الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
الإخوة الكرام، الأخوات الكريمات، الحضور الكرام، السادة والسيدات الذين يتابعون هذه الندوة؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بعد يومين تخللهما نقاش مفيد ماتع حول قضايا غاية في الأهمية، نأتي إلى ختام هذه التظاهرة الحوارية الفكرية تحت عنوان “المغرب وسؤال المشروع المجتمعي”، والتي ننظمها بمناسبة الذكرى التاسعة لوفاة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله.
أود في البداية أن أشكر الأساتذة المشاركين، وأحيي فيهم استماتتهم في التهمم بأحوال بلدهم، رغم كل المحاولات الرامية للجم كل الأصوات الحرة والغيورة على هذا البلد. وأشكر كذلك كل الذين تواصلوا عن بعد أو عن قرب، أو تفاعلوا بشكل أو بآخر، للترحم على صاحب الذكرى منوهين بأعماله الجليلة وإسهاماته القيمة في التربية والتنوير لشحذ العزائم ورفع الهمم بإحقاق الحق وإبطال الباطل، أو تواصلوا للإشادة باختيار القضايا التي كانت موضوع نقاش خلال هاته الندوات.
ولا أنسى جنود الخفاء الذين بذلوا جهودا كبيرة لمغالبة الصعاب والتعامل مع الإكراهات التي تتعرض لها جماعة العدل والإحسان؛ إكراهات من قبل السلطة المستمرة في حصارها الظالم للجماعة، حتى أصبحنا لا نكاد نجد مكانا في هذا البلد على اتساعه نجتمع فيه، أو ننظم فيه أمثال هذه التظاهرات الفكرية أو التربوية أو غيرها، وإكراهات أخرى تتمثل في وباء كورونا وما رافقه من إجراءات مقيدة، بعضها مفهوم وبعضها الآخر غير مفهوم، ويؤكد هذا الشك المشروع في هذا “البعض” غير المفهوم، التناقضات الجمة في القول والفعل، والتخبط والارتجال في القرارات التي واكبت الوباء منذ البداية.
لقد كشف النقاش الذي تابعناه للقضايا التي كانت موضوع الجلسات الثلاث، وهي: قضية الدولة والحكم، وقضية القيم، وقضية التنمية، أنها بالفعل قضايا محورية، قضايا مؤرقة، وتحتاج إلى جهد كبير نظري وعملي لمعالجتها.
لا أريد أن أعيد ما راج في تلكم الندوات، وقد تابعها من تابعها، ولا حتى أن أعقب على بعض الآراء والمقترحات التي تفضل بها السادة والسيدات في مداخلاتهم القيمة، ولو فعلت لتحولت هذه الكلمة إلى مداخلة، وليس هذا القصد منها، ولكني أريد أن أشير إلى بعض الملاحظات السريعة، استخلصتها وأنا أتابع نقاش السادة الأساتذة والسيدات المشاركات في هذه الندوة.
الملاحظة الأولى- تتجلى في هذا التباين الرهيب بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، ولو في حدود معينة ودون المثال المنشود، فحينما نتحدث عن نظام الحكم ففرق شاسع بين ما هو قائم وما يتطلع إليه عامة المغاربة. الفرق شاسع بين نظام يحتكر السلطة والثروة، ودولة المؤسسات المنشودة؛ دولة الحق والقانون، دولة يكون فيها الناس سواسية كأسنان المشط؛ رأيهم فيمن يحكمهم معتبر، واختيارهم نافذ، ونصيبهم من ثروة بلدهم مضمون. ويزداد الأمر سوءا حين ينضاف إلى هذا الاحتكار – احتكار السلطة والثروة – خطيئة اعتماد سياسات مفلسة، وفرض قرارات تمثل خطرا على البلد وأهله، وما التطبيع مع الكيان الصهيوني وما يصاحبه من اختراقات خطيرة للمجتمع المغربي، إلا مثال واحد من أمثلة أخرى كثيرة تشير كلها إلى حجم الأخطار التي أصبحت تهدد بلدنا العزيز.
نظام الحكم العادل هو الركن الركين والشرط الأساس لكل الأهداف والمقاصد النبيلة التي يتطلع إليها عقلاء هذا البلد، ولا يمكن أن نتحدث عن مجتمع سليم معافى، تسوده القيم الإسلامية السامية البانية التي تحفظ للإنسان كرامته، وتحفظ شخصيته من التشظي والتشييء والرداءة والإحباط، وتحفزه على العمل والإنتاج والبذل والعطاء، ورعاية الأخوة الإيمانية والرحم الإنسانية، والحال أن هناك سياسة ممنهجة تستهدف كل ما هو جميل في بلدنا وفي ثقافتنا، وتنشر الرداءة، وتنفق عليها من المال العام، وتغض الطرف عن الفجور بكل أنواعه، تمكن من كافة الوسائل المادية والإعلامية، بل حتى إسلامنا وأصالتنا وكل القيم النبيلة أصبحت مطاردة حتى في برامج التعليم والإعلام وغيرها.
لا أدري كيف يمكن أن نتحدث عن التنمية، كما تحدث عنها الأساتذة، وشروطها الأساسية غائبة، بل مغيبة؟ لا خلاف أن التنمية مطلب حيوي، لكن ما السبيل إليها ودونها عقبة كأداء؛ عقبة حكم الهوى، حكم الاستبداد، حكم التدبير السيء الذي يكرس التخلف والتبعية ونهب الثروات والتفريط في الكفاءات والتفاوت الاجتماعي والمجالي والرشوة والمحسوبية وجميع العاهات؟
لا عجب أن يتفق العقلاء من كل الأمم ومن كل الملل على أن فساد الحكم هو أم المشاكل وأبوها، يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في كتاب العدل؛ يعدد بعض معايب الحكم الفاسد: “إن الفساد في الحكم هدَمَ أخلاق الأمة، ونخَرَ في اقتصادها، وبدَّدَ ثرواتها، وشرَّد المستضعفين، ودفع الفتيات البائسات اليائسات إلى سوق البِغـاء، وخطَـفَ لقمة العيش من أفواه الأطفال، وتسبب في تفشي البطالة والمخـدرات والمرض والخمـور والعهارة ومدن القصدير والرشوة والمحسـوبية وطابور المشـاكل”.
لذلك؛ فما لم تحل معضلة نظام الحكم في المغرب، وما لم يقم هذا النظام على أسس سليمة وقواعد دستورية تقطع جذريا مع جرثومة الفساد والاستبداد، وما لم تكن هناك مؤسسات حقيقية تتمتع بصلاحيات؛ حكومة تحكم، وقضاء مستقل، وبرلمان يملك أن يقوم بوظائفه التشريعية والرقابية إلى غير ذلك، فإن الحديث عن نهوض تنموي حقيقي سيبقى مجرد كلام أو ضربا من الأحلام ليس إلا.
الملاحظة الثانية- تتعلق بما يمكن أن نسميه بجسور العبور؛ وأعني بها الانتقال من الواقع البئيس الذي نعيشه إلى الأمل الذي ننشده جميعا، فكيف يكون يا ترى هذا الانتقال؟
هناك كلام كثير حول ماذا نريد، هناك وصف بليغ ودقيق للواقع الذي نعيشه، ولكن المنطقة الرمادية التي تحتاج إلى جهد وتفكير وإبداع هي: كيف الانتقال من هذا الواقع إلى ما نريده جميعا؟ لأنه عندما يأتي الحديث إلى نقطة البداية ورصد الأولويات ينشأ الخلاف. فهناك مثلا، وقد سمعنا هذا، من يرى بأنه ينبغي إعلان إعداد دستور الآن، هل هذا ممكن؟ ألا يفتح هذا بابا للجدل لا ينتهي؟ وهل يصح؟ هل نحن مفوضون شعبيا كي نفتح نقاشا في شأن صاحبه – هو الشعب – غائب أو مغيب؟
لذلك فإن الأسبق في الاعتبار في تقديري هو مطلب الحرية، كي يكون هناك فضاء للنقاش، كي لا تبقى فئة مقصية، لكي يتأتى للجميع أن يشارك، ولكي يكون الدستور فعلا هو نتيجة لنقاش عمومي، وقد صنع على عين الشعب، ويكون بالفعل معبرا عن إرادته.
الملاحظة الثالثة- تتعلق بالعامل الحاسم في التحرير والتغيير والتنمية، وقد سرني أن ندوة اليوم حملت إشارة مهمة لهذا العامل، وهو الإنسان. هذا الموضوع يبدو أنه يغيب كثيرا في النقاش الذي يتناول مسألة التغيير، فهذا الإنسان الذي نريده أن يناضل لافتكاك رقبته من الاستعباد والفساد والاستبداد؛ كيف هو؟
هذا الإنسان تعرض في ظل القهر السياسي لتدمير ممنهج حتى كاد أن يتحول إلى حطام بدون أمل وبدون ثقة في المستقبل، إنسان محبط مهزوم سلبي قلق، رسخ الإعلام الرسمي ثقافة الهزيمة في نفسه وعقله حتى أصبح يرى أن التغيير من رابع المستحيلات. فماذا تصنع بإنسان هذا شأنه؟ لذلك لابد من بناء الإنسان أولا، والوسيلة اختصرها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في كلمة كررها ثلاثا: التربية ثم التربية ثم التربية، كي يكتسب الثقة في نفسه، ويعلم أنه يستطيع أن يصنع ويغير.
هذا وأشكر مرة أخرى السادة والسيدات المشاركين والمشاركات في هذه الندوات على مداخلاتهم القيمة، ونأمل أن نلتقي في مناسبة أخرى لمواصلة الحديث عما يهم بلدنا العزيز، عسى أن نتوصل إلى مشروع جامع، نتعبأ جميعا حوله حتى التغيير المنشود.
وأختم بالدعاء لصاحب الذكرى الإمام عبد السلام ياسين، سائلا المولى عز وجل أن يغفر له، وأن يرحمه، وأن يعلي مقامه عنده، وأن يجزيه خير الجزاء، على ما قدم وبذل ونصح وربى وجاهد وجهر بكلمة الحق وثبت على ذلك حتى توفاه الله، فكانت بذلك سيرته ملهمة ومنهضة في حياته وبعد مماته، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

طالع أيضا  الصحابية أم ورقة بنت نوفل.. معلمة القرآن