قبل البدء:

لا شك أن الفهم الدقيق للحاضر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وما تعيشه الإنسانية عموما والمسلمون خصوصا من انزلاقات تربوية مقيتة، سيبقى مبهما ومشوشا ما لم تُدرك أبعاد الأحداث التاريخية وآثارها على مسار الثوابت وترتيب الأولويات 1 لدى الإنسان عموما والمسلم خاصة.

ولا شك أن المصائب العظيمة التي توالت على الإنسان المسلم ومزقت الأمة معنويا على مستوى الفكر والعواطف والعلوم والأقطار، قد أنهكت هذا الإنسان بآثار صدمتي الانكسار التاريخي وصدمات الاستعمار والاستبداد.

ولا شك أن لهذه الوضعية آثارا وخيمة على عقيدة الإنسان ونظرته إلى الحياة والموت، فأصبح عرضة لعدة تجاذبات فكرية مشككة ومنكرة للمصير، أشقته في الدنيا، ولعلها تشقيه في الآخرة، فهل لدى صاحب المنهاج النبوي ـــ الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ـــ صورة واضحة للدفاع عن هذا الإنسان، كل إنسان، في وجه أعداء الإنسان؟

أيمكن أن يكون هذا المنهاج أملا وبشرى وخلاصا لكافة أهل الأرض، باعتباره منهاج رحمة ورفق وأمل؟ أيمكن أن يكون بشرى للأشقياء في الأرض الذين أشقتهم المادية الدوابية وسجنتهم في معارك لا تنتهي على الخبز والمنصب والحدود، وعلى لا شيء؟ هلا للإنسان أن يعرف أنه جوهرة ثمينة إذا انخرط في سلك المهتدين والذاكرين والمصلين. 2

خلال هذه الوريقات، نحاول إلقاء نظرة خاطفة وسريعة على الإنسان في فكر الأستاذ ياسين رحمه الله، وإن سعادة الإنسان وإسعاده لمطلب كبير، بل من أهم المطالب عنده وأعلاها في الفكر المنهاجي، فتعالوا بنا إلى بستانه نتفيأ ظلاله ونجمع بعض رحيق زهراته.

  الإنسان بمنظور الفكر الغربي وما والاه:

 ينقل إلينا الإمام رحمه الله باختصار مفيد نظرة الفلسفات الغربية والمذاهب المادية للإنسان فيقول: “الإنسان سلوك، هذه كلمة يؤكد إغراءها كصورة لحقيقة الإنسان تعاقب الفلسفات على عرضها بشتى الأشكال والمفهومات. التاريخ وفلسفته لا موضوع لهما لو لم يكن الإنسان سلوكا، والفرويدية لا ترى في الإنسان الفرد وتاريخيه إلا عراقيل وعقابيل سلوكه في الصبا، والمذاهب المادية تفسر الإنسان المفرد والإنسان الاجتماعي بسلوكه التاريخي، فهو يصنع نفسه بسلوكه. ثم إن الفلسفات المعاصرة، الوجودية منها والسياسية، تعرف الإنسان بالنظر إلى مصيره، فهو عند العقلانية المتأملة والعقلانية العملية حركة متساوقة نحو مصير ما وعبر متناقضات تقوم في وجهه” 3.

وفي صفحات أخرى من كتبه، يبين أن هذه النظرة؛ في الفكر الغربي؛ إلى الإنسان، تكاد تنحصر في كونه صانعا ومنتجا، مبدعا ومبتكرا… ليس له جوهر مستقل عن تاريخيته، يخلق نفسه بعمله في صراعه مع التراب والناس، لا يتميز ولا يعي ذاته إلا بالعمل كما ترى الماركسية، متأله باستقلاله في الأرض قبل الموت، كما ترى الوجودية… 4 وخلاصة هذا الضجيج المتعالي “من الخطابات… عن “الإنسان” “والإنسانية” “وحقوق الإنسان” ودولة الرفاه” 5، “يبقى ضمنيا أن الإنسان دابة” 6.

قلما يلتفت هؤلاء إلى الواقع العيني المأساوي الذي تحياه هذه الدابة التي تمشي على الأرض، تداس كرامتها وتمتهن وتجوع… شعارات زائفة، هذا هو الإنسان في نظرهم، “غاية لذاته، غاية وجود المجتمع أن يلبي رغباته ويشبع حاجاته، وواجب وجوده هو يتلخص في احترام القانون الذي ينظم الحياة الاجتماعية المتغيرة باستمرار”. 7

يتعالى المستبد في كل زمان ومكان، وينسى أنه إنسان مبذر ومستهلك ومدمر وقاتل وأناني، يهوى اللعب والعبث، ويسعى إلى تدمير نفسه وجنسه، بل أصبح عبدا لنفسه وشهواته، وكأن وجوده يتوقف على الجزء الفيزيائي منه، يأكل ويشرب ويتناكح ناسيا أو متناسيا وجوده هناك، لا خبر له عما ينتظره.

 إن الكتاب البيداغوجي الكبير (العالم)، ليشهد شهادة الشاهد بالقسط على هذا الشغف بالفانية الذي وصلت إليه الإنسانية، وعلى الظلم والقهر المسلط على المستضعفين بكل ألوانهم وأطيافهم، بل هو مؤشر على ما وصلت إليه من انحلال وتفسخ وفوضى بدعوى الرقي والتقدم والحضارة.

يقول الإمام رحمه الله: “الدوابيون المعرضون عن الله يبحثون عن حقيقة الإنسان بين عقل فاحص وجسم لا تنتهي عجائبه، وإتقان تركيبه، ودقة صنعه، ووظائف جوارحه، ونُورُنات دماغه، وشبكة أعصابه، ومكونات دمه، وتوازنه العجيب الذي يمكنه من القيام على قدمين، والبطش بيدين، والسمع بأذنين، والإبصار بعينين. وهكذا” 8.

ويفسر الإمام رحمه الله هذا الاختيار الذي توجهت إليه المادية بكل تشكيلاتها، كونها اعتمدت على منظار واحد وهو العقل البشري في نظرتها إلى الإنسان، “وبالتالي إلى حقائق الكون، من خلال المنطق الجدلي الدائب الحركة وبالتالي إلى حقائق الكون، من خلال المنطق الجدلي الدائب الحركة المحرك لكل ما يتناوله بالبحث. وللمنطق الجدلي إيواناته المفضلة عند الماركسيين وعند من يجري بهم السيل الجارف في وجهة النشر التاريخية. وله بعد ذلك سحر لما يفتحه للعقل من أسباب النشر واللف والتقليب والتلوين لكل ما يمسه من أشياء وفكر. فهو بهذا ضرورة لكل باحث يروم التعمق في مخبوءات الإنسان” 9

   الإنسان في مشروع الإمام:

تختلف نظرة مشروع الإمام للإنسان جذريا عن أفكار المادية ومدارسها، ومن بين انتقاداته لها قوله رحمه الله: “لكنها لا تتحدث عن الإنسان ولا عن معناه وغاية وجوده في الأرض باعتباره فردا يولد ويحيى ويموت ويبعث ويحاسب ويجازى. إنما يتحدث التغيير الثوري عن الإنسان باعتباره أداة إنتاج، تُغَرِّبُه الرأسمالية عن ذاته المنتجة، وتَحْرِمُه نتائج عمله. فإذا جاءت الثورة ردت إليه كل الاعتبارات السامية بأن تُمَلِّكه نتائجَ جُهده، وتدله على ذاته وأسرارِها، من حيثُ كونُه عاملا كادحا يتناول المادة بيديه وبفكره فيصنع ويخترع ويُطَوِّرُ. عن تلك الدابَّة الصانعة المنتجة تتحدث الإيديولوجيات، وحولها تفور الثورات. وعن معنى وجود الإنسان لا سؤال ولا خبر” 10.  وبالتالي “تفرض نظرة الإسلام إلى العالم وإلى الإنسان أن يكون لهذا الأخير مهمة وواجب مناقضان تماما لما تحدده له النظرة الحداثية” 11

فهو يعتبر تصور الإنسان لنفسه “وللعالمين الدنيويِّ والأخروي، وللمسؤولية بين يدي الله بعد الموت، هو رسالة القرآن الخالدة إلينا. ما خلق الله الخلق إلا ليعبدوه، فإن ضيعوا هذه الغاية فكل تغيير دونها لا حساب به، ولا وزن له في حياة البشرية.” 12

وهي النظرة المنطلق التي تمكنه من تلمس جوهره “ونفسيته وعقيدته وأخلاقه وإرادته وحركته كلها على الأرض” 13، حتى تكون هذه الحركة ذات “غاية ومعنى وارتباط بمصيره بعد الموت وبمصير أمته في التاريخ” 14، وهو؛ رحمه الله؛ بذلك يبوئ الإنسان الصدارة ضمن مشروعه، بل عليه مدار الأمر كله في الآن والمآل.

طالع أيضا  د. الونخاري: المقاطعة الواعية انتصار للوطن

وإذا كانت المادية مصرة على تمكين العقل من قيادة الإنسانية، فإن الإنسان بذلك في نظر الإمام سيكون بلا معنى، لأنه ينطلق من كونه إنسانا مؤمنا بربه بالفطرة، وبالتالي فحاجته إلى القلب ضرورية، إذ يبقى العقل آلة يملأها الإنسان بما يريد، بل يبقى هذا الإنسان قاصرا دون قلب.

اقرأوا معي هذه الفقرة التي يفصل فيها الكلام أعلاه، يقول الإمام رحمه الله: “هذه النشأة الأولى المركبة من عقل وجسم وغرائز ونفس وروح، ينشئنا الله عز وجل النشأة الآخرة بعد الموت والبعث. أكرمنا الله سبحانه هنا في الدنيا بعطايا ومزايا ونِعم يبتلينا بها أَنَشكر ونؤمن، أم نجحد ونكفر. وإنْ كل هذه العطايا إلاَّ جَهازٌ ومتاع وآلة لنكسب بها الفلاح الأخروي الأبدي. بعد هذه النشأة المركبة العجيبة في جسمانيتها وعقلانيتها ونفسانيتها وروحانيتها نشأة الأبد والخلود. خلود في الجنة والنظر إلى وجه الله، أو خلود في النار نعوذ بالله. 15 ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. 16

 وهو بذلك، رحمه الله، يعطي الإنسان الصدارة ويستهدف جوهره حتى يراجع مواقفه، ولا يغفل عن مصيره، فيُقبل ليلا ونهارا، وفي كل لحظات أنفاسه على نفسه، يغير ما بها، وبذلك يكون الإمام رحمه الله قد أعاد الاعتبار والقيمة للإنسان وروحه وقلبه، مؤكدا أن غذاءهما الذكر والمحبة.

الإنسان اليوم:

لم يكن تنظير الإمام رحمه الله تحليقا حالما بعيدا عن هذا الواقع الذي لا يرتفع، بل كان معايشا خبيرا فقيها بواقعه وواقع الناس والأمة من حوله، وبالتالي لم تكن أفكاره حول الإنسان والإنسانية ترفا فكريا يرف في الرفوف وينسى.

لقد تحدث الإمام رحمه الله في كتبه، خاصة في الصفحات الأولى من كتابه المعنون ب”سنة الله” 17 عن وصف دقيق للإنسانية بين الأمس واليوم، فإذا كانت الإنسانية في فترات انقطاع الوحي، وتأخر بعثة الأنبياء، لحكمة يعلمها الله وحده، قد عانت على المستوى القيمي، أزمة وصفها القرآن بظن الجاهلية، وحكم الجاهلية، وتبرج الجاهلية، فإن الإنسانية اليوم على المستوى العالمي تجاوزت كل الخطوط بكل أشكالها وأنواعها، وأصبحت على شفا حفرة من الهاوية، بتجاوزها كل تلك الأوصاف.

حتى إن الدارسين، اليوم، لم يجدوا لها وصفا إلا وصف الجهل الجديد المركب الذي يلف الإنسان المعاصر 18، وهو جهل ضد العلم، وجهل ضد الحلم، وكانت هاتان الصفتان عنوانا بارزا للجاهلية الأولى بظنها وحكمها وتبرجها، وكانت النتيجة الطبيعية لذلك: عنف هذه الجاهلية على الإنسان، لأنها تجهل معناه وحقيقته، “والعنف وتردي الإنسان في حيوانيته من أبرز صفات تلك الجاهلية وهذه.” 19

وللأسف الشديد، ازداد هذا العنف والجهل رغم اتساع المعرفة وتعقدها وتخصصها، حيث ارتمى كل متخصص في زاوية تخصصه، تحجبه حجب سميكة عن معرفة الحقائق في كمالها ومجموعها، فظهر جهل جديد، 20 أشد فتكا من الأول، لأنه جهل ملحد متفلسف عنيف.

جهل بحقيقة الحقائق كلها: الإنسان ومآلاته، جهل بحقائق الكون من حوله، لقد مكنته المادية الطاغوتية من كل وسائل التدمير والخراب، فأصبح العالم تحت وطأة أزمة كوكبية مدمرة لكل جميل، ومعطلة لكل تجديد، بل ومسفهة لكل حلم حليم، وبهذا تكون الإنسانية اليوم؛ وكما يقول الإمام ياسين رحمه الله؛ قد زادت “على أختها العتيقة بالإلحاد المفلسف المواكب للصواريخ النووية المدمرة”. 21

إن كثرة العلوم وتنوعها، لم تزد إلا في حجب الجوهر الإنساني بكثرة المعلومات وتفاصيل تفاصيلها، ولم تترك للإنسان فرصة لاستعادة وعيه بماهيته الحقيقية، وبرسالته ووظيفته، يعرف كثيرا عن العالم، ولا يعرف إلا قليلا عن نفسه ومصيرها 22، يخرج من هذه الدنيا وقد فاتته معرفة أن الكون له رب، وأن له موعدا معه وسيسأل أوفى أم ضيع.

كل إنسان معاصر يستمتع بزاويته، وبتمتعه وسروره، فانتشرت الشرور والحروب والصدامات من كل زاوية من تلك الزوايا القاصرة النظر، هكذا هو الجهل الجديد، جهل يحمله الخبراء لكنهم يعيشون في الظل، بعبارة أفلاطون، وينقلون فيروسه للعالم عبر وسائل الإعلام وقنوات الثقافة 23

إنه الجهل الذي يعبر عن نفسه في كل بقعة من بقاع العالم، وفي كل بؤرة توتر كبرت أم صغرت، فهي آثار لسهم من سهام زوايا جهالات التخصص المثلث كما يقول طه عبد الرحمن. أول رؤوسه السيطرة الاقتصادية التي تحصر الاستفادة في نطاق المنفعة المادية ولا تتعداها إلى المصلحة المعنوية، ثم السيطرة التقنية التي لا تتجاوز الفعل الإجرائي، ولا تخرج بهذا الفعل إلى العمل المقاصدي، ثم السيطرة الاتصالية التي تنحصر في نطاق المعلومات البعيدة، والسؤال إذن: كيف الخروج من هذه الأزمة المثلثة 24 التي تعيق كل تغيير أخلاقي جاد في العالم، وتقف سدا منيعا أمام الإنسان ليعرف ربه؟ 

قبل ذلك أشير إلى أن هذا الثالوث بفعله هذا، وكأنه يمارس لعبة الإلهاء والتضليل من حيث ادعاؤه السعي إلى الإمساك بالحقيقة وتطويقها، هو في حقيقة الأمر لا يمسك إلا بالحقائق الصغيرة والمدمرة لكل القيم، بل المدمرة للإنسان نفسه، لأنه يتجاهل الحقائق الكبرى إرضاء للأنانيات والجبروت واللامبالاة، وما الحقائق الصغيرة إلا أنفاق مظلمة ومسدودة، بل هي مجرد أوهام، سرعان ما تنقشع أمام سطوة الحقائق وقوتها 25

تبصرة الإنسان بماهيته ومصيره:

يتأسف الإمام رحمه الله على حال الأمة حين فقدت هويتها فيقول: “ما صرنا نحن غُثاء، وكلمةً دخيلة في قاموس التاريخ، إلا لإنكارنا أصولنا، وكفرَانِنا رِسالتنا، وجهلِنا بما نحن ومن أين جئنا أمة وإلى أين نصير بعد الموت فرادى.” 26

الدنيا فرصة لا تتكرر، لا ينبغي أن تفُوت الإنسان دون معرفة ماهيته الحقيقية، ليتمكن من نفسه، من عبادة الله ربه، وهي رسالة لكل إنسان ولنفسه، وهي الرسالة التي نجد لها منطلقا من كتاب الله باعتباره مصدر البلاغ الإلهي، “وتبصرة وذكرى في أعماق الفطرة الإنسانية، استعدادا لسماع النداء الإلهي الذي يتضمنه.” 27

وقد حذره سبحانه في آيات كثيرة من غواياتها وغرورها، من ذلك قوله سبحانه: فلا تغرنكم الحياة الدنيا 28 أي: “العيشة الدنيئة بالنسبة إلى ما أعد الله لأوليائه وأتباع رسله من الخير العظيم فلا تتلهوا عن ذلك الباقي بهذه الزهرة الفانية” 29.

 تحذير للإنسان حتى لا يصبح مستغرقا مغرورا بالحياة الدنيا، غافلا “عن المقادير النادرة التي يقدرها الله تعالى ويقدر لها أسباباً ليست في الحسبان فتأتي على حسب ما جرى به قدره لا على حسب ما يقدره الناس” 30 وهو مضمون قوله تعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ 31.

طالع أيضا  شرفُ التَّلمذَة.. رسالة إلى الأستاذ عبد السلام ياسين ـ رحمه الله ـ

“كان من حق العاقل أن يفرض الاحتمالات كلَّها وينظر فيها بالسَبْر والتقييم، أنحى الله ذلك عليهم بأن أعقب إخباره عن انتفاء علمهم صدق وعد القرآن، بأن وصف حالة علمهم كلَّها بأن قُصارى تفكيرهم منحصر في ظواهر الحياة الدنيا غير المحتاجة إلى النظر العقلي وهي المحسوسات والمجريات والأمارات، ولا يعلمون بواطن الدلالات المحتاجة إلى إعمال الفكر والنظر… يعلمون ظواهر ما في الدنيا، أي ولا يعلمون دقائقها وهي العلوم الحقيقية وكلها حاصلة في الدنيا. وبهذا الاعتبار كانت الدنيا مزرعة الآخرة” 32

ولعل من أهم ثمرات ومقاصد هذا التحذير، هو إحداث تغيير جذري في تصورات الإنسان “محور كل تحول أو انتقال وتغيير، كان هو اللبنة الأساسية في بناء المجتمع” 33، ثم إحداث تغيير جذري في تصوراته للكون والمصير حتى يعمل بجد وتفان وإخلاص عملا إراديا مقصودا ينبع من نفسه، ثم يبدع أثناء الإنجاز ويقتحم العقبات الأنفسية والآفاقية، لأجل الرقي وتجاوز أنواع التخلف والهوان كله، بما في ذلك آفة الاستلاب الحضاري الذي تتجرع الأمة سمه منذ الصدمة الأولى والثانية.

لذلك كان الإنسان ولا يزال “في حاجة ماسة إلى شحذ همته، وتوجيهه الوجهة السليمة، وتذكيره بمصيره الذي ينتظره… ولا يكون ذلك إلا عن طريق تزكيته وتربيته وتهيئة إرادته” 34. وذلك حتى يحقق العبودية الخالصة لله وحده. 35

يقول الإمام رحمه الله مبينا وموضحا غاية هذا التغيير بألفاظ غاية في الدقة: “أن يكون الله عز وجل غاية كل فرد من العباد، أن يكون ابتغاء رضاه والسباق إلى مغفرته وجنته، والسير على مدارج الإيمان والإحسان لمعرفته والوصول إليه والنظر إلى وجهه الكريم: منطلقَ الإرادة وحادي المسارعة وقبلة الرجاء” 36، ولا يحقق المكلف ذلك إلا إذا كان دائب الحركة يقظا لاقتحام مراقي الصعود ومعارج القرب من مولاه عبادة وتبتلًا ليسعد في الدنيا والآخرة.

الإنسان بين القانون والقيم الأخلاقية:

مازال الإمام يلح في كل مكتوباته المستمدة من القرآن والسنة على الإنسان باعتباره محور هذا الوجود الابتلائي، ويركز على القيم الأخلاقية والروحية للفرد والجماعة، إذ تعتبر حاسمة في الانضباط ومحركة للقيم الإيجابية بين الجميع، يقول رحمه الله: “من بين العدد الكبير من الآيات التي يتكون منها القرآن (6236) لم يخصص للحدود سوى ثلاثين آية، ثلاثة عشر فقط منها للأحكام والمنازعات.” 37

الباقي من كتاب الله عز وجل “للهداية… كله لترسيخ هم الآخرة في قلب الإنسان ودعوته إلى سلوك سبيل الاستقامة، سبيل الصالحين قبله..” 38 مضمونه التأكيد على ربط وتوطيد العلاقة بين “الإنسان وخالقه، عن العمل الصالح الضروري لكي يرتقي الإنسان في هذه الحياة على معارج الإيمان ويستحق السعادة الأبدية” 39

في حين ينتقد نظرة المجتمعات الحديثة لهذا الفرد حين تعتبره “غاية لذاته، غاية وجود المجتمع أن يلبي رغباته ويشبع حاجاته، وواجب وجوده هو يتلخص في احترام القانون الذي ينظم الحياة الاجتماعية المتغيرة باستمرار.

أما القيم الأخلاقية فليس لها سوى تأثير هامشي -إن لم يكن منعدما- على مسيرة ونظام المجتمعات المتقدمة” 40، وبهذا المنطق تتقدم جميع المعتبرات، بما فيها الدولة والتنظيمات السياسية، ويتأخر الإنسان، وأعز ما في الإنسان قلبه.

وفي المقابل يؤكد الإمام أن “النموذج الأمثل للمجتمع الإسلامي الذي علينا أن نبنيه القيم الأخلاقية والروحية محركا وغاية في نفس الوقت للمشروع الفردي والجماعي.” 41

وبالتالي أي مساطر أو قوانين تصادم في أفق تطبيقها حقيقة الحقائق “الإنسان” فينبغي تصحيحها، لأن الإنسان أسبق من المساطر 42، فكل المعتبرات في خدمته، لأنه إذا كان وضعه غير سليم، فأنى تصح له عبادة أو معاملة، وأنى يترقى في مدارج الدين وهو محروم من الخبز ومن المأوى والأمن النفسي…

أنى له الانضباط لهذه المساطر وهي تقيد حريته الدينية والاقتصادية والاجتماعية، وتمنعه حتى من التجمع والتواصل مع أبناء وطنه؟ قال الله عز وجل: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ 43

 ولا يتنافى هذا والعدل الإلهي الذي جعل التغيير الخارجي الذي يحدث في علاقات الناس واقتصادهم وسياسات حكامهم… نتيجة طبيعية للتغيير الداخلي الذي يصيب نفوسهم، لأن اَللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّيٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَآ أَرَادَ اَللَّهُ بِقَوْم سُوٓءا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۖ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِنْ وَّالٍ 44

هي آية كريمة تحدد مسؤولية الإنسان عن نوعية النتائج التي يريد تحقيقها، انطلاقا من التغيير الداخلي والخارجي الذي يحدثه في نفسه، فهي تربط بين التغييرين الأنفسي والقدري، لأن الله “لا يغير نعمة أو بؤسا، ولا يغير عزة أو ذلة، ولا يغير مكانة أو مهانة… إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم، فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم،” 45 بمعنى “كل تغيير في السياسة والاقتصاد فإنما هو تبَعٌ لهذا التغيير الكلي الجوهري للإنسان” 46

وهذا ما يتيح للإنسان إمكانية تحوله من حال إلى حال، وذلك عن طريق التوبة وتجديد القصد والوجهة، فتصطبغ حياته بصبغة الله التي فطر الناس عليها، حينها يجد نفسه منضبطة منقادة لأمر الله إخلاصا لله لا إرادة لدنيا، أو منصب، أو جاه وسلطان، لأن “أعمال الجوارح ناشئةٌ من نَبْعِ نفس تُحرِّك الجوارح، وحين تصلح النفس تصبح الجوارح مستقيمة، وحين تفسد النفس تصير الجوارح غير مستقيمة، فالحق سبحانه وتعالى أخضع كل الجوارح لِمُرادات النفس، فلو كانت النفسُ مخالفةً لمنهج الله فاللسان خاضع لها، ولا ينطق رغم إرادته بالتوحيد لأن النفسَ التي تديره مخالفةٌ للإيمان” 47

والخلاصة من هذه الفقرات أن استقامة الإنسان، وتحسين علاقته بربه تعالى، هي السبيل الأنجع لعلاج “العلاقات الاجتماعية، وأوضاع السلم والحرب، ومسألة توزيع الثروات، وكذا مجموع المبادئ الأخلاقية والاقتصادية والسياسية والأسرية، علاقات يريدها الإسلام في كنف التسامح وتكريم الإنسان. 48

الإنسان والحذر من حسرة الأبد:

يبين الإمام رحمه الله أن الله سبحانه وتعالى ما ترك “وجها من وجوه التبليغ إلا عرضه، من وصف يخاطب خيال الإنسان، وتبصيرٍ يخاطب عقله، و«تقرير» عن حال المقرَّنين في الأصفاد يؤْلم حِسه، وتأكيد على أن وعدَه سبحانه رُسُلَه لا يتخلف هو التخويف من فوت فرصة العمر، وضياع هدف الحياة، وحسرة الأبد” 49، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللِه مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ 50

طالع أيضا  معتقلو الفنيدق يعانقون الحرية.. بعد الحكم بحبسهم ستة أشهر موقوفة التنفيذ

إنه تحذير وتنبيه لكل إنسان حتى لا ينشغل عن اليوم الآخر بالدنيا ومتاعبها وعقباتها، وكذلك بزينتها ومسراتها، والحذر الحذر من أن “تشغل السياسة اليومية، وممارسة الحكم، عن تدبر الغاية الأخروية. وإن خطر ذوبان الدعوة في الدولة، تطحنها رحاها، خطر جسيم يهدد الإسلاميين المتصدين للسياسة والواصلين إلى سُدة الحكم. ويشغل الجهادُ ومُنازلة الأعداء وإعداد القوة.” 51

  خلاصة

   إن النوازع النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والتربوية أكبر مهدد لكيان الإنسان في أبعاده كلها، وفي علاقاته الأنفسية والآفاقية، بل إن هذه النوازع هي أكبر مكدر لصفوه، ولعلها، أيضا، المحك في تلمس أثر صدقه وثباته، وإخلاص نيته وحرصه على طريق الصواب ونهجه، والثبات عليها حتى يلتحق بربه، واكتساب الحظ الأوفر من شعب الإيمان وسمته: توبة وأوبة وصحبة وبذلا وجهادا مع من يذلل له الطريق ويدله على متاعبها ومنعرجاتها ومطباتها إن كان يريد الله ووجه.

وختاما، إن من استجاب لداعي الله من بني آدم ـــ كما يقول الإمام رحمه الله ــــ فقد “فتح الله لعقله وقلبه أبواب الهداية وسبل السعادة. فهو على طريق آدم عليه السلام الذي سواه الله ونفخ فيه من روحه وجعله خليفة في الأرض، وأسجد له الملائكة. وكذلك سوانا من نطفة وخلقنا في أحسن تقويم. تلك كرامة النشأة الترابية هذه، تسكن الروح قفصها زمنا تكسِب فيه معاشها ضرورةَ حياة، وتكسب فيه فلاحها الأخروي، وتبني فيه وبه معادها هداية من الله وإتمام نعمة وكرامة…..” 52


[1] للتوسع في هذا الباب انظر: ياسين عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ.
[2] إدريس مقبول، سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين، ص: 110.
[3] ياسين عبد السلام، الإسلام غدا، ص: 15
[4] نفسه، ص: 26/27.
[5] إدريس مقبول، ما وراء السياسة، أفريقيا الشرق، ص: 30.
[6] الإسلام غدا، ص: 27.
[7] ياسين عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص: 245.
[8] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ج:1، ص: 249-250.
[9] الإسلام غدا، ص: 15.
[10] ياسين عبد السلام، إمامة الأمة، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى: 2009م، ص: 86.
[11] الإسلام والحداثة، ص: 245.
[12] إمامة الأمة، ص:79.
[13] نفسه، ص:80.
[14] نفسه، ص:80.
[15] تنوير المؤمنات، 1/249-250.
[16] سورة العنكبوت، الآية: 19.
[17] ياسين عبد السلام، سنة الله، ص: 28/29.
[18] إدريس مقبول: عبد السلام ياسين تجربة فريدة في تاريخ الفكر، 2 دجنبر، 2014، منصف المرزوقي، الدولة والمجتمع في تونس…حدود الانتقال، ندوة نظمها حزب البناء الوطني بتونس، بمناسبة الذكرى الأولى لتأسيسه، انطلاقا مما تعرفه من مستجدات ومن خلال مقارنتها بتجارب أخرى.16/05/2015، (مقال إلكتروني) https://www.aljamaa.net/ar/category/.
[19] ياسين عبد السلام، سنة الله، ص: 28.
[20] عبد السلام ياسين تجربة فريدة في تاريخ الفكر (مقال الكتروني).
[21] سنة الله، ص: 28/29.
[22] إدريس مقبول، سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين، ص: 102، بتصرف.
[23] عبد السلام ياسين تجربة فريدة في تاريخ الفكر، (مقال الكتروني).
[24] طه عبد الرحمن، روح الحداثة المدخل الى تأسيس الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، الطبعة الأولى: 2006م، ص: 85.
[25] عبد السلام ياسين تجربة فريدة في تاريخ الفكر، (مقال الكتروني).
[26] تنوير المومنات، ج: 2، ص: 221.
[27] ياسين عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص: 12.
[28] سورة فاطر، الآية: 5.
[29] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، المحقق: سامي بن محمد سلامة الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع الطبعة: الثانية 1420هـ -1999 م، ج: 6، ص: 534.
[30] ابن عاشور، التحرير والتنوير، https://www.greattafsirs.com/Tafsir_Library.aspx?MadhabNo
[31] سورة الروم، الآية: 7
[32] ابن عاشور، التحرير والتنوير، https://www.greattafsirs.com/Tafsir_Library.aspx?MadhabNo.
[33] مجدي محمد قويدر، مفهوم التغيير عند الإمام عبد السلام ياسين، مجلة مقاربات، العدد السادس، 4 نونبر2019. (مقال إلكتروني)، https://sy-sic.com/?p=7776
[34] مفهوم التغيير عند الإمام عبد السلام ياسين، (مقال إلكتروني).
[35] ربيع حمو، التغيير عند الإمام عبد السلام ياسين، مفهومه ومرجعيته، كتاب أعمال المؤتمر الدولي الثاني في نظرية المنهاج النبوي في موضوع: التغيير في نظرية المنهاج النبوي عند الإمام عبد السلام ياسين: مفهومه وإشكالاته وقضاياه، إستانبول 16 -17 يناير / كانون الثاني 2016م الطبعة الأولى: 1437/2016م، الجزء الأول (البحوث باللغة العربية)، ص: 29.
[36] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي تربيةً وتنظيمًا وزحفًا، ص: 8.
[37] الإسلام والحداثة، ص: 191.
[38] نفسه، ص: 191.
[39] نفسه، ص: 191.
[40] الإسلام والحداثة، ص: 245.
[41] نفسه، ص: 245.
[42] إدريس مقبول، دولة الإسلام هي دولة الإنسان، مجلة منار الهدى، العدد:8/2007، ص: 51.
[43] سورة التوبة، الآية: 6.
[44] سورة الرعد، الآية: 11.
[45] سيد، قطب، في ظلال القرآن، ج: 4، ص: 2049.
[46] إمامة الأمة، ص: 88.
[47] محمد متولي الشعراوي، تفسير الشعراوي، قطاع الثقافة، أخبار اليوم، مصر، الطبعة الأولى: 1991م، ج:12، ص:7243.
[48] الإسلام والحداثة، ص: 191.
[49] ياسين عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ص: 354.
[50] سورة إبراهيم، الآية: 44/45.
[51] العدل: الإسلاميون والحكم، ص: 355.
[52] تنوير المومنات، ج: 1، ص: 209.