بثت منصات التواصل الاجتماعي التابعة لجماعة العدل والإحسان، ليلة الجمعة 17 دجنبر 2021، فعاليات مجلس النصيحة المركزي “نصيحة الوفاء”، الذي نظمته الجماعة ليلة السبت 28 ربيع الثاني 1443 الموافق لـ 4 دجنبر، في افتتاح أنشطة تخليد الذكرى التاسعة لرحيل الإمام المؤسس عبد السلام ياسين رحمه الله.

إحياء يُحيينا

المجلس، الذي بثته صفحة الإمام وصفحة الجماعة وقناة الشاهد، خصّصته الجماعة لموضوع “مجتمع العمران الأخوي: قيم ومبادئ”، وبسط دور البعد العدلي في تحقيق المطلب الإحساني، ودور البعد الإيماني في بناء الفرد والمجتمع وتحقيق سعادتهما في الدنيا والآخرة، وعرض بعض معالم المجتمع المنشود وتجلية خصائص العمران الأخوي ومدى اهتمام الإسلام بالإنسان وبالكون.

سيّر فقرات المجلس الأستاذ عبد الكريم العلمي رئيس مجلس الشورى، الذي رحّب بالحاضرين من ممثلي المؤسسات المركزية والإقليمية، والمتابعين مباشرة في مجالس النصيحة الإقليمية والمحلية التي تم تنظيمها بالتوازي في مختلف المدن. وقد ذكّر بسياق المجلس وهو إحياء ذكرى رحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمة الله عليه، وهي في حقيقة الأمر “تحيينا وتجدد معاني الايمان فينا، وتجدد فينا معاني الوفاء بالعهد، وتجدد فينا معاني الإحسان الذي دعانا إليه وبشرنا به وضرب لنا موعدا رحمه الله نتلقى به رحمة الله عليه غداً على بساط الإحسان إن شاء الله “أنا أسعد الناس إذاً إن حصل في ميزان حسناتي أفواج من المحسنين كنت لهم صوتا يقول: من هنا الطريق، من هنا البداية”.

ونوه عضو مجلس إرشاد الجماعة إلى أن من كمال هذا الإحسان السعي لإقامة العدل في الأمة، ولإقامة العدل في الأرض، موضحا أن هذا “الترابط العلِيّ بين الإحسان والعدل، وهذا الوثاق الوثيق بين العدل والإحسان هو ما تهمّم به الإمام المجدد رحمة الله عليه، فربّى المؤمنين والمؤمنات عليه عقوداً متتاليات، ونظّر له وألّف وكتب وحاضر وجاهد، بالكلمة والحجة ليكون إن شاء الله هذا العدل واقعا في حياة المسلمين وفي حياة الناس، في أفقٍ اللهُ يعلمه ويقدره”.

ثم عرض فقرات “نصيحة الوفاء” والمكلفين بعرض موادها العلمية التربوية.

فلا اقتحم العقبة

في الحصة الأولى، عرض الأستاذ محمد الريمي الإطار تربوي والباحث في سلك الدكتوراه تخصص اللغة والمجتمع، نظرات وتأملات في قول الله تعالى من سورة البلد: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17). أكد فيها أن القسم المتكرر في مطلع السورة، مع تعدد المقسمات بها وتنوعها وترتيبها، كان لغاية دقيقة لا يعلمها إلا الله عز وجل، وحكمة باهرة “نفهم مما نفهم فيها أن الكريم الرحيم سبحانه عز وجل المتودد لعباده ينوع لهم أساليب الخطاب وأشكال الاستثارة، ويخاطب فيهم الفطر، ويحيي فيهم ذكرى النداء الأزلي (ألست بربكم قالوا بلى) (لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد)”. وقال الريمي إن هذا النداء هو تنبيه إلى حرمة البلد الأمين الذي زاد شرفا وحرمة برسول الله صلى الله عليه وسلم وحلوله فيه.

طالع أيضا  في دلالات وعِبَرِ الأمثال الشعبية (2).. "ضربني وبكى، وسبقني وشكا"

وبعد هذا التذكير الرباني والتأهيل الرباني لتلقي الأمر الإلهي، استرسل الريمي قائلا: “يأتي التوضيح والتنبيه والتوجيه في قول الله عز وجل (فلا اقتحم العقبة)، الفاء للعطف وللفورية وللترتيب”، وزاد موضحا؛ “أي هلا اقتحم العقبة أولى به وأجدر به، هذا الذي قال وفعل أن يوجه همه وأمره لأمر أعظم هو “اقتحام العقبة” فهي إذن للعرض والتحضيض”. وهذا قوله عز وجل في سورة القيامة (أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى). وأشار إلى أن اقتحم أصلها قحم، وقحم في الأمر قحوما أي رمى بنفسه فيه من غير روية والقحمة المهلكة والسنة الشديدة، وهي كما قال الراغب الأصفهاني: “الاقتحام توسط شدة مخيفة” وقال عن العقبة؛ “هي طريق وعر في الجبل”. وذكر أن أهل التفسير اختلفوا، هل هي في الدنيا أم في الآخرة أم في الحساب أم هي في جهنم، والراجح وما ذهب إليه الإمام البخاري وهو قول مجاهد وقول الإمام الحسن البصري رضي الله عنه أنها عقبة في الدنيا، “هي أن يحاسب نفسه وهواه والشيطان عدوه” وأردف معقبا “عقبة والله شديدة”.

أسس بناء المجتمع العمراني الأخوي

دعت الأستاذة البتول بلموذن إلى استحضار “الصلة بين تفسير كتاب الله عز وجل وبين السيرة النبوية.. لكونها هي التطبيق العملي الحق والصدق”، بناء لمداخلتها الموسومة بـ”أسس المجتمع الإسلامي من خلال نموذج المدينة المنورة” على المداخلة الأولى التي تناول فيها الأستاذ محمد الريمي الآيات من 11 إلى 17 من سورة البلد بالتفسير والمدارسة، “فيجمل بنا أن نجول في تلك الأيام المباركات من خير القرون؛ قرن رسول الله ﷺ وصحابته الأكارم الذين كانوا خيرة الناس، بتقدير الله عز وجل وباطلاعه وباصطفائه وباختياره لهم، لكي نتيقن من كيفية تحقيق تلك الرسائل القرآنية السامية التي بثنا إياها رسول الله ﷺ من عند الله عز وجل على أرض الواقع”.

وذكرت، أثناء مداخلتها في مجلس النصيحة المركزي الذي افتتحت به جماعة العدل والإحسان ذكرى رحيل مرشدها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، أن المثال التطبيقي نستوحيه “من خلال ما عاشه الصحابة الكرام وعاشه الرسول الله ﷺ الذي ابتدأ حياته الدعوية فردا ثم انتقل إلى جماعة ثم إلى مجتمع ذي أركان وأسس هي من أرقى ما يمكن أن نتحدث عنه في تأسيس المجتمعات”.

طالع أيضا  د. الرضى: مقاطعة الانتخابات "فعل واعٍ" مستلهم لعمل الأنبياء والمرسلين في مواجهتهم الباطل وأعوانه

فأسس بناء المجتمع العمراني الأخوي “نستقيها من الدعائم التي بنى عليها رسول الله ﷺ مجتمع الإسلام الأول في المدينة المنورة؛ بناء المسجد، والمؤاخاة بين المؤمنين، وكتابة الوثيقة أو المعاهدة مع خيبر”.

عمران أخوي ومواطنة إيمانية

بعدها، وفي فقرة الإحسان، عرض الأستاذ الجامعي في علم الاجتماع والفاعل الحقوقي الدكتور محمد سلمي فقرة “خصائص العمران الأخوي” من كتاب العدل للإمام عبد السلام ياسين، وقال في البداية أن الإمام قد بدأ هذا الفصل بتحديد الألفاظ الأساسية من أجل تحرير المناط، ثم خصّ موضوع خصائص العمران الأخوي بعنوان هو موضوع كلامنا إن شاء الله. مبيّنا أن لفظة عمران التي استعملها ابن خلدون رحمه الله للتعبير عن الازدهار الاقتصادي من زراعة وتجارة وبناء، ليست مرادفا للفظة حضارة التي تنحصر في الحدود المادية المسيجة لها. فقد أورد ابن خلدون رحمه الله في مقدمته كلمة حضارة في مقابل بداوة، أما الأستاذ عبد السلام ياسين رحمة الله عليه، يوضح، فجمع بين المدلولين؛ مدلول الحضارة المادية، ومفهوم العمران كما هو وارد عند ابن خلدون، وأضاف إليهما معاني عمارة المساجد الواردة في قوله تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وقوله تعالى على لسان نبيه صالح عليه السلام وهو يخاطب قومه: هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا، فهذا المفهوم يستعمله الأستاذ عبد السلام ياسين جامعا بين المفهومين، مع إضافة قرآنية يزيدها تفصيلا فيما يتلو من هذا المبحث.

واسترسل عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية قائلا بأن مشروع العمران الأخوي الذي يقترحه الإمام رحمه الله، يجسد رؤية استراتيجية مبنية على اليقين في وعد الله الذي لا يخلف الميعاد وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ إلى آخر الآية. موضحا أن ميزة هذا العمران الأخوي هو الأخوة بين المسلمين والمؤمنين، “إنها المواطنة الإيمانية بتعبير الإمام رحمه الله، مواطنة تلف المواطنة الجغرافية السياسية القومية برداء الرحمة. فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا، وتتجاوز روابط المصلحة التي لا تنضبط إلا بزواجر القانون. مواطنة مزدوجة جامعة للتعايش على أرض الوطن مع وجود الإيمان، مواطنة كالتي جمعت الأنصار والمهاجرين في مجتمع المدينة المنورة”.

طالع أيضا  ذ. بارشي: نقبل على رمضان بالفرح وانشراح الصدر

تحرير الإنسان وإطعام الطعام

وقد كان مسك ختام المجلس، كلمة الأمين العام للجماعة فضيلة الأستاذ محمد عبادي، الذي أوضح أن الآية الكريمة فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ “تضع على عاتقنا مسؤولية جسيمة وثقيلة، فكم من آلاف من البشرية يموتون جوعا، وكم من الملايين ماتوا ويموتون وهم عبيد لم يتحرروا من الكفر ومن الشهوات ومن النزوات ومن النزغات ومن عبودية البشر”، معتبرا أن وظيفة المسلمين تكمن في تحرير الناس وإطعامهم وإكسائهم وإسعادهم وحمايتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وبتعبير جامع: جلب كل ما فيه مصلحة الإنسان، مستندا في ذلك على قول الله تعالى: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا، وقوله عز وجل: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. ولفت في قوله سبحانه ”فك رقبة” إلى كون كلمة “رقبة” مطلقة، فلم يقل سبحانه رقبة مسلمة.

ولكي يجلي مفهوم تحرير الناس استقى مثالا مما وقع في أمريكا في عهد “أبراهام لينكون” الذي “نادى بتحرير العبيد، وتم ذلك، ولكن أمريكا ومعها الدول الاستكبارية طورت مفهوم الرق، فبعدما كان الرق فرديا أصبح جماعيا، فطوروا استعباد الأفراد إلى استعباد الشعوب” وهو ما يزال مستمرا إلى الآن. يقول المتحدث. وأوضح الأستاذ عبادي أن “هذه الوظيفة؛ تحرير العباد، هي ملقاة على عاتقنا” حسب ما بينته الآيات فلا اقتحم العقبة.. فَكُّ رَقَبَةٍ. وذكّر أن “رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام أدوا هذا الأمر بكيفية جعلت هذه الآية يعيشها الناس، بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحرير من آمن به من الطواغيت الداخلية، لأنه لا يمكن أن ننطلق لتحرير البشر ونحن مستعبَدون”، فالمكبل، وفق الأستاذ عبادي، لا يستطيع أن يفك القيود عن الآخرين.

وهذه الخطوة؛ تحرير الناس، يجب أن تسبقها خطوة “تحرير النفوس من الهوى ومن الشهوات ومن النزوات. أن يتطهر الإنسان. لابد أن يتحرر الفرد ليسعى لتحرير الناس”. وهذا دور التربية يؤكد فضيلة الأمين العام، منوها إلى أنه “بدون عمران أخوي تبقى هاتان الوظيفتان معطلتان: وظيفة التحرير ووظيفة الإطعام.. فلا بد من العمران الأخوي للسعي على وجه الأرض لممارسة عملية التحرير”.