قال الدكتور محمد سلمي إن لفظة عمران التي استعملها ابن خلدون رحمه الله للتعبير عن الازدهار الاقتصادي من زراعة وتجارة وبناء، ليست مرادفا للفظة حضارة التي تنحصر في الحدود المادية المسيجة لها، مذكرا أنه أورد رحمه الله في مقدمته كلمة حضارة في مقابل بداوة. أما الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، يضيف أستاذ علم الاجتماع، فجمع بين المدلولين؛ مدلول الحضارة المادية، ومفهوم العمران كما هو وارد عند ابن خلدون، وأضاف إليهما معاني عمارة المساجد الواردة في قوله تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وقوله تعالى على لسان نبيه صالح عليه السلام وهو يخاطب قومه: هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا، فهذا المفهوم يستعمله الأستاذ عبد السلام ياسين جامعا بين المفهومين، مع إضافة قرآنية يزيدها تفصيلا فيما يتلو من هذا المبحث.

عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، كان يقرأ في الفصل الخامس من الباب الأول من كتاب العدل للأستاذ عبد السلام ياسين رحمة الله عليه، وذلك ضمن فقرات مجلس نصيحة الوفاء التي نظمتها الجماعة قبل أيام بمناسبة الذكرى التاسعة لرحيل الإمام ياسين.

وذكّر بأن مشروع العمران الأخوي الذي يقترحه الإمام رحمه الله، فيجسد رؤية استراتيجية مبنية على اليقين في وعد الله الذي لا يخلف الميعاد وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ. مردفا أن ميزة هذا العمران الأخوي هو الأخوة بين المسلمين والمؤمنين، “إنها المواطنة الإيمانية بتعبير الإمام رحمه الله، مواطنة تلف المواطنة الجغرافية السياسية القومية برداء الرحمة”، فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا. موضحا أنها تتجاوز “روابط المصلحة التي لا تنضبط إلا بزواجر القانون”، فهي مواطنة مزدوجة جامعة للتعايش على أرض الوطن مع وجود الإيمان، مواطنة كالتي جمعت الأنصار والمهاجرين في مجتمع المدينة المنورة.

وهو يستحضر مضامين فقرة “خصائص عمران الأخوي” كتاب العدل، استدعى قوله تعالى وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ، موردا: تبوَّأ المكان بمعنى استوى فيه واستقر، ومتسائلا مع الإمام رحمة الله عليه: كيف الاستقرار في الإيمان إن كنا نعرف الاستقرار في الأوطان؟ وما السبيل إلى الوطن الإيماني المشترك؟ وكيف يتبوأه المسلمون ويستوون فيه؟ ليجيب بأن الجواب الكافي والدواء الشافي في المنهاج النبوي لتدبير شؤون هذه المواطنة القلبية، وهو مفتاح أقفال الطبيعة البشرية والعلاج الناجع لداء الأمم كما أخبر به المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح. ضاربا المثل بحياة التضامن والتكافل والتآلف والتآخي التي سادت في مجتمع المدينة بين سكان كانوا إلى عهد قريب يتقاتلون على أتفه الأشياء، ثم تغير الحال إلى حال آخر لما حلّت المعاني الإيمانية الرابطة الجامعة. تغيرت طبيعة المجتمع، وتغير سلوكه ونمط عيشه ونظامه والعلاقات بين بنياته ومؤسساته وأفراده.

طالع أيضا  “الأحكام الفقهية والمقاصد التربوية” لرمضان.. حوار تفاعلي مع الدكتور المسئول

 واعتبر أن هذه المفاهيم والمصطلحات تأسيسية لقاموس نظرية العمران الأخوي، تنتظر بحق من يغوص في أعماق دلالاتها، وتنتظر من يقوم بأجرأتها وتطبيقها في واقع البشرية المعاصر المأزوم، فـ“المواطنة القلبية الإيمانية بين المسلمين هي أم الخصائص في العمران الأخوي، وسمتها النفسية السلوكية الإقلاع عن حب الدنيا والتحرر من العبودية للهوى”.

وحين تحدث سلمي عن آلهة تعبد من دون الله؛ الشح والمصلحة الخاصة والربح واللذة والمال والجاه، والتي حرمت الإنسان من مكارمه الآدميته، وحرمت المجتمعات من فضائل الإخاء، عرض وصفة العلاج التي اقترحها الإمام رحمة الله عليه، مذكرا بجملة من النصوص التي قال أنها تحتاج لتفهم فهما سليما لا يخرجها من سياقها، منها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ”، وقوله صلى الله عليه وسلم: “مَا لي وَللدُّنْيَا؟ مَا أَنَا في الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا”. وقولة للإمام علي كرم الله وجهه: “ارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل بلا حساب، وغدا حساب بلا عمل”. وقولة أخرى للإمام الحسن البصري رضي الله عنه: “حب الدنيا رأس كل خطيئة، وحبك الشيء يعمي ويصم”. هذه الأحاديث النبوية وأقوال أكابر الأمة، يوضح القيادي في الجماعة، مؤسسة لعقيدة التوازن والوسطية، وهي أركان في بناء عقدي مقاصدي إسلامي متكامل، قد يفهم منها البعض الهروب من ساحة التدافع، والزهد في الدنيا زهدا رهبانيا منحرفا، فمن كان هذا شأنه كمن تغيب يوم الامتحان بلا عذر، أو تأخر عن موعد السفر لا تقبل منه شكاية.

وزيادة في الإيضاح شدّد على أن الإمام ياسين ذكر هذه النصوص في سياق مقارنة ضمنية بين قواعد المذاهب والعقائد السائدة في عالمنا المعاصر، رأسمالية عقيدتها المصلحة الفردية، كما فلسفها هوبز ولوك وجون جاك روسو ومونتيسكيو وغيرهم من رواد ما سمي بالنهضة الأوروبية، واشتراكية عقيدتها معاداة الرأسمالية ونشدان المساواة والعدل وإنصاف العامل، لعلها قيم مثالية لكنها اليوم من أحلام أبناء الدنيا، أضحت أطلالا لمحاولات سينساها التاريخ كما قال الإمام، ثم يعود مؤسس جماعة العدل والإحسان إلى البناء العقدي الإسلامي، المبني على توبة كاملة ينقلب بها أبناء الآخرة عن أنفسهم بتصرف عملي منتج معط في ملكية الدنيا التي استخلفهم الله فيها، وهو سبحانه الخالق الرازق المحيي المميت الباعث الوارث رب الجنة والنار.

طالع أيضا  في محراب العـشر

هنا ذكر الإمام، يضيف سلمي، مجموعة من الآيات القرآنية المحددة لنمط الإنتاج، وعلاقة الإنسان بوسائل الإنتاج بالتعبير الاشتراكي، وأوجه التعامل الإحساني بين الناس، ومن هذه الأقوال التي أوردها قول الله تعالى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ، وقوله سبحانه: وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ، وقوله عز وجل: وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ، وقوله عز وجل: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.

وأكد أستاذ علم الاجتماع على أن هذه الصلة تتجاوز العلاقات التجارية الباردة المميتة، التي لا تهتم بالإنسان المستضعف ولا ببؤس العامل الذي حوّلته الآلة الصناعية لولبا من لوالبها كما جاء في تعبير الإمام. ومن هذه المشاهد يعرج بنا الإمام رحمة الله عليه إلى الوصف النبوي لمجتمع العمران الأخوي في قوله صلى الله عليه وسلم: “مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمِهِمْ وتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى له سَائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى”، إنها انتظارات البشرية المستضعفة، ولتحقيقها شروط أوجزها الإمام رحمة الله عليه في أربعة: الأولى الشورى؛ وهي الشرط الأساسي لإقامة العمران الأخوي محل الحضارة الغابوية، وثانيها المشاركة العامة في تنظيم الجهود لبناء القاعدة الاقتصادية الضرورية، وثالثها وضوح الأهداف وقابليتها للتطبيق والتقييم، ورابعها ملائمة الوسائل المتاحة للأهداف الإسلامية العمرانية الأخوية، ومن الوسائل العلوم والخبرات ورأس المال الشارد (سماه شاردا، يقول سلمي، لأن كثير من رؤوس الأموال تمتلكها الأمة، لكنها في أيدي غيرها أو لخدمة غير مصالحها).

وذكر سلمي ما ختم به الإمام رحمة الله عليه هذا المطلب من كتاب العدل: “وكل ما نحققه إن شاء الله من نجح في هذه الميادين يكون للمسلمين وللمستضعفين عربون أخوة، وعطاء تأليفيا كان الفاروق عمر رضي الله عنه عطّل في زمانه عطاء المؤلفة قلوبهم لتقديره انتفاء العلة، فلم ير أن يعطى أحداً شيئا ليحبب إليه الإسلام، فالعلة في زمننا نحن الآن قائمة بالناس واقعة بهم، فما نحققه للكافة من خير هو دعوة واجبة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم”.

طالع أيضا  المعارضة والتعددية