب -بعدما سرقت امرأة مخزومية ذات حسب ونسب، فعزّ على قومها أن تقطع يدها، فبعثوا حبّ رسول الله ﷺ أسامة بن زيد بن حارثة -رضي الله عنهما- ليشفع لها عنده. فتَلَوَّنَ وجْهُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: “أتُكَلِّمُنِي في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ؟”.

ثمّ خرج على الناس وقام فيهم خطيبا. فأثْنَى علَى اللَّهِ بما هو أهْلُهُ، ثُمَّ قالَ: “أمَّا بَعْدُ؛ فإنَّما أهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ: أنَّهُمْ كانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقامُوا عليه الحَدَّ، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لو أنَّ فاطِمَةَ بنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَها” 6.

 ثُمَّ أمَرَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بتِلْكَ المَرْأَةِ، فَقُطِعَتْ يَدُها، فَحَسُنَتْ تَوْبَتُها بَعْدَ ذلكَ.

أرأيت كيف سدّ النبي -عليه الصلاة والسلام- الطريق أمام تقسيم المجتمع إلى شيع بعضها يطبّق عليه كلّ القانون، وبعضها فوق القانون؟

أرأيت كيف حال ﷺ دون استغلال النفوذ، واستعمال الحجج والوساطات والشفاعات، والتعامل بمنطق “الزّبونية” و”المحسوبية” وما تضجّ به مجتمعاتنا المفتونة من مظاهر الجور والفساد والاستبداد؟

أليست هذه من أسنى مظاهر الجمال التي تتمنى كلّ عين سويّة رؤيتها، ويرجو كلّ قلب سليم مشاهدتها؟

وبالله عليكم أخبروني هل عرفت الدنيا مشهدا أسنى ولا مظهرا أسمى من نبي الرحمة، يستقبل أهل المدينة وقدْ فَزِعُوا لَيْلَةً حين سَمِعُوا صَوْتًا قَويًّا، فخَرَجوا مُتوَجِّهينَ ناحيةَ هذا الصَّوتِ، فتَلَّقاهم ﷺ راجِعًا وقدِ استَكشَفَ الخَبَرَ وعَرَفَ حَقيقَتَه، وكان راكبًا على فَرَسٍ لِأبي طَلْحةَ بغَيرِ سَرْجٍ، مُعلّقا سَيفَه في عُنُقِه، يقول مُهَدِّئًا مِن رَوْعِهم وخَوفِهم: «لم تُراعوا، لم تُراعوا” 7.

أخبروني -بالله عليكم- هل سجّلت عدسات الكاميرا حدثا أرفع ولا تصرّفا أروع من مجيء ذلك الرجل الغريب إلى النبي –عليه الصلاة والسلام- وهو يرتعد رهبة منه، فيقول له ﷺ: «هوّن عليك؛ فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد» 8.

وبالله عليكم دلّوني على جمال أجمل، وحسن أكمل، من قصة مولانا رسول الله ﷺ مع سوّاد بن غزية رضي الله عنه. فقد كان رسول الله ﷺ يعدّلُ صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح (سهم) يعدّل به القوم، فمرّ بسواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار وهو مُستَنْتِلٌ (متقدّم) من الصف، فطعن في بطنه بالقدح، وقال: “استوِ يا سواد”. فقال: يا رسول الله! أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني (مكِّنِّي من القصاص لنفسي)، فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه فقال: “استقد”، أي: (اقتص)، قال: فاعتنقه، فقبَّل بطنه، فقال: “ما حملك على هذا يا سواد؟” قال: يا رسول الله! حضر ما ترى، فأردتُ أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله ﷺ بخير، وقال له: 9 10.

طالع أيضا  طلبة ابن زهر يحتجون أمام الرئاسة على استمرار طرد زملائهم وسط تطويق أمني

نبي أمّة وقائد دولة يعطي القصاص من نفسه لجندي من الجنود، ولا يرى في ذلك ذهابا لهيبة الدولة ولا جرأة على حرماتها… بل يرى ذلك واجبا من واجباتها.

أخبروني -بالله عليكم- هل شهدت عوالم السياسة في كلّ عصورها موقفا أجلّ أو ردّا أنبل من ردّ رسول الله ﷺ على  عتبة بن ربيعة إذ أتى النبي ﷺ بإذن من قريش يوما فقال: يا ابن أخي إنّك منا حيث قد علمت من السِّطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرَّقت به جماعتهم، وسفّهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، كفرَّت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا، تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها، فقال رسول الله ﷺ «قل يا أبا الوليد أسمع»، قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيّا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نُبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُداوى منه، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله يستمع منه قال: «أقد فرغت يا أبا الوليد»؟ قال: نعم، قال: «فاسمع مني»، قال: أفعل، قال: «بسم الله الرحمن الرحيم: حم تَنزِيلٌ مّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَبٌ فُصّلَتْ ءايَتُهُ قُرْءانا عَرَبِيّا لّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرا وَنَذِيرا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ 11، ثم مضى رسول الله فيها يقرأها عليه، فلما سمعها عتبة منه أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يستمع منه ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: “قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك 12.

طالع أيضا  عبارات خاطئة كثر استعمالها... اكتشف الخطأ من الصواب (1)

أليس هذا هو قمّة الجمال وذروة الكمال… يعرض عليه عبيد الدنيا دنياهم فيرفضها. ويقول لهم مالي أرب في أموالكم، ولا شهوة في نسائكم، ولا رغبة في ملككم… خذوا عني دنياكم… إنما أنا رسول مولاكم بعثني رحمة إليكم.

ولله درّ البوصيري -رحمه الله تعالى- أخبر فأفاد، وأنشد فأجاد:

وراودتهُ الجبالُ الُشُّمُّ من ذهبٍ … عن نفسهِ فأراها أيما شممِ

ما استجاب ﷺ لمراودة الجبال، ولا أذعن لإغراءات الرجال، ولا مال إلى مال. فاللهم صلّ على النبي والآل.

 


[1] رواه الترمذي
[2] رواه الترمذي
[3] رواه الترمذي
[4] رواه الترمذي
[5] ديوان حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه ص:21
[6] رواه البخاري عن عروة بن الزبير وهو عند النسائي عن أمنا عائشة.
[7] رواه البخاري عن أنس بن مالك و هو عند مسلم كذلك.
[8] رواه ابن ماجة عن أبي مسعود عقبة بن عمرو.
[9] “استو يا سواد!”
[10] رواه ابن هشام وابن كثير.
[11] (سورة فصلت:1 – 4)
[12] سيرة ابن هشام ج1 [ص: 293] قول عتبة بن ربيعة في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.