لقد انخرط المغرب الرسمي للأسف في مسار التطبيع مع العدو الصهيوني، ومهما كانت المبررات المعلنة وغير المعلنة لهذه الخطوة فهي تأتي بطبيعة الحال مع مثيلاتها في باقي البلدان المطبعة على ما بقي من الحياء السياسي للأنظمة العربية التي قاطعت ذات يوم مصر السادات وأخرجت الجامعة العربية من القاهرة احتجاجا واستنكارا لاتفاقية كامب ديفيد، لكن اليوم وبعد أن استنزف العالم العربي بعد سنوات الربيع، وجدت هذه الأنظمة نفسها بدون مشروع، فعندما ولت ظهرها لشعوبها ارتمت في أحضان الهيمنة الغربية وقدمت فروض الولاء للعدو الصهيوني بطاقة عبور إلى الحماية الخارجية المرجوة، لتزداد بذلك الهوة بينها وبين شعوبها وتقطع شعرة معاوية معها، فكيف يعقل أن تتحالف مع كيان هو من بقايا الإرث الاستعماري في المنطقة وأداة للهيمنة عليها ثم تدعي بعد ذلك الدفاع عن مصالح الشعوب؟!
ومما يميز هذه الموجة الهابطة من التطبيع أنها اتخذت أبعادا تجاوزت العلاقات الدبلوماسية والسياسية والعسكرية لتتوجه إلى ما هو إعلامي واجتماعي، إضافة إلى توسيع العلاقات الاقتصادية بشكل فج. وبالتالي تعدد الفاعلون في عملية تنزيل مشروع التطبيع، ورأينا سعارا إعلاميا لتبرير هذه الجريمة بل ونزع أي أبعاد أخلاقية وثقافية تشوهها وتضعها في مكانها الطبيعي في الوجدان العربي الإسلامي الذي يمجها ويتنافى معها وجوديا، وما حدث في المغرب أن المنابر الإعلامية الرسمية ركزت بشدة على مدخل التعايش والتسامح الديني والإرث الحضاري والشعبي الذي لطالما كان تعدديا ويسمح بمساهمات مختلف الطوائف في النسيج الاجتماعي والثقافي، مواكبة بذلك نشاطات وتظاهرات تحتفي بالوجود الثقافي اليهودي ماضيا وحاضرا، وهذا شيء لا يمكن الاختلاف معه لأن الحقائق تبقى حقائق، لكن التوظيف الممجوج لكل ذلك في سياق تبرير جريمة التطبيع مع كيان استعماري عنصري يعود على تلكم القيم الحضارية السامية بالنقض ويعزز عوامل التطرف المضاد الذي لا يميز بين الصهيونية واليهودية مثلا…
وعلى ما يبدو فإن مدخل التعايش والتسامح الديني جزء أساسي من استراتيجية الترويج للتطبيع الشامل مع العدو الصهيوني، حيث إنه بالإضافة إلى الإعلام نشطت بعض الجمعيات المغربية في فتح الفضاء العام المغربي للتطبيع الاجتماعي والثقافي والرياضي، متيحة الفرصة لممثلي دولة الاحتلال للظهور في فعاليات مختلفة وكسر حاجز الرفض الشعبي لأية علاقة مع الكيان المحتل، وقد ذهبت بعض الجمعيات إلى مدى أبعد بتوقيع اتفاقيات على مستوى دولي بحيث تروج للسردية الصهيونية عن المحرقة وتتبنى الآلية الدفاعية/الهجومية لمحاصرة أي رأي أو فعل ضد الاحتلال الصهيوني باعتباره معاداة للسامية.
وفي الحقيقة فإن هذا الانسجام بين بعض الفاعلين الجمعويين – بغض النظر عن خلفياتهم وتوجهاتهم- والتوجه الرسمي نحو التطبيع لا يخرج عن واقع التبعية والهيمنة الممارسة من قبل الدولة على الفاعل الجمعوي، بحيث تجني الدولة ثمار استراتيجيتها في توظيف واحتواء الفاعل الجمعوي التي أطلقتها بعد تدهور الوضع التنموي في الثمانينات، فأصبحت الجمعية “شريكا” في التنمية، وتوسعت مجالات الشراكة لتشمل التربية والتكوين وحقوق الإنسان، وتدبير الشأن المحلي وأيضا ما يسمى بالدبلوماسية الموازية، وبالتالي أصبح الفاعل الجمعوي بشكل أو بآخر فاعلا رسميا، وأصبحت لدينا جمعيات إدارية على غرار الأحزاب الإدارية، بحيث تتلقى وتتبنى الجمعية توجهات الدولة وإملاءاتها دون وعي نقدي، بل إن مسارات الشراكة مع الدولة فتحت أبوابا من الفساد والريع بالموازاة مع خطاب دولتي لا ينسجم مع طبيعة المجتمع المدني المستقل الواعي بمصالح الجماعة الداخلية والخارجية.
لا يمكن أن نتصور الفعل الجمعوي بالتأكيد إلا تعبيرا عن الإرادة الجامعة للأمة وتجسيدا للفسيفساء الاجتماعية والهوياتية والفكرية، وأيضا مجالا فسيحا متعدد المداخل والتأثيرات للدفاع عن المصالح العليا والقضايا المصيرية، وبالتالي فإنه إلى جانب القطاع الرسمي الحكومي رافعة أساسية وجوهرية للفعل العام، لكنه أيضا يجب أن ينسجم مع طبيعة المجتمع المدني “كهيئة مستقلة عن الدولة، أي هيئة مستقلة عن الهيئة السياسية، فلا يصدق عليه ما يصدق على الدولة من أحكام الحياد والنزاهة والمساواة بالنسبة إلى مختلف تصورات الناس الدينية والفلسفية للخير” كما يقرر الفيلسوف طه عبد الرحمن حفظه الله، فالمجتمع المدني لا يتبنى موقفا محايدا أو براغماتيا تجاه القضايا المصيرية للأمة، ولا يعطي مجالا للإفساد لأنه “لا حياد في زمن الإفساد” وفي دولة الإفساد ومع كيانات الإفساد في الأرض.
لكن في هذا السياق الاستبدادي، تحاول بعض الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني مشاركة الدولة في خلق تطبيع شامل وكامل مع العدو الصهيوني باستغلال ثغرة مهمة تتمثل في تغييب الموقف من الفكرة الصهيونية باعتبارها فكرة استعمارية عنصرية راديكالية أساسا، ثم من جرائم الاحتلال الصهيوني ضد المقدسات الإسلامية والمسيحية التي يلتف حولها الملايير حول العالم، وضد الشعب الفلسطيني بكل أطيافه وجيرانه والمنطقة بشكل عام باختلاف مستويات هذا الإجرام، وهنا أيضا يغيب مفهوم جوهري في القانون والقانون الدولي والعلاقات الخارجية بشكل تام عندما يتعلق الأمر بالصهيونية وإسرائيل، وأقصد بهذا مفهوم الإرهاب، فلا الصهيونية تجرم بشكل قانوني ولا الدولة المغربية تعتبر الجرائم الإسرائيلية إرهابا، وبالتالي أمكن تطبيع العلاقات واستقبال مجرمي حرب والتغاضي عن الانتهاك المستمر للدين والإنسان والأرض والتاريخ بغض الطرف وتجاوز تلكم المنطقة الحرجة وتحويل النقاش إلى قضايا ثقافية كالتعايش والتسامح من جهة، وادعاء تحقيق مصالح تخص الوحدة الترابية للمملكة والتبادل الاقتصادي من جهة أخرى، لكن الجهة الأولى هي الأخطر لأن الغاية فيها هي خلق تطبيع شعبي مع الكيان الصهيوني.

طالع أيضا  الإنسان والعمران.. أسس ومداخل في مشروع التغيير المجتمعي عند الإمام عبد السلام ياسين

يعلم الجميع دون الحاجة لكثير كلام أن هذا المسار لن ينفع المغرب في شيء، فبمجرد القياس على تجارب التطبيع السابقة في العالم العربي يتبين أنه كما لم تحقق الدول المطبعة تنمية ولا أمنا فإن المغرب لن يستفيد من التطبيع، وأن هذه الخطوة ستنتهي لا محالة إلى الفشل الذريع، لكن الغرض من هذا المقال هو التحذير من آثار التطبيع الجمعوي رغم أنه في بداياته، ولفت انتباه الغيورين والأمناء الأحرار على قيم ومصالح الشعب المغربي إلى خطورة استفحال هذه الظاهرة، وضرورة محاصرتها ووضع استراتيجيات مناسبة لسد الذرائع الفكرية والقانونية والسياسية المؤدية إليها، بل وإعطاء زخم متجدد لحضور القضية الفلسطينية في الساحة الشعبية والثقافية المغربية، وتكثيف الصلات مع الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية ودعم حضورهما في المجال العام المغربي بأشكال أكثر إبداعا وفاعلية، والنضال من أجل قوانين تحاصر الكيانات الاستعمارية وأنظمة الفصل العنصري والاضطهاد وجرائم الحرب.. وحظر التعامل معها والترويج لها في الإعلام والفضاء العام المغربي.

لا بد من مسار جمعوي مدني وحراك سلمي قوي وذكي لمواجهة هذا المشروع وتقويض أسسه (لأن استباحة المجتمع المدني المغربي لصالح الكيان الصهيوني هدم للذات وقلب لمنظومة قيمية كاملة ساهم في بنائها أحرار الشعب المغربي مسلمين ويهودا، وإعلان حرب على مقدسات المغاربة في عقر دراهم وبين ظهرانيهم وتمكين لسياسات فاشلة تهدد البلد بالخيبات والنكسات) وإعادة ربط عروة التحرر ووصل ما انقطع من إصلاح سياسي واجتماعي انطلق في 2011، ولئن كان من درس يستفاد من هذه الهجمة الصهيونية فلن يكون سوى أن الطبيعة لا تقبل الفراغ وأن الانكفاء عن الإصلاح يفتح المجال للإفساد والمفسدين أن يمدوا أيديهم إلى عقر دارك وسيسعون إلى تغيير المعادلة، ويعلمنا التاريخ القريب أنه بعد الحرب الباردة شهد العالم حركة انتقال ديموقراطي كان المجتمع المدني المحرك الرئيس فيها، وأطلق على هذه الحركة: صحوة المجتمع المدني، ولذلك فالاستراتيجية المضادة لسياق ومساق التطبيع هي العودة إلى تقوية المجتمع المدني الحي وبسط أبعاد فاعليته وتأثيره.
ولن يستقيم لنا قول ونحن نرجو السداد والبيان والنذارة إلا بأن نختم بالتحذير السماوي الرباني الذي يوقظ الضمائر وينور العقول ويزكي النفوس ويقيم الموازين القسط لمن شاء أن يذكر أو أراد شكورا، قال سبحانه وتعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴿77﴾ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿78﴾ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴿79﴾ تَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ﴿80﴾ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴿81﴾ سورة المائدة.

طالع أيضا  دة. قطني: الانتخابات في المغرب كانت دائما وما تزال فرصة لاستقواء المخزن