في آخر محور من محاور الجلسة الثانية حول سؤال القيم الأخلاقية، تطرق المتدخلون إلى الإمكانات التي يمكن أن تجعلنا نتوافق على أرضية قيمية جامعة أو ميثاق أخلاقي.

في البداية شدّد الباحث في الفكر الإسلامي خالد العسري على أهمية أن تكون لدى كل حر أو حرة مغربية هذا الطموح لدينا لنا “أرضية جامعة”، وأن تكون لدينا “القدرة على تنظيم الاختلاف”، مؤكدا أن الاختلاف في مسألة القيم هو من أصعب الاختلافات. وأشار إلى أنه في المغرب لا يوجد على مستوى “إمارة المؤمنين” فصل بين الدين والسياسة، بل هناك احتكار مؤسسة وحيدة للدين وهي “إمارة المؤمنين”، وهي الوحيدة التي لها الحق في الجمع ما بين الحديث باسم الدين وباسم السياسة، وهذا يتمثل في الدستور في الفصل 41 والفصل 42، ولهذا يرفض النظام كل تنظيم إسلامي يمارس السياسة. ويرفض أن يتدخل أحد في التشريع فيما يتعلق بالتشريع الديني. ولاحظ ما هو أفظع، مما يمس هذا الحقل، وهو تأميم خطب الجمعة، مشيرا إلى أنه قد نتفهم جيدا ألا يكون لخطباء الجمعة انتماءات سياسية، حتى لا يكون المسجد مكانا للتنازع، لكن أن يسحب البساط منه حتى أن يناقش حتى الشأن العام، بمجرد أن يتحدث الخطيب فقط على الزيادة في الكهرباء والماء يتم فصله.

وأمام هذا الواقع، وقف العسري عند مفارقة الخطاب الديمقراطي أو الحداثي الذي يدين الحركة الإسلامية في بحثها عن ولاية الفقيه أو في بحثها عما يشبهها، رغم أننا نتحدث عن الواقع المغربي الذي تتجسد فيه هذه المسألة، والتي يقال فيه بأن الملك هو الذي يمثل الخلافة. وأكد على أنه لا يجب أن يكون هناك احتكار للدين، فنحن لسنا كنسية، ولا أعتقد، يضيف العسري، أنه يوجد أي تنظيم إسلامي يدعي أنه ممثل للإسلام، بل إن الأستاذ عبد السلام ياسين مبكرا كان يسمي تنظيمه بأسرة الجماعة، على أساس نحن أسرة في الأمة، ونحن جماعة من المسلمين، ولسنا جماعة المسلمين.

بل إنه نحت مفهوما طبع كل مكتوباته حين سمى المجتمع الذي يعيش فيه بأنه مجتمع فتنة، يوضح خالد، بمعنى ابتعد عن التكفير ومن التخوين، وقال مجتمع فتنة. والفكرة عند الأستاذ عبد السلام ياسين وما يقدمه اجتهاد، وعندما نتحدث عن الاجتهاد فنحن نعلم بأنه صلة وصل ما بين نص قرآني من رب العالمين متعال عن الزمان والمكان، وبين واقع نسبي متقلب، والاجتهاد هو الجسر الذي يحاول أن يصل ما بين هذا المطلق وما بين هذا النسبي. فيأخذ من الحقيقة ما هو مطلق ولكن يلحقه الخطأ من نسبيته. لهذا يظل اجتهادا قد يصيب وقد يخطئ.

ولهذا فالحركة الإسلامية تقدم اجتهادا ولا تقدم نصا مطلقا، وحتى في هذا الباب أؤكد أنه لا يجب تقديس التاريخ والفتاوى التاريخية التي حدثت في سياقاتها، المقدس هو النص القرآني فقط وهو كتاب الله عز وجل، والنصوص القطعية الثبوت قطعية الدلالة، أي أن ما يدخل فيه التأويل ويدخل فيه الاحتمال، يكون الاستدلال ننصت وننظر أي التأويل أفضل.

طالع أيضا  ثم يعرج إليه.. موضوع "الرقيقة 27" مع ذ. القادري

وواصل العسري قراءته هذه؛ يطرح السؤال كيف يتم تنزيل هذا النص في مجتمع قد لا يتقبل مثلا هذا التنزيل، ونستحضر كذلك البدايات، وما قلت بأن الإمام رحمه الله تحدث على أسبقية القيم على التنزيل القانوني، فالنصوص القرآنية ليست نصوص قانونية، بل الإيمان هو الأسبق، وإذا أكرهت الناس على الامتثال للسلطة فإنك تنشئ مجتمع المنافقين، وليس مجتمعا يتقرب من الله عز وجل.

“لا اكراه في الدين”، حتى في قضية الردة. وحرية الاعتقاد يجب أن تكون لله عز وجل، أما أن ننشئ مجتمعاً نفرض عليه مجموعة من الاختيارات بقوة السلطة، فإنما نعيد الاستبداد. والأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله يذكر بأن الأزمة التي تعيشها الأمة سببها الاستبداد، وهذا الاستبداد نشأ قبل أن يكون لا يسار ولا ليبراليين، بل وقع التحول من داخل المنظومة الإسلامية وتم التخلي عن القيم الكبرى.

 وشدّد العسري على أهمية القيم الكبرى التي تشكل أساس الاجتماع السياسي، القيم الكبرى التي شكلت أساس الثورة الفرنسية: الحرية والإخاء والمساواة، أو قيمة العدالة التي شكلت الثورة البلشفية، يجب أن نستحضر هذا لأن النخب يجب ألا تترك الشارع يتحرك بدلا عنها، بعد أن يكون قد كره الخطابات التي تكرر دائما، فحراك الشعوب رفع شعار حرية وكرامة وعدالة واجتماعية، ولم يطالب الناس في الشارع لا بتطبيق الشريعة ولا بالذهاب في المسار العلماني، بل هي بحثت عن قيم قد تكون مشتركة بين الجميع، لذا علينا أن نتعلم من هؤلاء الشباب، ونتفاعل بشكل استباقي. وأكد على ضرورة البحث عن قيم متصادقة وليست متصادمة.

الحقوقية خديجة الرياضي، عقّبت أولا على الطرح الذي يرى بأن اللائكية أو العلمانية أي فصل الدين عن الدولة، دائما يوضع في مقابل الدين والتدين والقيم، أولا هذا التصادم غير صحيح، ولهذا لابد من النقاش حول هذه القضايا، فهي تبدو وكأنها مسائل فيها تصادم ولا يمكن أن يكون فيها تفاهم وبالتالي علينا تأجيلها، على العكس لا بد أن نفتح نقاشا حولها لأن هناك سوء فهم وتمثلات مسبقة، وتمثلات ربما غير صحيحة أو غير متفاهم حولها. فصل الدين عن الدولة، تواصل موضحة، هو من أجل تجاوز ما تم الحديث عنه من استغلال السلطة للدين في التحكم وتبرير السلطوية، لكي نقول للحاكم لا يحق لك أن تستعمل الدين في الحكم، أو تلجأ إلى الدين لتبرير تعسفك وسلطويتك، هذا هو الأصل في العلمانية، وطبعا ينطبق على كل مكونات المجتمع فلا يحق لأحد أن يستغل الدين لتمرير أفكاره السياسية أو تبرير مشروعه السياسي، لأن الدين هو مشترك، وهو متعلق بالأفراد، ومن يُدخل الدين في السياسة يسبب الفتنة والصراعات، وهذا ما نراه في العديد من المناطق بسبب الخلافات الدينية التي تتسبب في الحروب.

وواصلت: تحييد الدين ليس هو محوه من المجتمع أو إلغائه، ليس العداء للدين، بل على العكس هو حماية الدين من أن يصبح أداة سياسية، وجعل قيمته التي هي في علاقة الشخص بربه في علاقة الشخص بإيمانه وبقناعاته الدينية، إذن الهدف بالعكس هو إعطاء قيمة للدين وهو حماية الدين، وطبعا أيضا حماية اللامتدينين.

طالع أيضا  بحضور جمع من قيادات الجماعة.. كلمة توجيهية للأستاذ عبد الكريم العلمي

ورأت أنه عدما نتحدث عن المساحة المشتركة والعيش المشترك فذلك لأننا في مجتمع متعدد متنوع، وعلينا جميعا احترام هذا التعدد وهذا الاختلاف الموجود في المجتمع، وكل فرد من هذا المجتمع عليه أن يجد لنفسه صوتا ووجودا، دون اضطهاد ودون إقصاء، ودون أن يفرض عليه العيش في الخفاء، وأن يضمن حياته الشخصية.

والحرية هي مقيدة وليست مطلقة، توضح الفاعلة الحقوقية، باعتبار أن الحرية لا يجب أن تمس بالنظام العام والصحة العامة، والعديد من الأمور، ولكن هذا التقييد بدوره يجب أن يكون مقيدا، بضرورة أن يكون في إطار مجتمع ديمقراطي، في إطار قوانين مقبولة ومتلائمة مع حقوق الإنسان.

وعرجت الرياضي أيضا على مسألة الخصوصية والكونية معتبرة أنه يتم طرحها كأمور متعارضة ومتصارعة، والعكس هو الصحيح، فعندما “ينزل السوط على الإنسان لا يختلف وقعه حسب ما يقتنع به الشخص من إيديولوجية” حسب ما كان يردد أحد المفكرين البلجيكيين. صوت حقوق الإنسان واحد، ولا نختلف في هذا، ومن أجل رفع هذا الصوت فإن كونية حقوق الانسان من ضمن جاءت به هو الدفاع عن الأقليات، كيفما كانت أقليات مسلمة أو مسيحية أو يهودية. وحقوق الإنسان هي من أجل حماية كل الناس المستضعفين المضطهدين، والديمقراطية هي الوسيلة لإعطاء الكلمة والسلطة للأغلبية، وحقوق الإنسان هي لحماية تلك الأقلية التي لم تصل إلى السلطة، تضمن لها حقها في التعبير، في التنظيم، في الرأي، في أن تساهم من خلال الشارع وبكل الوسائل ليكون لها رأي.

كل هذا لا يعني أنه لا توجد مسائل وقضايا يمكن أن نختلف فيها، تقول الرياضي، فمسألة الهوية لا يمكن أن نعتبرها مقدسة ولا نقاش فيها، لأن الهوية متعددة، وفيها نقاش، مثلا حين نتحدث على أن القيم الأساسية نستقيها من ثقافتنا ومن هويتنا، فنحن حين تحدثنا في الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، من بين الأمور التي كنا نتصارع عليها هي حق المرأة المطلقة أن تقاسم ما راكمته الأسرة، يعني هي وزوجها كان ينظر إلينا وكأننا نبدع شيئا بعيدا على الدين، في الوقت الذي تعتبر هذه المسألة من تراثنا الأمازيغي في الريف وفي سوس، وحتى بالنسبة لقضية الإعدام، نحن في إلغاء عقوبة الاعدام لا نتفق، ولكن إذا رجعنا للثقافة الأصلية الأمازيغية لا نجد عقوبة الإعدام الذي لم يكن يطبق في ثقافتنا بل كان يطبق الإبعاد.

وواصلت: أما بخصوص الثقافة السائدة اليوم، ففي ظل الاستبداد صعب أن نقول ما هو سائد في المجتمع اليوم، ما هو سائد هو ما يريده الاستبداد، ولا نستطيع أن نقول أن هذه هي اختيارات الشعب المغربي، ولا نستطيع أن نقول ذلك إلا عندما تكون لدينا حرية ويكون عندنا مساواة في التعبير عن الرأي، وكل واحد يستطيع أن يقنع الشعب بآرائه، آنذاك ممكن في مرحلة تأسيسية يكون الجميع متساوي، حتى تكون الحرية والديمقراطية ويكون هناك انتقال ديموقراطي، آنذاك ممكن أن نقول اختيارات الشعب ما هي؟

طالع أيضا  المقاومة اليوم في فلسطين ليست بدعا من التاريخ

 أما اليوم لا توجد اختيارات للشعب، بل توجد تناقضات، وهناك قيم متناقضة في المجتمع، وقد تجد قيما معبرا عنها هي غير القيم والممارسات التي يقوم بها الناس، في الشارع العام تجد من يدافع على التدين ولكن نعرف بأن عديد من الممارسات مخالفة لما يتم التعبير عنه، وهذا راجع إلى أن هناك تشجيع على التناقض، فالممارسة السياسية والممارسة الثقافية وطريقة الحكم والنسق السياسي كله يشجع على هذا التناقض.

ولأننا نناهض نظام سياسيا، مشروعه الوحيد الاستمرار في السلطة وجمع المزيد من الثروة، فإنه ينبغي أن نتشبث بكل ما هو ممكن أن يجمعنا، ولو وجدنا فقط 10 في المئة تجمعنا، علينا أن نستغلها ونتكتل من أجل مواجهة هذا النوع من النظام الجاثم علينا.

عضو جمعية مكارم للأخلاق الحسن العزاوي، رآى في مطلع مداخلته أن لا أحد يرفض العقلانية العلمية واستعمال العقل عوض العبثية، واستعمال العقل في الاستنباط والاستقراء العلمي إلى آخره، ولكن إذا مررنا إلى رأس السلم نجد أن هذا المفهوم تتأدلج، فيصبح المعنى فلسفيا، وهنا يقع الإشكال.

وفي مسألة المرجعيات، رأى أن هناك المرجعية الحداثية الغربية، والمرجعية التحديثية الآسيوية، والمرجعية الإسلامية، والمرجعية الاسلامية أعلنت مبكرا أنها منظومة أخلاقية، بل جعلها الله عز وجل آية في حق رسوله الكريم “وإنك لعلى خلق عظيم”، والرسول صلى الله عليه وسلم حصر أو كاد يحصر رسالته في كونه إنما بعثت متمما لمكارم الاخلاق، وصفها بالمكارم، وهذه المكارم لاحقة على الأخلاق.

وأكد أن الإمام في تحدث على أن العباد كلهم إخوة، مرجعه في هذا حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم “أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة”، وأسس للأخ النظير، ومرجعه قول الإمام علي عندما قال: “الناس صنفان أخ لك في الدين ونظير لك في الخلق”.

أيضا مدخل تأسيسي آخر يتعلق بدار التوبة ودار الدعوة، وأعفانا في هذا المبدأ التصوري التأسيسي من أن نعلن الحرب على العالم، بل نعلن جميعا التوبة، ونحن نتوب إلى الله تعالى. وأخيرا تحدث عن معارضة الحاكم الفاسد، فالمعارضة للحاكم الفاسد هي أمر شرعي، بل واجب شرعي.