ختم الأستاذ عبد الكريم العلمي عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، حلقات سلسلته “سؤال في التزكية” بالحديث عن مساهمة رجال الإصلاح والتزكية في التغييرات الكبرى في تاريخ الأمة، وكيف يعدون ويهيئون المسلمين لهذه التحولات الحاسمة، ولهذه الانتقالات العظيمة في تاريخها؟

والمثال على ذلك يقول “هو مساهمة رجال التزكية والإحسان والإصلاح في مقاومة الاستعمار الغربي من آسيا إلى إفريقيا، وكيف ظهرت مدارس عظمى وشخصيات فذة من هؤلاء الرجال العظام في مقاومته، وفي إعداد المسلمين، وفي تربية مريديهم خاصة وعامة المسلمين لهذه المقاومة والوقوف في وجه المحتل الغاصب”.

ويقصد المتحدث بهذا التحول “الحدث الذي لا يزال يتجلجل ويتردد صداه في أذن التاريخ، أقصد بذلك تحرير المسجد الأقصى وتحرير بيت المقدس من يد الصليبيين في القرن السادس على يدي صلاح الدين الأيوبي رحمة الله عليه ورفع مقامه عنده في حضرته ومن كان معه من المجاهدين الصالحين رحمة الله على الجميع”.

التزكية من أسباب صناعة النصر للأمة

ومما نتذكره ويذكره الكثير من الناس الذين قرأوا عن هذا الحدث العظيم، يقول رئيس مجلس الشورى، لما كان صلاح الدين الأيوبي رحمة الله عليه يتفقد الجند في الليل، وعندما كان يسمع ذكر الله والدعاء والتبتل والقيام في جوف الليل في خيام المجاهدين كان يقول من هنا أرجو أن يأتي النصر، ويمر بخيام أخرى ويجد ضحكا وكلاما وحديثا هكذا، فيقول من هنا أخشى أن تأتي الهزيمة، وبين المتحدث أن الذين يتحدثون ويضحكون، هم مجاهدون جاؤوا للموت في سبيل الله عز وجل، ولكن الفرق بينهم وبين الآخرين “هؤلاء قوامون ذاكرون لله سبحانه وتعالى يدعون ربهم في جوف الليل استعدادا لما يتقاسمونه مع إخوانهم أولئك في سبح النهار من الجهاد ومن مقارعة الظالمين الصليبيين”.

وتساءل: هؤلاء القوامون المتلون الذاكرون الداعون لله سبحانه وتعالى من أين جاءتهم هذه الروح؟ فتحدث عن أربعة رجال كان لهم تأثير بليغ في تحويل جيلين أو ثلاثة أجيال في ذلك الوقت قبل هذا التحرير، تحرير القدس في تحويل أجيال من المسلمين إلى هذا الذي رآه وسمعه وعاشه مع هؤلاء الجنود صلاح الدين الأيوبي رحمة الله عليهم.

وأوضح المتحدث أن الفترة التي استولى فيها الصليبيون على بيت المقدس وبلاد الشام وغير ذلك من المواقع كانت فترة حالكة في تاريخ الأمة. استمر الصليبيون في حربهم على المسلمين مدة قرنين. هذان القرنان عرفا انحطاطا وتفككا واضمحلالا بين المسلمين وخاصة بين حكامهم، فكان في كل مدينة تقريبا، وفي كل بلدة أمير، وفي كل بلاد ملك، والصراعات بين هؤلاء الأمراء وبين هؤلاء الملوك، وكان لهؤلاء الملوك وزراء ذوو نفوذ ضخم جدا، وهؤلاء الوزراء في صلة وفي خيانة لبلدانهم مع الصليبيين.

طالع أيضا  ذ. بناجح: قُدوم مدٍّ جديد لموجات كنس الاستبداد مسألة حتمية

واسترسل موضحا “كانت فترة حالكة جدا استغل فيها الصليبيون كل ذلك لكي يستولوا على بيت المقدس وعلى المسجد الأقصى”، فنرى كيف كانت مساهمة هؤلاء الأربعة من الرجال العظام في تحويل وفي صناعة هذا التغيير العظيم في تلك الفترة.

الإمام أبو حامد الغزالي

استهل الأستاذ العلمي هؤلاء الرجال بالإمام الغزالي رحمة الله عليه، الذي كانت بينه مع صلاح الدين الأيوبي وبين معركة حطين الفاصلة التي كانت يوم 24 ربيع الثاني من 583 هـ، جيلان، فالإمام الغزالي رحمة الله عليه عاش ما بين 450، وتوفي رحمة الله عليه، ورفع الله مقامه في 505هـ، وعاش تحولا كبيرا في حياته.

كان الإمام الغزالي “عقلا جبارا، ذا علم واسع، وذا جاه عريض، ورئاسة علمية كبرى، ولكنه عاش تحولا كبيرا لما بلغ الثامنة والثلاثين من عمره، وخرج من جاهه كما هو معلوم وخرج من كل ما كان فيه، في سنة 488 هـ خرج من العراق طالبا وجه الله ومحبة الله ومعرفة الله عز وجل في سلوك غير حياته كلها لمدة عشر سنوات، وغير الله به حال الأمة لأجيال، بل لقرون وفي مختلف أصقاع بلاد الإسلام”.

وأشار إلى الظرف الذي عاشه الإمام الغزالي رحمة الله عليه، ووصفه بأنه “كان ظرفا قاسيا جدا، تفسخ خطير على المستوى (الشعبي)، ناتج عن انحلال وانحطاط في الفكر، خاصة في علم الكلام وفي غلبة قشور الفلسفة على النخبة في ذلك الوقت وخاصة في جانب الإلهيات، وثم أخطر ربما من كل ذلك أو من أخطر ذلك تفشي الباطنية، ورواج سوقها فكرا وإرهابا وقتلا” لأن الباطنية كان لها سوق رائجة جدا في ذلك الوقت، وهي من أشد الفتن على المسلمين في تلك الفترة.

فلما طهر الله سبحانه وتعالى قلب أبي حامد الغزالي رحمة الله عليه، ولما سلك طريقه الجديد، طريق الله سبحانه وتعالى ومعرفة الله عز وجل، وطريق التزكية وطريق فقه الباطن كما كان يسميه، لما من الله عز وجل عليه بكل ذلك يقول العلمي، “انبرى للتربية، وانبرى لتعليم كثير من طلبة العلم ومن عامة النخبة، فكان له تأثير كبير جدا في ذلك الوقت وفي أجيال تلت ذلك”.

الإمام عبد القادر الجيلاني

وثاني هؤلاء الرجال التي اعتبرها من الأسماء العظمى “الإمام عبد القادر الجيلاني” رحمة الله عليه، الذي دخل بغداد في سنة 488 هـ، وهي السنة التي خرج فيها منها الإمام الغزالي.

طالع أيضا  ذ. العلمي: اكتظاظ الأسواق نهار رمضان وحقوق التجار ليلا والصلاة تجعل قرار الإغلاق بعيدا عن الحكمة

ووصف الأستاذ العلمي الإمام عبد القادر الجيلاني رحمة الله عليه بأنه “كان رجلا عالما فذا، بالإضافة إلى كونه رجلا شعبيا واعظا ومعلما لجميع الشرائح، فتلقى عنه وتأثر به السلاطين والوزراء والأمراء والعلماء، والكثير الكثير من شرائح الأمة من نخبتها ومن أصحاب الأموال، ومن الفئات العريضة من الآلاف المؤلفة من أمة رسول الله عليه الصلاة والسلام”.

ومن توفيق الله عز وجل، وتيسيره، أنه عمّر فتجاوز التسعين عاما لأنه عاش ما بين أن ولد في 470 للهجرة، وتوفي رحمة الله عليه في سنة 561 للهجرة. فكانت حياة حافلة بعقود من التربية ومن توجيه القلوب إلى الله عز وجل.

الإمام أحمد الرفاعي

واصل الأستاذ العلمي حديثه فذكر اسم رجل آخر، فقال “ونحن الآن نقترب من سنة الحسم، وسنسمع معركة حطين وما قبلها، نقترب من هذا الحسم نجد اسما آخر وهو اسم الإمام أحمد الرفاعي رحمة الله عليه”. ووضح أن إيمانه كذلك كان له تأثير كبير في العراق وخارج العراق، وهو عاش من 512 هـ إلى 578 للهجرة.

وأضاف: “وكان له تأثير كبير جدا بخلقه وبسمته بوعظه الرقيق وبتربيته الفذة وبتوجيه القلوب إلى الله عز وجل، وتوجيه الناس إلى الأخلاق وإلى السمو الروحي”.

الشيخ أبو مدين الغوث التلمساني

وذكر من هؤلاء الرجال رجلا من الغرب الإسلامي، وكان له تأثير كبير ليس في الأجيال التي تلقت منه التربية في الغرب الإسلامي، ولكن في المعركة ذاتها معركة حطين، وهو سيدي أبو مدين الغوث التلمساني رحمة الله عليه. وقد شارك في موقعة حطين العظيمة هذه لأنه ولد سنة 509 للهجرة، وكانت وفاته عام 594 للهجرة، بمعنى أنه عاش خمسة وثمانين عاما.

ولما شارك في هذه الموقعة كان عمره أربعة وسبعين عاما، وشارك في هذه الموقعة العظيمة الفاصلة الحاسمة مع صلاح الدين الأيوبي، وفي هذه المعركة جاء مع كثير من أهل المغرب، والغرب الإسلامي يقصد به بلاد الجزائر والمغرب والأندلس، وجاءوا إلى هذه المعركة تحت إمرته وإمرة كثير من أهل الله سبحانه وتعالى ومن العلماء.

وذكر العلمي أن ذراعه قطعت في هذه المعركة ودفنت في تلك التربة الطاهرة في بلاد الشام، إلى أن يسر الله عز وجل بعد معركة حطين بشهرين أو أشهر قليلة أن تسلم صلاح الدين الأيوبي والجنود المسلمون، رحمة الله على الجميع، فلسطين وبيت المقدس والمسجد الأقصى في ليلة الإسراء والمعراج في سابع وعشرين رجب من تلك السنة 583 لهجرة.

وترحم على هؤلاء الرجال الأفذاذ “الذين شاء الله عز وجل أن يربوا الأجيال تلو الأجيال وأن يخرجوا بالأمة من انحطاطها رغم فساد الحكم ورغم الصراعات التي كانت بين الحكام. حيث كان الأمير ضد أخيه، ويمكن أن يخون وأن يستعين بالنصارى، والملك يستعين على ملك آخر بـالصليبيين، وهكذا”.

طالع أيضا  ذ. تيزنت: القمع والتشميع لن يثنيني.. ومتشبث بحقي الكامل في بيتي

ولفت إلى أنه رغم تلك الأجواء الخطيرة “كانت التربية تسري سريان الماء في الغصن الرطيب، وأعطت هذه النتائج الباهرة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحم هؤلاء السادة العظام الذين شاء الله عز وجل أن نختم بهم هذه السلسلة”.

الإمام المجدد عبد السلام ياسين

وأشار الأستاذ العلمي في هذه الحلقة إلى بعض الحلقات التي سجلها حول كتاب الإحسان للإمام المجدد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمة الله عليه، وهو موسوعة فذة في بابها.

وذكر -في سياق الحديث عن الإمام الغزالي وعن كتابه إحياء علوم الدين وما أطره من رجال الله عز وجل – كلمة لأحد العلماء الصالحين من بلاد الشام كان يقرأ على بعض الإخوان كتاب الإحسان، ومما قاله هذا العالم الصالح، وهو بالمناسبة من السادة النقشبندية في بلاد الشام، قال “إن كتاب الإحسان سيكون له من التأثير في أمة الإسلام أكثر مما كان لإحياء علوم الدين للإمام الغزالي رحمة الله عليه”.

ودعا العلمي الله تعالى “أن ينفعنا نفعا عظيما بهذا الكتاب”. فختم الحلقة بفقرة من رسالة كان بعثها الأستاذ عبد السلام ياسين رحمة الله عليه إلى إخوة يحفظون القرآن ويشتغلون بحفظ القرآن وحدثهم مما حدثهم من رسالة مهمة جدا، وهي في موقعه موقع الأستاذ عبد السلام ياسين في الإنترنت.

ومما قاله في هذه الرسالة رحمة الله عليه. “بين أيديكم إخواني كتاب الإحسان فيه وصف ما ينبغي وكيف ما ينبغي. لكن العمل والصبر والصدق في الطلب أمر آخر تساعد عليه الصحبة، ويساعد عليه التناصح بينكم، ويساعد عليه الذكر ثم الذكر ثم الذكر”.

وأشار إلى أن الإمام المجدد رحمة الله عليه “يريد أن نخرج من الوصف إلى الاتصاف، من الحديث عن التزكية إلى التزكية، ومن الحديث عن الإحسان إلى الإحسان”.