بقلم: رضا نازه

خشية سوء الأدب لم أسع لأقترب كثيرا..
خشية ضعفي البادي ودعواي العريضة ورعونة النظر بعين الرأس الطاغية.. خشية حب المحمدة بما لم أفعل، بما ليس لي، بما ليس مني.. خشية تحذير الجيلاني وخشية التقدم أمام حافة قوله الوعِرة: “إن كنتَ تصْدُقُ.. وإلا.. فلا تصحبني” لم أزد خطوة ولم أزاحم فيك أحدا بالأكتاف..
فهل حُرِمْت؟
آثرت أن أقف على ضفة قول الجيلاني الآخر: “من لم ير المفلح لا يفلح” فاكتفيت باستراق الرؤية وقد رأيتك..
ورجوتُ منك كلمة الرفاعي: “اجتذبناك إلينا وحسبناك علينا” واسترحت في سهلها وأمَّلت انتظارا لذلك الاجتذاب..
وقلت لنفسي مرارا ما قال الجيلاني “انتظر فائدته من ربه” وانتظرت فائدتك أن تدركني يوم أكون أحوج إليها ما أكون. وأنا كلَّ يوم أحوج ما أكون ولو لم تبد علي الأعراض، كسقيم ولا يدري..
في كتاب الجيلاني الذي نصحتَ به دوما قولا ونصا، في كتبك وفي وَصاتِك، تبذر كلامه لعله يصير نباتا واصيا في أرض قلوب واصية.. في كتاب الجيلاني كنت أقرأك. كانت تضحكني في البداية نبرة كلام الرجل القاسية المتوعدة حتى اكتشفت أنها هي هي تلك القسوة المشفقة الحانية. قسوة دليل في طريق ملغمة يصرخ كل حين كيلا يغفل من يتبعه أو يسهو عن مواقع الألغام النفسية الدنيوية المتناثرة..
وكنت أنتظر. وعشت أنتظر. لم أشعر بضياع الوقت في الانتظار. ولعله اغترار. ولعله تسويف. ولعله وقوف على حيرة الحرية وخوف التخير والاختيار..
انتظارك رزق حسنٌ ووهب جديد، وتوقع لذيذ لانطلاق الترنيمة في مسرح الروح..
حتى عبرتَ في ذلك اليوم البارد إلى دار القرار، ولولا حر دموعي عليك ما غالبت صَبَّارة القُر ولولا حَر زفيري ما غالبت رياح الفراق وكانت ذاتَ صِر.. ولولا يقيني أنك سر رفراف لن يدخل مع جسدك القبر..
لم تكن الرؤية إلا سويعات قليلة لا أستدعي لعدها عقارب الوقت الذي تأدبتُ معك فيه وغضضتُ حضور عين ذاتي كلِّها فضلا عن عين البصر.. لكنك أسعفتني برؤياك بالغيب من حين لآخر في زمن موتنا اليومي الأصغر.. من حين لحين، منه ما ذكرت ومنه ما لا أذكر..
ورأيتك تحملني على كتفيك وتمر بي على ممر مبلط عن يساره ساحل بحر مديد. وأنا متحرج من حملك لي وأنت لا تبالي بحمل الكبير لأنه في عين ولايتك أبدا طفل صغير..
ورأيتني بجانبك أصلي وأنت تؤمني وفي لحظة فقدتُ توازني وكدت أهوي من خلفي فإذا ببردتك تتلقفني وتثبتني..
ورأيتك وأنت تنظر إلي جالسا جلسة المفتقر عند ركب إخوتي فيك وأنت تقول لي “خيرٌ لك!” فعلمت أن ما دون مجالسة المومنين نافلة قول وعمل، وأنها ذواق دنيوي ليوم يكونون “إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ” في صورة الأخوة الكاملة..
ورأيتك تسوي صفوفنا للصلاة وتقول لي “ادعو لي” ففكرت قليلا ثم قلت لك: “قضى الله حاجاتك العظمى” فقلت لي “العظمى فحسب؟” فهل كنت تدلني على أن أسال الله حتى صغار الحاجات لأنها قد تشوش على كبارها. الحاجات العظمى إحسان، والحاجات الصغرى عدل، وكنت دوما ربانيا حتى في طي المنام حين تحث على صغار الحوائج قبل كبارها..
ورأيتك حضرت فجأة أمامي وقلت لي ناصبا يدك “ادع لنا” فقلت فورا “اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها..” قلت آمين ثم رفعت رأسك وسألـني “أين وصلت؟” قلت لك “وصلت اللقاء” فقلتَ لي “بعد اللقاء البناء..”
ورأيتك تقول لي “كيف حالك مع القيام؟” فقلت لك “إنه يغلبني..” فقلتَ لي “القيام برهان..”
ورأيتك تعطيني “رسالة تذكير” في مكان مظلم مَخُوف، فأمسكتها بأصابعي فإذا بها على خفة حجمها وعلى ثقلي، تحلق بي في الهواء حتى عبرَتْ بي إلى مكان مضيء آمن..
ورأيتك وكان النبي صلى الله عليه وسلم حاضرا في الرؤيا، وكان يمر من أمامك شفافا كأنه من زجاج وأنت تظهر من خلاله عند الباب، وقلت لي “اقرأ خاتمة كتاب المنهاج النبوي..” والخاتمة دعوة دائمة إلى الله ودعاء..
ورأيتك قلت لي:” تحدث عني..”
ولولا تصديق الرؤيا..
فاقبل مني ضيق عبارتي أمام فسحة وجودك وفصاحته، وهل يحتاج مثلك لمن يتحدث عنه. إلا من باب وجوب التحدث بالنعم، وهل يسعك حبر الدواة وخربشة القلم، وأنت أشهر من نور على علَم..

طالع أيضا  في هذه الأثناء ينطلق مؤتمر البعد الإنساني في فكر الإمام عبد السلام ياسين (فيديو)