“كنتُ قد شارفت الأربعين عندما تداركني الرؤوف الرحيم بالمؤمنين بهَبة ويقظة، فهام الفؤاد، وغلب التفكير في المبدإ والمعَاد، فوجدتني محمولا على الطلب مدفوعا إليه. كيف السبيل إليك يا رب؟ وعَكفت على كتب القوم، فما منهم إلا من صرفني للبحث عن الرفيق قبل الطريق. بِمن أَستنجد يا رب غيرك؟ وشككت وترددت: أَهُو شرك مع الله؟ لكنني بَعد أن استغرقْت في العبادة والذكر والمجاهدة والتلاوة زماناً، تبيّنتُ أن طلب ما عند الله هو غير طلب وجه الله. الأعمال الصالحة إن كان فيها الإخلاص وقَبِلها الحنان المنان تُنيل الجِنان. لكن أي شيء يرفعني إلى مقامات الإحسان وَفسحات العرفان؟ 1

ولما أراد الله بي خيرا أنبهني إلى نفسي، وكنت عندئذ في أوج ما يمكن أن يطمح إليه مثلي من صحة وعافية وسمعة ومكانة اجتماعية لم أكن أعلم شيئا عما يسمى بالأزمة الروحية كما وصفتها تجربة الغزالي مثلا، لكن حصل لي بأس من نفسي وتوقان لمعرفة الحقيقة عن وجودي، وكنت نشأت في عبادة الله وتلاوة القرآن منذ صباي، فما أحد أحق بالاستغناء لما عنده مني، وكنت قرأت كتبا.

فلما خلق الله تعالى الكريم في اضطرارا إليه التفتت إلى الكتب استنطقتها، وعجت على أصحاب الرياضات المجوس وهالني ما عندهم من خرق العادات ودرست كتبهم، لكن الله حماني من أميل إلى مذاهبهم بما سبق في علمه، واطلعت في تجاريب اليهود والنصارى الروحية، ثم رجعت إلى كتب الصوفية أستقصيها وأنشد المفتاح الذي يفتح باب المعرفة، فوجدت أنهم رضي الله عنهم مجموعون على أنه: «من لا شيخ له فلا مدخل له في أمرنا هذا، ويلحون على أن صحبة الميت لا تكفي، وكنت أنظر فيما كتبه بعض فطاحل العارفين بالله فلا أطيق الاستمرار في قراءتهم لغرابة ما ينطقون.

طالع أيضا  دعوة لإعادة قراءة السنة النبوية

ولما أيأسني طلب الشيخ، عولت على الرجوع إلى المجاهدة بنفسي وشمرت على ساعد الجد، ودخلت في مهامه بلا مرشد فداومت التلاوة والذكر والصوم والجوع والسهر والعزلة، وبمثل هذا يتروحن المتروحنون ويجذب المجاذيب، وفعلا شعرت بأن زمام نفسي أخذ يفلت من يدي ولا أزداد مع الأيام إلا انعزالا واستيحاشا من الناس وضيقا بهذه الحياة الدنيا.ياسين، عبد السلام. 2

هنا أنتقل إلى أهم نقطة في حياتي أعتبرها، وهي عندما استيقظ فيَ في سنة –وأؤرخ هنا بالعجمي- 1965، استيقظ في ذكر الله عز وجل كنت يومئذ على عتبة الأربعين كنت في الثامنة والثلاثين، بالهجري 1384-85، فوقعت في سؤال وامتحان لنفسي عسير، أو أوقعتها في امتحان عسير، قلت لها ماذا فعلت بحياتك؟ هل عرفت الله عز وجل، هل تقربت إلى الله عز وجل؟ كيف تلقينه؟ هل إيمانك بالله واليوم الآخر إيمان حقيقي أم أنها كلمة تردد؟ واشتد بي الأسى، وعِفْتُ نفسي، وتضرعت وبكيت عليه، هو الملك الوهاب. 3

حتى إذا أراد الله أن يتم علي نعمته، خرجت أبحث عن كتيب، فأذن مؤذن صلاة العصر وأنا أمر قرب مسجد السوق في الرباط، دخلت وصلينا العصر جماعة والحمد لله ثم سبحت وكنت يومئذ لا أفتر عن التلاوة و عن الذكر بشوق وفيضان قلب، وكنت قبل أن نبدأ في الصلاة وصلت إلى آية لم أتذكرها، قلت أجلس مع الناس حتى أقرأ معهم الحزب، وتذكرت تلك الآية التي وقفت عندها، فقلت أبحث في المصحف لأصححها وأبحث عن الباقي، جلست أقرأ في المصحف فإذا بشاب جميل الصورة، نقي، يلبس لباسا أوربيا وله لحية صغيرة، جلس عند المنبر في المحراب وأخذ يعظ الناس، فقلت: أستمع لهذا الشاب ماذا يقول، تكلم ما شاء الله حتى انتهى إلى النقطة التي أثرتها، فقال: أيها الناس إذا كنتم ترغبون في القرب من الله ومعرفة الطريق إلى الله فلابد لكم من رجل، فقلت في نفسي: يا إنسان كنت تستعد لتذهب إلى أقصى الأرض لكي تبحث عن رجل فلعل هذا هو الرجل الذي تبحث عنه. ثم انتهى من وعظه وقام، فتبعته وقلت له تعالَ لنتحدث. سبحان الله، لقيت على غير ميعاد رجلا لم أكن أعرفه، نطق من دون أن أستنطقه، التقينا هكذا بمشيئة الله عز وجل في مسجد، أخبرني بأن ما كنت أطلبه موجود، وأن الشيخ المربي في البلاد على قيد أنملة ممن كان يائسا من وجود شاذلي أو جيلي في هذا العصر. 4

طالع أيضا  ّذ. فتحي: نرفض التطبيع لأن الصهيونية لا تستهدف فلسطين فقط وإنما تستهدف الأمة الإسلامية والإنسانية

وفي سنة 1966م أتحفتني ألطافُهُ سبحانه بلقاء عارف بالله رباني شيخي رحمه الله، السيد الحاج العباس القادري البوتشيشي، فأعتبر أن لقائي به كان ميلادي الحقيقي بعد الميلاد الجسمي، والميلاد الجسمي يشترك فيه الإنسان والحيوانات، لكن ميلاد الروح هو الشيء الذي يميز الإنسان الحق، الإنسان الموعود بالكرامة من الله عز وجل من غيره 5 صحبته أعواماً رحمه الله. وفَهمت منذئذ ما معنى كون الطريق مسدوداً، ولِمَ هذه السدود، وكيف اختراقها، وأين، ومتى، وأيَّانَ! لله الحمد والمنة، ولأهل الله الناصحين خلق الله، لا يخافون في النصيحة غير الله، ولا يرجون إلا الله، الشكر الخالص. لا إله إلا الله محمد رسول الله” 6. ورجعت من ضيافة حضرة الشيخ في حالة لا أجيد أن أعبر عنها، يكفي أن أقول إني انتقلت من حالة الغفلة الدوابية إلى حالة يقظة وذكر.

رجال ونساء حملهم الشوق والمحبة والطاعة لله إلى بيت الله فجاؤوا… 

تتمة المقال على موقع ياسين نت.


[1] ياسين، عبد السلام. الإحسان ج1، ص 109.
[2] الإسلام بين الدعوة والدولة، ص 386-387.
[3] حوار شامل مع الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله، ص 13-14.
[4] برنامج مراجعات مع الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، الحلقة الثانية. الرابط: www.youtube.com/watch?v=8CiKvUc2Hyo
[5] حوار شامل مع الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله، ص 14.
[6] ياسين، عبد السلام. الإحسان ج1، ص 109.