بعد جلستين أولى وثانية أمس، كان موعد ضيوف الندوة الفكرية الحوارية التي تنظمها جماعة العدل والإحسان يومي السبت والأحد 11 و12 دجنبر الجاري، حول موضوع “المغرب وسؤال المشروع المجتمعي” بمناسبة الذكرى التاسعة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، مع جلسة ثالثة صباح يومه الأحد قاربت سؤال التنمية في المشروع المجتمعي بالمغرب. هذه الندوة أدارها الدكتور هشام عطوش وأطرها الدكاترة: عمر الكتاني، نجيب أقصبي، فؤاد عبد المومني، محمد بن مسعود.

  وقد تراوحت مداخلات المؤطرين بين ثلاثة، أولها محور مقاربة مفهوم التنمية بالمغرب على ضوء بعض التجارب.

الكتاني يحدد رِجلين أساسيتين للتنمية

شبّه الدكتور عمر الكتاني التنمية بالإنسان الذي يريد أن يسرع في عالم المنافسة والتحدي، خاصة عالم السوق اليوم، لا بد له من رِجلين؛ رجل اقتصادية ورجل اجتماعية. فالرجل الاقتصادية بحسب الأستاذ الجامعي تمكننا من التحكم من موارد الكم والمادة وتحقيق تراكم فيها طريق التقنية والعلوم، وعن طريق المردودية الاقتصادية التي لا ينبغي أن تغفل المردودية الاجتماعية.

والمردودية الاجتماعية، في نظر الخبير في المالية الإسلامية، ينبغي أن تستثمر في الإنسان من خلال تمكينه من الشعور بالأمن لكي يكون عطاؤه في المردودية الاقتصادية مردودا عاليا ومثمرا؛ إذ لا يمكن أن يسرع بلد ما برجلين غير متساويتين وغير متوازيتين، وهذا ما يقع في بلدنا المغرب، يتأسف المتحدث.

وإن كان المغرب، يوضح العضو المؤسس والرئيس السابق للجمعية المغربية للاقتصاد الاسلامي، قد حقق جزء من التنمية الاقتصادية لكنها لم تنعكس قط على التنمية الاجتماعية، بل يستدرك، تحققت تلك التنمية على حساب التنمية الاجتماعية، وعلى تهميش جزء كبير من المجتمع المغربي الذي هو خارج التغطية الاجتماعية من تعليم وصحة وشغل ومسكن وغيرها. وبالمقابل فإن ذلك مؤشر على تركيز ثروة البلد في يد نخبة معينة، مؤشر أيضا على هيمنة اقتصاد الريع واقتصاد المدينة على حساب البادية…

واستدل الخبير الاقتصادي على هذا الخلل من خلال إيراد مجموعة من الأرقام، من أهمها أن المغرب من أكثر البلدان في الاستثمار العمومي لكن المردودية ضعيفة إذ لا تتجاوز %3.5 أو %4 في أحسن الأحوال، بينما تصل النسب إلى %6 في بعض البلدان الأسيوية التي كان لها نفس نقطة الانطلاق مع المغرب بعد الاستقلال، ليعقب مفسرا أن هذه البلدان كانت تستثمر في الإنسان بينما نحن نستثمر في الرأسمال.

طالع أيضا  في ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم.. تذكير بمجالسه النبوية الشريفة

عبد المومني يرصد اختلالات مسار التنمية بالمغرب

بعد تثمينه للندوة شكلا ومضمونا لما تمثّله من إرساء لفضيلة الحوار الكفيلة ببناء مجتمع متواصل مدبر لاختلافاته، انطلق الأستاذ فؤاد عبد المومني من حيث انتهى الكتاني بإبراز عدم انعكاس المخططات الاقتصادية للدولة على المجتمع المغربي خاصة لدى الجيلين الأخيرين. وقد عده المومني الأضعف بكثير مقارنة ببلدان أخرى انطلقت من نفس المواقع، وأيضا بالنظر إلى امكانيات البلد المتعدد، وثالثا بالنظر إلى انتظارات المواطنات والمواطنين، ورابعا لعدم مواكبته التطور الكبير الذي بات يعرفه المجتمع المغربي.

ورغم تبني المغرب لكل البرامج الإنمائية الدولية خاصة في مجال التنمية البشرية، إلا أنه ظل، يوضح الخبير الاقتصادي، في تراجع مستمر بل وفظيع خاصة لدة الجيلين الأخيرين. وقد ثمّن ما ذهب إليه الكتاني في تغييب الاستثمار في الإنسان في مخططات التنمية بالمغرب مقابل الغلو في أنواع من الاستثمار عدّ منها ثلاثة مكلفة وهي:

–       الجنوح الكبير للاستثمار العسكري، حيث أورد رقما نسبه إلى إدارة التجارة الدولية الأمريكية التي قالت أن المغرب أنفق ما يقارب 40 مليار درهم لاقتناء الآلات الحربية سنة 2020، وهو رقم، يعلق الناشط الحقوقي، أكبر من الميزانية السنوية المصادق عليها من طرف البرلمان.

–       الاستثمار الباذخ الذي قصد به الأستاذ فؤاد بعض أنواع الاستثمار الساعية إلى ركوب الموضة دون ترتيب للأوليات، وأورد مثالا لذلك هو الاستثمار في الطاقات المتجددة الذي يكلف المغرب، بحسبه، أكثر من ضعفي الطاقات الأخرى.

–       الاستثمار الذي يذهب لشراء النخب وضمان ولائها للنظام السياسي.

والنتيجة، يختم مداخلته، هي واقع اجتماعي مرير أورده بأرقام استخلص منها أن 9/10 من الساكنة النشيطة بالمغرب خارج الشغل اللائق المنتج للثروة.

أقصبي: التنمية بالمغرب هي عقل سياسي أيضا

طالع أيضا  د. بنصباحو: الكلام عن تحرر الاقتصاد المغربي يبقى لحد الآن بعيد المنال

إذا كانت التنمية تحتاج حسب الكتاني إلى رجلين اقتصادية واجتماعية، فإنها حسب الدكتور نجيب أقصبي تحتاج أيضا إلى عقل مدبر وهو العقل السياسي، وهذا الأخير ليس سوى النظام السياسي المنتج لقرار التنمية.

وقد أورد بدوره أرقاما مهمة تبرز تعثر عجلة التنمية بالمغرب؛ فعلى مدار عشرين سنة الماضية انتقل معدل النمو من حوالي %4.5 في العشرية الأولى (2000-2010) إلى %2.9 في الخمس سنوات الأخيرة، وهي وتيرة جد ضعيفة، بل والأخطر، يضيف الأستاذ الجامعي، أنها رهينة التقلبات المطرية غير المنتظمة. كما أنجز مقارنات فارقة بين المغرب وبعض البلدان التي كانت مشابهة له في وضع الانطلاق بعد الاستقلال خاصة كوريا الجنوبية التي تضاعف ناتجها الداخلي الخام 14 مرة اليوم مقارنة بالمغرب، ووصل فيها الناتج الداخلي الفردي إلى 30 ألف دولار في الوقت الذي لا يتعدى في المغرب 3200 دولار، وهذا ما يرتب المغرب، يقول مستخلصا، في مراتب فوق 140 في العالم في هذه المؤشرات.

وهذا الوضع جعل الخبير الاقتصادي يقر أن هناك سقفا زجاجيا أو بالأحرى حديديا صلبا تعجز مخططات التنمية في تجاوزه بالمغرب، وتفسير هذه المعضلة، يوضح، لا يمكن أن تقتصر على العوامل الاقتصادية والاجتماعية، بل إن صلب المشكل، في نظره هو في الاختيارات السياسية التي جعلت المغرب منذ 70 سنة يدور في حلقة مفرغة، وأورد مثال الاختيارات الخمسينية كمثال لهذه الاختيارات التي تبناها النظام السياسي والتي راهنت على اقتصاد السوق فإذا بنا، يستغرب، نجد أنفسنا أمام اقتصاد الريع، وراهنت أيضا على العولمة فإذا بنا نجد أنفسنا مع اقتصاد يعتمد على الواردات والمديونية. إنها أزمة، يختم مداخلته، اختيارات سياسية لا تأخذ حاجيات الناس بعين الاعتبار.

بن مسعود: التنمية هي إرادة أيضا

أضاف الدكتور محمد بن مسعود بعدا آخر للتنمية المنشودة المفقودة بالمغرب، بعد الرجلين الاقتصادية والاجتماعية، والعقل السياسي، وهو بعد الإرادة، وهذه الإرادة بحسبه لا بد لها من جسم حي وفيه روح. وهنا استدل الأستاذ الجامعي بمسار 50 سنة من التنمية المستعصية في المغرب، ليربطها بغياب الإرادة التي ستحول مغرب الشعارات إلى المغرب الواقع المثقل بالفقر والأمية وكل المشاكل الاجتماعية على حد تعبيره.

طالع أيضا  ذ. بارشي: لتغنم رمضان "أنظر إليه بصدق فقد يكون الأخير" (فيديو)

وقد دعا عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان إلى تجاوز اختزال التنمية في بعد واحد أو بعدين للإنسان، بتقزيمه إلى كائن منتج ومستهلك ليس إلا، مما يعني، بحسبه، قتل الإنسان ورهنه بمنطق السوق الاستعبادي واختزاله في أرقام ومؤشرات، مما يجعل التنمية بهذا التوصيف نقمة على الإنسان والكون.

وبالمقابل رأى الدكتور بن مسعود أن الإنسان مركب من حاجيات متعددة اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، تربوية وروحية التي ينبغي، في نظره، أن تلبيها، لأن التنمية، يضيف حصيلة وسيرورة. وهنا وقف الأستاذ الجامعي عند العوائق الذاتية (الاستبداد، الفساد..) والموضوعية (الهيمنة الدولية، التبعية، الوصاية الاستعمارية…) التي تقف حاجزا أمام تحقيق هذا النموذج المنشود للتنمية، وهي على نفس المرتبة من الأهمية، ليخلص أن معركة التنمية بالمغرب هي معركة إرادة وتحرر وفك رقاب المغاربة،   بهدف إنجاز التنمية المنشود، تنمية شاملة تؤسس للعمران الأخرى بأبعاده المختلفة وفي صلبها البعد الإنساني.