قامت دعوة الله تعالى على إخراج الناس من ظلمات الجهالة والتظالم والبعد عن الله تعالى، إلى أنوار الإيمان وإقامة العدل وتأمين المكلفين على حقوقهم والدعوة إلى العلم الذي يتصدر العلم بالله أول مراقيه، وأية دعوة تقصد انبعاث الأمة وإحياءها تتصدر هذه المعاني أولوياتها. ولم تشذ دعوة الإمام عبد السلام ياسين التجديدية، جدد الله عليه الرحمات، عن هذه المطالب.

ولما كان العلم أساسا لكل حركة فاعلة داخل الأمة، سأخصه بالمناولة ضمن هذه الكلمات التي تقصد بعد مرضاة الله تعالى، إماطة اللثام عن معلم من معالم فكر رجل قضى نحبه وهو يدعو ويؤسس بالأقوال والفعال لإنقاذ الإنسان من التردي المعنوي طلبا للإحسان، والتراجع الحقوقي إقامة للعدل.

تحديدات مفاهمية

العلم:

العلم “الاعتقاد الجازم المطابق للواقع”، و”صفة راسخة تدرك بها الكليات والجزئيات، وهو وصول النّفس إلى معنى الشّيء” 1، والعلم “بصيغة الإفراد هو العلم الكامل، وهو العلم بالله وبالإنسان ومصيره” 2.

يتبين أن العلم نشاط إنساني متقن يعتمد على إعمال الوحي والعقل والحسّ والتّجربة لبلوغ المعاني، فضلا عن التّطلّع لإدراك تراكم معرفي غايته العمل، به يتميّز الإنسان عن غيره، ويؤثّر في محيطه، ويصحّح سلوكياته حتّى توافق مراد الله من خلقه.

إن العلم الذي يورّث الخشية والتقوى والمعرفة بالله تعالى، هو أشرف العلم وأزكاه وأكرمه، “هو العلم الحق بالحق. هو العلم بالله عز وجل وبكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، هو العلم بما فرض الله وسنّ رسوله صلى الله عليه وسلم. وهو العلم المفروض طلبه فرضا بنصّ الحديث. فهذا هو العلم الواجب، لا يسع التائب الاستغناء عنه من مصادره بتواضع وحرص، ولا يسع النّاشئ في حضن الإيمان أن يكتفي منه بالقطرات” 3، وتأتي العلوم الكونية باختراعاتها ونتاجاتها المتفوّقة من أجل أن تخدم مقاصده وغاياته؛ علم لا يقتصر على أمور الدنيا أو الآخرة، بل هما معا في انسياب وانسجام، إذ الأوّل بشروطه يُنجح لنا الدّنيا التي هي دارنا، ويسدّد جهود الاستخلاف والإعمار بما يحقّق الإصلاح وعدم الإفساد، ويجعل لأمّتنا مقاما بين الأمم، تنافسها في دنياها ولا تظل في الذّيل تابعة لها ذليلة منكسرة، تنتظر صدقاتها المغلّفة بأغطية التّدجين والاستيلاب والاستصغار والاستعمار، أمّا الثاني ففيه صلاح معادنا الذي هو عاقبة أمرنا، به نتعلّم الوقوف المتذلّل بين أعتاب شريعة الله تعالى وعند حدوده وأحكامه لا نخالفها، به نتمكّن من معرفة ربّنا خالقنا وعبادته على النّحو الذي يريد، به نتعلّم تزكية نفوسنا وتطبيب أدوائها لتخلص لربّها وتستجيب لنداء العبودية له سبحانه، به نفقه خطاب الله لخلقه، ونحسن تدبّر كتابيه المسطور والمنظور، به نتعلّم محبّة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ومحابّهما، به نتعلّم الاقتداء والاتّباع للحضرة الشّريفة ولمن تربّى في حجرها من الصّحابة والصّحابيات رضي الله عنهم منارات الهدى والصّلاح، به نتعلّم اليقين والخشية، يقول الحق سبحانه: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (سورة فاطر، الآية 28).

طالع أيضا  التربية على الرفق وأهميتها في التغيير

يشمل العلم النافع المقصود المرغوب… تتمة المقال على موقع مومنات نت.


[1] علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني، التّعريفات، تحقيق جماعة من العلماء بإشراف الناشر، دار الكتب العلمية، ط1، 1403هـ/ 1983م، بيروت، ص 155.
[2] عبد السلام ياسين، محنة العقل المسلم، مؤسسة التّغليف والطباعة والتوزيع للشمال، ط1، 1994م، الرباط، ص92.
[3] عبد السلام، ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين مطبوعات الأفق، ط1، 1994م. صص 142،143 بتصرّف.