ترمي هذا المقالة إلى تسليط بعض الضوء على التصور الذي يقدمه الإمام المجدد عبد السلام ياسين لمشروع التغيير المجتمعي، من خلال رصد بعض أهم الملامح والمعالم التي تضبطه في بعض عناصره الجامعة، وذلك بالوقوف عند المرجعية التي تؤطر أسسه، وعند بعض المفاهيم المستعملة في أبعادها الوظيفية الفردية والجماعية. وقد اعتمدنا تلك الأسس مقدمة لمعاجلة جملة من المداخل المتعددة المستويات، التي يعرض فيها الإمام رحمه الله تعالى منطلقات تقترح آراء جديرة بالتأمل، لصناعة أرضية للتفكير والحوار من أجل نهوض جماعي للبحث عن حلول ناجعة تخرجنا من وضعية الكارثة التي تعيشها النماذج التنموية المعرضة في سياقات الاستبداد والفساد التي تخنقنا.

أسس المشروع المجتمعي:

يمكن أن نقف عند أهم الأسس الناظمة لمشروع التغيير المجتمعي الذي يقترحه الإمام عبد السلام ياسين، من خلال ما يأتي:

– يصدر هذا المشروع المجتمعي عن تصور فكري يمتح من نظرية المنهاج النبوي بما هي بناء تصوري عام يقدم نظرة تغييرية متكاملة تستشرف غد الخلافة الثانية على منهاج النبوة، وتروم تحقيق العدل بكل معانيه لأجل أن يجد الإنسان الفرصة ليعبد الله على قاعدة الترقي في مراتب الدين بلوغا إلى مراتب الإحسان على النهج الذي غير به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أبناء المجتمع الجاهلي ليصنع منهم الأمة التي سادت الدنيا. ينبني هذا المشروع إذن باستناده إلى المرجعية النظرية تلك على الجمع بين قضيتين مركزيتين: قضية السلوك الفردي للإنسان في وعيه بمصدر وجوده ومعناه وغايته ومصيره، أي في إدراكه للمخلوقية والعبودية والاستخلاف والموت. وقضية حركة الجماعة في بناء مجتمع العدل نصرة للمستضعفين، وإقامة لاقتصاد القوة والكفاية، وعمارة للأرض بلحمة الروابط الأخوية.

–  يتأسس هذا المشروع المجتمعي على مفهوم تجديدي للتغيير، يجد مرجعيته في الوحي الإلهي كتاب الله المسطور، وفي التجسيد السني النبوي لحركية التغيير النبوية لمجتمع الجاهلية، وفي قراءة كتاب العالم المنظور، وهو تغيير يضع الإنسان في مقدمة أولوياته ليخدم أم الغايات تحرير الإنسان من عبادة غير الله، فـ “ذلك التغيير لا يدور حول نفسه، ولا ينتهي عند مقدماته، بل يدور حول الإنسان، ويخدُم غاية تحريره من كل عبودية، ليدخل في العبودية لله عز وجل” 1. كما يضع لحسابات السياسة والاقتصاد موضعها المعتبر في سلم تلك الأولويات بما يصنع الباعث الأسمى لفاعلية العامل الذاتي في كل تغيير حقيقي، إذ إن “كل تغيير في السياسية والاقتصاد فإنما هو تبَعٌ لهذا التغيير الكلي الجوهري للإنسان، ونفسيته وعقيدته وأخلاقه وإرادته، وحركته كلها على الأرض لتكون حركةً لها غاية ومعنى، وارتباط بمصيره بعد الموت، وبمصير أمته في التاريخ” 2. إنه تغيير جوهري استراتيجي أفقه مستقبلي مصيري، فعند الإمام عبد السلام ياسين “المستقبل لتغيير عميق شامل، تغيير من داخل الإنسان، من تربية الإنسان، من تعليم الإنسان. التغيير أجيال، التغيير أمهات صالحات، التغيير مدرسة صالحة، التغيير مَنَعةٌ ضد الامتداد السرطاني للثقافة الدوابية، التغيير إعادة بناء الأمة على أصولها، التغيير تعبئة أمة، قومة أمة” 3.

–  يعبر الإمام عبد السلام ياسين عن هذا المشروع التغييري المجتمعي بمفهوم “العمران الأخوي” ليقدمه بديلا لمفردات التنمية والتقدم والتحديث والتحضر ذات الأبعاد المادية الصرفة التي لا تضع في حسبانها الأبعاد الروحية التي تنتج عن عمارة المسجد بالإيمان، وعمارة الأرض بالصلاح والإصلاح، وعمارة العلاقات الإنسانية بالمحبة، وعمارة الكون كله بالرحمة، فيكون العمران دالا على معاني العمارة والإعمار المحققة للازدهار والرفاهية والشرط العدلي لتأسيس الحضارة، كما يكون مشتملا على روح الولاية العامة، ومدلولات التعاون والتكافل والتضامن والتآخي والصلة العامة للرحم العقيدية والدموية والإنسانية. وقد ركز الإمام على شروط مهمة لبناء هذا العمران الأخوي تتمثل في الاستقرار على الشورى ثم المشاركة العامة فشرط وضوح الأهداف فملاءمة الوسائل المتاحة للأهداف العمرانية الأخوية 4.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله أديبا وشاعرا

مداخل المشروع المجتمعي: 5

ينبني المشروع المجتمعي الذي يعرضه الإمام عبد السلام بمرجعيته التنظيرية، ومفاهيمه التغييرية وصيغه المجتمعية المذكورة آنفا على جملة من المداخل أهمها:

1.  المدخل السياسي:

يصدر الإمام عن موقف انتقادي صارم لفساد المشهد السياسي بفاعليه الأساسيين والتابعين، ويسائل من منطق الوضوح والمسؤولية حقائق شعارات الديموقراطية والحداثة والتمسح بالإسلام، ليركز على مبدإ الحوار العام الذي لا يقصى منه أحد، وعلى ضرورة الحل الجماعي أمام أعين الشعب وتحت سمعه وبصره، وعلى أهمية التوافق في إطار “ميثاق” مشترك يصنع جبهة مجتمعية لمجابهة التسلط الاستبدادي والفساد الاقتصادي والمالي والخلقي والقيمي. وإن المنطلق العام الذي يركز فيه الإمام على مسلك التربية وما يقتضيه من صبر ومصابرة وتؤدة وتوازن واستمرارية وعمق وانغراس جذري في أرضية التربية الإيمانية الموصولة بسماء الروحانية العالية يفرض عند الإمام تجاوز التهافت المقيت على السياسة السياسوية والتنازع البغيض على الحكم وكراسيه، والتسارع غير المجدي لاحتراف إدارة أزمات السياسة الكارثة.

يناقش الإمام عبد السلام ياسين هنا وبعمق فكري تاريخي وسياسي، مدى قدرة الديمقراطية والديموقراطيين والحداثة والحداثيين على قبول الإسلاميين، ومدى قدرة الإسلاميين على الاستفادة من الديموقراطية آلية لتدبير الاختلاف من دون الانجرار وراء الخلفيات الفلسفية والسياقات المرجعية. لذا يدعو الإمام عبد السلام ياسين إلى فهم معنى الشورى التي لا تميز بين الحكم والدين، ولا بين المسجد والبرلمان، محددا جملة من المبادئ الناظمة على رأسها صياغة ميثاق مشترك يفرز لنا جمعية تأسيسية عمومية يوكل إليها صناعة دستور متين مستقر بعيد عن أهواء التغييرات ولعبة المراجعات على أن يعبر هذا الدستور عن هوية الأمة وقيمها، ومنها فصل السلط، واستقلالية ونزاهة القضاء، وكذا حرية الصحافة التي تؤدي مهام إعلامية أخلاقية، وأيضا التعددية. وكل هذا وجب أن يتأطر بآليات الوضوح والصراحة والشفافية والنقاش العمومي.

2.  المدخل الاجتماعي:

ينبني التغيير الاجتماعي عند الإمام عبد السلام ياسين على مفهوم إعادة الصياغة الذي يتساوق وضرورة الاشتغال بالإنسان ليستعيد فطرته التي عُمِّي عليها بفعل تتالي الفتن؛ فلا تغيير اجتماعي يُمَكِّن من تقوية لحمة المجتمع من دون تربية الإنسان وإعادة تشكيل شخصيته، وتكوين ذاته على مختلف أصعدة ملكاته الوجدانية والعقلية والحركية، وإذهاب مخلفات التربية السلبية، وتذويب الذهنيات الرعوية والانتظارية والقطع مع العادات الجارفة. وهذا أمر غير متيسر إن لم يعضده تأسيس قوي لنظام قيمي أخلاقي إسلامي يخترق كل أنساق التنشئة الاجتماعية ومؤسساتها ليكون البناء على تقوى من الله وهدي من سنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم. تأتي بعد بناء الإنسان وتربيته التربية المتوازنة فاعلية المجتمع وحركيته المتوثبة، وهنا يبدع الإمام لفظ الحركة الشعبية المتطوعة الباذلة التي بدونها لن يكون هناك معنى للتنمية المنشودة؛ فالبذل والتطوع والمشاركة الجماعية للكل والتعبئة المجتمعية واليقظة العامة عوامل حاسمة في التأسيس للجهد الشعبي والجندية المجتمعية التي ستدفع إلى الإقلاع العام نحو تحقيق الأخوة والتكافل والتعاون لمجابهة تحديات البناء الجماعي للأمة. يراهن الإمام عبد السلام ياسين في هذا المستوى على ما ستحدثه أجواء الثقة ونفحة المسجد من بواعث تحفز على العمل الدؤوب لتحصين الجبهة الداخلية وتوسيع مساحات الفعل المشترك مع مختلف الفاعلين ومع أهل المروءات والفضل.

طالع أيضا  أحداث بنت الجماعة وصنعت رجالها: محاكمة مجلس الإرشاد سنة 1990 (2/2)

ولن يتم نقل المجتمع بحسب نظرة الإمام عبد السلام ياسين من هوامش التسيب والاضمحلال إلى سمو الفاعلية ورفاهية التنمية بتكرار طرائق التأهيل العنفي كما نجده عند النماذج القمعية للأنظمة الشيوعية السوفياتية والصينية الماضي بعضها والمستمر بعضها الآخر، وإنما عبر تفعيل مبدأ العفو الذي يقود العملية التغييرية بالرفق والتؤدة والحكمة، وتثمين الفاعل البشري وتحفيزه وتطوير إمكاناته ليسهم بإدراك وعيه الوجودي في إيجاد البنية العدلية اللازمة لبلوغ المراد من الاستخلاف في الأرض عبودية وعمرانا. وسيتطلب هذا الفهم التركيز على مجالات البناء الحقيقي للمجتمع بالانصراف إلى مؤسسة الأسرة والطفولة بالنظر إلى وضعهما الاعتباري عموما، وبالنظر إلى ما تحياه الطفولة التعيسة عندنا والمرأة مستضعفة المستضعفين من واقع الظلم والحرمان والإهمال.

3.  المدخل الاقتصادي

سيواجه المشروع المجتمعي المقترح من طرف الإمام عبد السلام ياسين في مداخله الاقتصادية إشكالات جمة تبرز على الخصوص في تواطؤ الخطر العولمي وتجليات التخلف والفساد العامين وتأثيرات ذلك على الاستقرار الاجتماعي، وسيكون مهما تحقيق الوعي في المقاربة الاقتصادية المطروحة بالتفكير في اقتصاد يتجاوز حدود الدولة القطرية ليعانق الاستفادة من مقدرات الأمة وطاقاتها، وبضرورة الصدور عن عفو اقتصادي يصمت عن الأموال المشبوهة، وكذا بالحاجة إلى الاقتصاد الربوي وإلى ضرورات التقشف في المرحلة الانتقالية، دون نسيان أهمية التأسيس لقيادة اقتصادية تجمع الحكومة، والحركة النقابية، والتطوع الشعبي.

 بالنسبة للسياسية الاقتصادية المقترحة فيفترض فيها أن تقوم على دعائم توائم بين تحكيم الصرامة الأخلاقية وبين متطلبات الظرفية المعيشية الواقعية، وهو ما سيُحتاج فيه إلى تنمية تلائم قيم كياننا الاجتماعي وتعلي من معاني البذل والتكافل والتضامن، وإلى تحفيز العامل البشري والعناية بالكفاءة والنبوغ في أفق تحقيق اقتصاد الكفاية فاقتصاد القوة. ومن الإجراءات التي ستمكن من تحقيق ذلك بالتدرج التوزيع العادل للفائض الاقتصادي، والتدبير الجيد لمداخيل الزكاة، والقدرة على تحقيق التوازن بين تنافسية المقاولة ونظام الضمان الاجتماع، وكذا تشجيع الاستثمار الإنتاجي وردع المضاربات العقيمة، هذا على جانب تفكيك جماعات الضغط الاقتصادي، وإصلاح الإدارة والقضاء.

4. المدخل التربوي التعليمي

في المدخل التربوي التعليمي يقف بنا الإمام عبد السلام ياسين عند قضيتي الاستبداد والتغريب وتأثيرهما على واقع التعليم هوية واختيارات، منطلقا من تصور شمولي يولي التعليم مكانة الصدارة في أسبقية الأسبقيات في سلم التغيير المجتمعي، لكن ضمن فهم جذري لمعنى التغيير يرى أنه “لا يمكن إصلاحُ المدرسة والجامعة والمعهد وسَطَ خمول المحيط الاجتماعي السياسي الاقتصادي. فالكل مرتبط، ولا يمكن للشخصية الإسلامية أن تنشَأَ ولا أن تَصِحَّ وتقْوَى في قارورة مُغْلقة، أو في الهواء المُعَقَّم، بعيدا عن تأثيرات ما يجري في الأرض، خاصةً ما يجري في الاقتصاد” 6.

طالع أيضا  د. عمر احرشان يجيب عن سؤال الجدوى من مقاطعة الانتخابات

نادى الإمام عبد السلام ياسين بتحرير التعليم من هذه المخربات التي أحدثت جراحات كبيرة في الجسم التعليمي، بتحريره من الاستبداد ليحتضنه الشعب لا الحاكم الظالم، ومن التغريب ليكون معبرا عن هويتنا وقيمنا، ومن التسلط الأجنبي ليستقل قرارنا التربوي فيستجيب لحاجياتنا حالا ومآلا.

بهذا التحرير العام لرقبة التعليم تبدأ عمليات البناء والتأسيس لتعليم يعود إلى كنف الأمة ليعلم الفرد معنى العلم الحقيقي الدال على الله، وليعلم الشعب العلوم النافعة. كل ذلك في نسق تتوافق فيه التربية مع التعليم والثقافة مع التهذيب، والأخلاق والقيم مع المعارف والمهارات، بمضامين قرآنية سارية في المنهاج الدراسي، وبلغة وطنية هي آلة التدريس وجوهره وقناة توصيله، وببحث علمي مكتسب للعلوم متطور لها مجدد لها، دون نسيان تعميم تعليم هو عند الإمام “مقدمة لاغتنام التقنيات التي هي قوام التصنيع” و مدخل استصفاء النبغاء، مع إعادة الاعتبار لرجل التعليم وليكون صاحب رسالة لا عبد حوالة، وليؤدي وظائف التربية والتعليم والتغيير على أتم وجه وأكمله ضمن شروط توفر ظروف العيش الكريم وسبل التدريب المستمر والترقي المحفز.

خلاصة

في كل الأسس الآنفة والمداخل السابقة ينشغل الإمام عبد السلام ياسين عن سؤال ماذا؟ بسؤال من؟ ولماذا؟ وكيف؟ فقبل الحديث عن التنمية والتطور والتقدم والازدهار والرفاهية والترف، يطرح الإمام عبد السلام ياسين أسئلة المعنى والفاعل. تنمية من أجل ماذا؟ ومن يقوم بالتنمية؟ لا تغني تنمية ومعاش واقتصاد لا تشبع الفراغ الروحي والخواء النفسي لإنسان فاقد لمعناه غافل عن معاده. وإن مشروعا مجتمعيا لا يُمَكِّن الإنسان من أقدس حقوقه حقه في معرفة ربه، لَمشروعٌ عابث مغرق في اللامعنى، لذا كان تنبيه الإمام عبد السلام ياسين إلى سلطة التربية المضادة التي ستدافع عن معاقلها دون هوادة، وإلى ضرورة اجتثاث الجذور المادية التي عنها ينبع البؤس المادي والاجتماعي، اللذان يصنعان الانحطاط الخلقي والروحي.


[1] ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، دار لبنان، ط1، 2009، ص 86.
[2] نفسه، ص 88.
[3] ياسين، عبد السلام، العدل؛ الإسلاميون والحكم، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط 1، 2000، ص: 691.
[4] نفسه، ص 176 وما بعدها.
[5] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، وينظر التقديم الذي قام به للكتاب الأساتذة: عمر الكتاني، ندية ياسين، عبد اللطيف الحاتمي في ندوة بالرباط 9/7/98.
[6] ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة ص 180و181.