بقلم: عبد الرحمن بن احمد

تحل علينا الذكرى التاسعة لرحيل الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، الذي ترك لنا أثرا وإرثا. فأما الأثر فيتمثل في سيرته العطرة ومناقبه الفاضلة، سيرة عنوانها البارز الثبات على المبادئ، ووصل العلم بالعمل، فلم يكن رحمه الله تعالى صاحب خطبة فقط، ولكن صاحب خطبة وخطوة، وقد شهد له بذلك البعيد قبل القريب.

حمل هم أمته والإنسانية جمعاء قبل هم نفسه. من محراب التبتل والدعاء، ومن عصارة وقوفه بين يدي الله تعالى، وبكائه بالأسحار، والتماسه لأوقات الخير، خرج بالمنهاج النبوي، ومشروعه المجتمعي التغييري. 

أما إرثه رحمه الله فهو كل ما خطت يمينه، وكل لقاءاته المسموعة والمرئية، والتي يميزها جميعها: وضوح التصور، وشمولية الطرح، وعمق التناول، وتعدد زوايا النظر، كل ذلك لم يكن عنده ترفا فكريا، وتنظيرا مجردا عن الواقع، بل كان نتيجة أسئلة حارقة مقلقة سؤال الذات من تكون وما وظيفتها في هذه الحياة؟ وما مصيرها بعد الموت؟ ومن حرقة البحث عن الماهية وأزمة القلب، انبثقت اليقظة القلبية والخلاص الفردي، رحلة طويلة شاقة غوصا في شعب الإيمان ومعراجا في مدارج الإحسان.

ليس هذا فحسب، بل ثمة أسئلة ظلت تقض مضجع الإمام حتى وهو في نشوة اكتشافه لذاته، وخلوته مع ربه عز وجل تحت سقف زاوية الذكر وإصلاح خويصية النفس. أسئلة تتعلق بواقع الأمة ووظائفها ومصيرها ومن أفسد أحوالها؟ ومن يصلح أمرها؟ أسئلة ضاق بها سقف زاوية إصلاح النفس تحت ظل الشيخ، فما كان من الإمام رحمه الله تعالى إلا أن خرج ليحرر الزاوية من ثقل السؤال حتى لا يُحمَّلها ما لا تطيق من إجابات تتجاوز الخلاص الفردي إلى الخلاص الجماعي، وتصل حبل الإحسان بحبل العدل المفقود منذ انفرطت أول عرى الإسلام بانفراط الحكم والسطو عليه، فانكسرت شوكة المسلمين حين انكسر حكمهم، فاستحالت الخلافة إلى ملك عضوض وجبري، واستحالت الشورى إلى قول الحاكم الذي لا يرد له قول، واستحالت المبايعة إلى بيعة إكراه وتوريث الصبيان في الخرق. ففسد الحكم وفسد معه المجتمع وتعشعش فيه النفاق. فأصبحت الأمة كما مهملا، وغثاء لا وزن له رغم كثرة عددها وما معها من رصيد معنوي، ومحجة لاحبة ومعجزة خالدة.

طالع أيضا  هكذا قال الإمام عبد السلام ياسين.. في “التعليم”

لم يقف الإمام عند التوصيف، بل تجاوزه إلى حد استشراف المستقبل واقتراح شروط التغيير، ينظر في التاريخ من أعاليه بمنظار الوحي، ويستحضر الواقع – واقع الفرد والأمة – باعتباره نتائج لأسباب تغييرها يؤدي إلى تغييره. ويستشرف المستقبل ويبشر به، ويقترح على الأمة والأفراد خارطة الطريق لتغيير ما بالأنفس والآفاق إنه المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا.

 بعد التنظير، وكتابة ما انتهى إليه نظره خلال رحلته الطويلة في البحث عن الذات والنظر في أحوال الأمة ومصيرها، سعى رحمه الله تعالى لإعادة بناء ما انتقض، وجمع ما تفرق، وإحياء ما أهمل بتطاول العهد والزمان، مستنا في ذلك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقام وقال كلمة الحق أمام سلطان جائر، ولم يخش في ذلك لومة لائم، ورفع بذلك الحرج عن الأمة وعلمائها، وجمع قلوب المؤمنين في دار شبيهة بدار الأرقم بن أبي الأرقم من حيث الوظيفة والمعنى، فجمع  بتوفيق من الله ما تفرق بعد النبوة  والخلافة الراشدة، حفَّز وبشر وأوصى بما أوصى به الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: الوجهة الله والموعد الله فدعا إلى تغيير ما بالأنفس والآفاق، والأساس في ذلك التربية الإيمانية، والمدخل الصحبة والجماعة والذكر والصدق، وباقي الخصال العشر تأتي عند صدق الطلب وصفاء السريرة وعطاء  بالرهان ببذل النفس والمال والوقت والتخلق بالتؤدة والسمت الحسن، والاقتصاد بما هو استقامة واعتدال وتوسط، وذروة سنام الأمر كله الجهاد وأوله ورأسه جهاد النفس والهوى والشيطان، وكماله جهاد الباطل بكل تجلياته، والغاية إرادة وجه الله تعالى، وعلى هذا بني المنهاج النبوي بما هو تربية وتنظيم وزحف. وعليه قام مشروع العدل والإحسان بما هو مشروع تغييري يطلب الإحسان ويدعو إلى العدل.

رحم الله الإمام المجدد عبد السلام ياسين وأجزل له العطاء بما دل ووجه ووعظ، وأرشد وبذل وجاهد، وأعطى في ذلك البرهان من نفسه وماله ووقته، فترجل رحمه الله وقد صدق ما عاهد الله عليه، وترك أحبابه وترك لهم المحجبة الواضحة وللأمة متى طلبت المنهاج بما هو طريق لاحب. 

طالع أيضا  وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّلَوٰةِ