منذ عشرين عاما وفي مثل هذا اليوم سبقتنا إلى دار البقاء، مجاهدة من الطراز الرفيع، ونموذج عال يحتذى للمرأة المسلمة المؤمنة طالبة الإحسان، فضائل لا تعد ولا تحصى قنوت في محراب التبتل يشهد لها به من عاشرها عن قرب وبر، بالوالدين والأقربين سمت بواح وطيبة وصدق وحسن معشر وروح خفيفة لطيفة، وبناء لصرح عمل دؤوب في جماعة العدل والإحسان، ابتدأته منذ نعومة سنها وحملت مشعله شابة طالبة في كلية الصيدلة إلى أن لقيت ربها، ونسج على غير منوال يقتدى به في وقتنا المعاصر في صناعة نموذج للمرأة المسلمة يتجاوز بها تراكمات قرون من انحباس أدوار المرأة المسلمة وانكماشها في ركن الخمول والدونية ليعيدها إلى الاقتباس مباشرة من نبع السنة المحمدية، واستلهام سيرة الصحابيات في زمن غير الزمن وظروف مختلفة، مشروع عاشته بلحمها ودمها وأخذ من وقتها وجهدها وجابت به أطراف المغرب شرقا وغربا في همة عالية وقدرة فائقة على التبليغ واستنهاض همم المؤمنات ووضع لبنات العمل…

سيدة فاضلة اختارت أن تعيش للكمال طالبة راجية وما منعتها العقبات الصادة وما أكثرها، لم تتزحزح عن رابطة الصحبة قيد أنملة وما زاغت عن خط الجماعة ولو بمقدار خطوة زائغة وضبطت روحها التواقة بحكمتها المعهودة وبصيرتها الثاقبة التي جعلتها تستشرف ما وراء الصعوبات والعقبات والإكراهات من آفاق رحبة واعدة عانقتها بإرادتها الماضية وهمتها العالية…

أختي السعدية قاصد حفرت اسمها في القلوب واستوطنتها، ولا أدل على ذلك من مرور عقدين من الزمن على رحيلها ولا زالت ذكراها حية غضة طرية ومحبتها ثابتة وروحها المعطاءة تصاحبنا نحزن لفراقها ونفرح بموعود الله أن يجمعنا بها ويمتعنا وإياها بالنظر إلى وجهه الكريم…

تمر الأعوام وتبقى ذكراك متجددة، لا يمكنني بتاتا أن أمر عليها مر الكرام، تعتمل في صدري الذكريات والمواقف وكأنها البارحة وكأن عهدي بك قريب، يشتد بي الحنين إليك وما أصعبه لغال وارى جسده التراب…

طالع أيضا  دروس الإسراء والمعراج

أشتاق للجلوس إليك لأحاديث طويلة معك لقلبك الأبيض الصافي لعقلك الراجح لهمتك العالية لصدرك الرحب رحابة الأفق الذي تتطلعين إليه لتحفيزك على الاقتحام لاحترامك للاختلاف لاتزانك وتوازنك في المواقف الصعبة.

أشتاق للبدايات لجلسات افترشنا فيها الأرض لليال قمناها لله ونمنا على أفرشة لا تسمن ولا تغني من برد لطعام قليل تقاسمناه وجمع الأخوات، لتجارب عشتها من خلالك دون أن أمر بها لنصائح غالية لا زلت أعمل بها، لحضورك معي كلما ألمت بي المدلهمات.

أشتاق لروحك الخفيفة التي رحلت على عجل ومثلك ليس له عوض، اختارتك الآخرة عروسا في عز شبابها بخلت بك على هذه الحياة الفانية فاللهم اجمعنا في دار البقاء في مستقر رحمتك…