أولا، يبدو من العبثِ التعجُّبُ في بلدٍ يرزح تحت حكم شمولي استبدادي، من قمع وقفة، أو منع نشاط، لأن الأصل عند هذه الأنظمة هو إخراس كُلِّ الأفواه التي تنطق بغير ما ترضاه وترضى عنه، ومنع “كل ما من شأنه” أن يشوّشَ على سريان “الرأي الوحيد” المفروضِ بقوة القهر والقمع، ولذلك لا يستغربُ الناسُ كثيرا عندما يسمعون خبرا عن قمع وقفة أو الفتك بمسالمين أبرياء خرجوا للاحتجاج والتنديد بظلم أو شطط، سواء كان الظلمُ شغلا مُفتَقَدًا أو خبزا مَسْرُوقًا مُحتَكَرًا، أو كان إنصافا غائبا ومساواة بعيدة المنال، أو حتى مجرد دفاع عن حيف حاصل وضرر نازل، فما بالك إن كان الخروجُ سياسيا، يفضح عُوارَ سياسَةٍ، وتهافُتَ توجُّهٍ، أو حتى ينذِرُ بأخطار كبرى تؤدي إليها تلك السياسات والتوجهات.

دعنا إذا من القمع والمنع بوصفهما تصرفين أصيلَيْن في أنظمة مستبدة لا ترعوي عن الضرب بقوة حاقدة، والبطشِ بكل الوسائل لفرض الإرادة السلطوية الأحادية، سواء عبر القمع المباشر والاعتقالات والسجون، أو عبر الحرب الإعلامية الوضيعة، وحملات التشويه الممنهج، وفبركة الملفات لإخفاء المعارضين وراء جدران السجون، أو إخراس المنتقدين وراء جدران الخوف وإيثارِ عافيةِ المذلة.

إن تساؤلنا إذا ينصبّ على أسباب قمع الوقفات المناهضة للتطبيع بالأساس، ويقف في نفس الآن على خلفياتها ويسائل بعض أبعادها ونتائجها، ويمكن في هذا الإطار أن نبسط أربعةَ أسباب مفسِّرة كما يأتي:

1- إن الاحتجاجَ ضد التطبيع وضدَّ اتفاقيات العار مع الكيان الغاصب، لا يعني في رأي المانعين القامعين سوى الاعتراض الواضح على إرادة الحُكْمِ في المغرب، وهو ما يعني انتقاد الملكية بوصفها عنوان النظام الحاكم وجوهره، وهو الاعتراض الذي لم تعهده الجهات السلطوية، ولا تستسيغه أدواتُها السياسيةُ والإعلاميةُ والثقافيةُ أبدا، بل تقتربُ أن تعتبرَ كُلَّ معترِضٍ على توجُّهٍ رسميٍّ مُعَيّن، مهما كان خطأه وعواقبه، “خروجا” عن “مقتضيات” الإجماع المحروس، وانتباذا لمكانٍ قَصِيٍّ عن “إرادة الوطن”، وهو ما يقترب أن يكون تخوينا غَيْرَ مُعْلَن. ذلك أن الأنظمةَ الشموليةَ لا خَبَرَ عندها ببشرية القرارات والسياسات، وقابليتِها للخطإ والنّقص والحمق أحيانا، وأنّى لها أن تفهم شيئا يسمى المعارضة أو الرأيَ المخالفَ، وأنه من صميم الوطنية الحقة الصّدعُ به، إن لم يكن جهرا به لوجه الله والدار الآخرة ابتداءً.

طالع أيضا  في القدس.. الاستيطان على أشده وناشط يجلي حقيقته

2- يعرف الحكام جيدا أن العمقَ الشعبيَّ ضِدَّ الصهيونية وكيانِها الإرهابي الغاصب، ولذلك تتم التعميةُ على وعيه، ومراوغةُ مشاعره الإسلامية المتوثّبة بجملة من الشعارات والتَّعْمِيَاتِ والتَّوْهيمات التي تنطلي أحيانا كثيرة على الناس، لكنها في أغلب الأحيان تنفضح وينكشفُ زيفُها بسرعة غيرِ متوقعة، ولذلك تم تغليف اتفاقيات العار مع دويلة الاستيطان، بوهم المساعدة على حَلِّ ملفّ الصحراء، قبل أن يتم الانزياح قليلا عن ذلك، في منزلق إعلامي فظيع لتصوير التطبيع بمثابة ذرع لحماية المغرب من جيرانه، وليس مجرد ترضية لأمريكا كي تسندنا في ملف صحرائنا، وهذا الانزياح وإن تم نَفْيُهُ في الخطابات السياسية الرسمية، فإنه مع ذلك يفصح عن كذبة السند الأمريكي، الذي لا زال يراوح المنطقة الرمادية، هذا مع تسجيلنا الاستغراب الكبير، عن طبيعة المقايضة الفجّة، بين جزء من أرضنا -لا نحتاج أحدا كي يثبت حقنا في السيادة عليه- وبين اعترافنا المخزي باغتصاب أرض “الآخرين” وتهجيرهم وتقتيلهم وتعذيب أسراهم، مع العلم أن هؤلاء “الآخرين”، هم إخوتنا في الدين، وأشقاؤنا في كتاب الله تعالى، ومقدساتُهم هي نفسُها مقدساتنا، ونحن مأمورون شرعا وقانونا بالدفاع عنها وَرَدِّ الظلم عن أهلها وحُرَّاسِها، بل محاسبون غدا يوم لقاء الله تعالى عن كل تفريط وخذلان إزّاءَها.

ولذلك فإن سبب منع الاحتجاج بناءً على هذه النقطة هي رغبة النظام في الإيهام باستراتيجة قرار التطبيع بالنسبة للوحدة الترابية بصفة عامة، وهو المنطق المتهافت الذي سقطت سريعا عنه أوراق التوت كما أسلفنا القول، بل الأكيد أنّه يٌخْفِي “مصالح أخرى” لا يستطيع التصريح بها الموقِّعون المستقبِلون للأنجاسِ بالأحضان.

3- إن التسارُعَ الرهيبَ لاتفاقيات الخزي والعار، وشمولَها مجالاتٍ ذاتَ أبعادٍ حسّاسةٍ للغاية طالت مؤسستَنَا العسكريةَ وبلغت إلى مهاد تربية أبنائنا، لَيَفْضَحُ بشكل واسعٍ حجم الكِذبة، ويكشف في نفس الآن المسارَ المخيفَ الذي وضعَ النظام المخزنيُّ عليه سِكَّةَ هذا البلد، عبر فتحه كُلِّيًّا على ما يبدو أمام أمكر كيانٍ وأخبثِ سياسة، وهو الأمرُ الذي قد ينكشف قريباً عن أنه كان نكبةً فعليةً، توشك أن تربط قاطرة بلد إسلامي ضاربِ الجذورِ في التاريخ، بإرادة صهيونية تعادي الإسلامَ والمسلمينَ وتحارب الله ورسوله، وأثبت التاريخُ وكوارثُه ومُخْزِياتُهُ أنها تدخل في إطار إرادة “المغضوبِ عليهم” الملعونين، التي تقف خلف كُلِّ الشُّرُورِ الكَوْنِيَّة، والحمدُ للّهِ أنّ هناكَ الكثير من اليهود المغاربة الذين يرفضون التطبيع ويرفعون أصواتهم عاليا ضدّه وضدّ وجود الكيان الغاصب نفسِه، ويرفضون الالتحاق به أو السكوت عن جرائمه وظلماته.

طالع أيضا  الإسراء والمعراج: ذكرى وعبرة ودعوة

إن قمعَ كُلِّ صوت مُنَدِّدٍ بهذه السياسة وفاضِحٍ لمخططاتها، يُعَدُّ إفصاحا عن خوف من تعاظم الاعتراض الشعبيِّ واستفاقة الوعي الجماعي المُدرِكٍ لعمق الأخطار، وبالتالي فاللعب على إخراس الأصوات وكتم الأنفاس لا يوازيه -سِيَاسَةً- إلا تلك السرعةُ الرهيبةُ التي تسير بها اتفاقيات التطبيع التي سارت تتمدد وتتناسل وتنتشر كالوباء الأسود. إن القمع هنا يشبه تماما ما يسمى مغربيا ب “الكريساج” حيث يَطلُبُ صاحبُ السَّيْفِ المسلَّطِ على الرَّقَبَة إخراجَ ما في الجيوب بهدوءٍ والانسحابَ في صمتٍ دون التفات.

4- تتَّجه الصهيونية العالمية بعد أن ضاق عليها الأمر في فلسطين، إِثْرَ تصاعُدِ قوة المقاومة وقدرتِها على الإيلام والإرباك، وبعد أن تعذَّرَ عليها مسح الذاكرة الفلسطينية ومعها ذاكرة أحرار العالم، وفشِلَتْ في إخراس صوت الحقيقة والعدالة، وتراجعت قدرتُها على إيهام العالم بمظلوميتها الزائفة، إلى البحث عن منافذ استراتيجيا تُنَفِّسُ بها عن مأزقها الدَّاخلي، وتفكُّ بها انسدادَ أفقِها الاستراتيجي المتأثِّر بالتغيُّراتِ الجديدةِ التي تعرفها المجتمعات الغربية وهي تكتشف بلاهة اتِّباع الهوى الصهيوني ومتطلباتِه وكُلْفَتَهُ الاقتصادية والرمزية، وهو ما أنتج وينتج مزاجا عالميّا متصاعدا للتخلِّي عن “الفتى المدلّل” رغم كل أشكال التشبُّث والعربدة التي يظهِرُهُا الكيان المصطنع إزاء هذا الأمر، وما ينفكّ الصمود الفلسطيني متظافرًا مع انكشافُ اللعبة اللاهثة لاحتضان الكيان من لدن الغرب أن يدفع السياسات الغربية نحو التخلي عن “الحمل” غير الشرعي وغير الأخلاقي الذي أنجبه الغرب، وَرَعَتْهُ أمريكا، ومَدَّ لَهُ خَوَنَة الأعراب أمصالَ القوةِ وشرايينَ الحياة منذ عقود. فهل يبحث الكيان اللقيط عن أوطان بديلة تحسُّبًا للأفق المظلم الذي ينتظره بشهادة كبار سَحَرَتِهِ ورؤساء عصابته؟!

إنه أمر واضح، تُعبِّرُ عنهُ هذه الرغبة الجنونية في اختراق كُلِّ شيء، وسرعة النفاذ إلى جميع المجالات والأركان.

طالع أيضا  "كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا" (3/2)

ولهذا فالقمع والمنع الذي تتعرض له الفعاليات المناهضة للتطبيع، يراد به تلقُّفُ الاندفاع الصهيوني وتمكينُ تغلغُلِهِ بعيدا عن أية مقاومة سياسية أو اجتماعية، كما يراد به أن يكون حجابا ساترا لفضيحة ترهن مستقبل الوطن وتضع مقدّراته على مرمى الجشع والخبث الصهيوني، إن لم تترك دَفَّةَ البلد وسيادَتَهُ عُرضةً للتّمادي والتطاول والطّمعِ والاختطاف لا قدّر الله. وإن الرهان على الاستقواء بالأجنبي ما كان طريقا سالكا لبناء الأوطان وصناعة مستقبل يليق بها، بل كان دوما مجلبةً للوصاية وعبئًا تفرضُهُ الحمايةُ، وكان على مَرِّ التاريخ سبيلا لتقويض الاستقرار ورهنِ إرادة الأوطان.

إن الطريقَ الحقيقيَّ نحو المستقبل لا يمُرُّ إلَّا عبر إرادة سياسية وطنية، تقطع مع عقلية الاستفراد ومنطق الأحادية في رسم القرارات المستقبلية وإدارة البلاد، وتتحمل عن وعيٍ حقيقيٍّ ومحبَّةٍ واعترافٍ أمانة المصير الواحد، والمَسِيرِ المشترك، فتتصالحُ مع الشعب وتُعِيدُ الاعتبارَ لإرادته، وتسترجعُ ثِقَتَهُ باحترام إسلامه وصيانَةِ هُوِيَّتِهِ والتَّراجُعِ عمَّا يُهِينُه ويُؤذِيه ويُهدِّدُ مُستقْبَلَهُ..

إنه طريق واضح ووحيد نحو مستقبل واعد لمغرب الغد، طريق بناء الديمقراطية ورفع الوصاية عن الشعب، طريق البناء المشترك، طريق الحرية والكرامة، وليسقط التطبيع.