1

لكل زمان رجال طيبون، ورثوا من النبوة الرغبة المثالية في إنقاذ الجميع. صحبتهم تحملك وتحمل عنك.. يأتون كلما اقترب موعد الطوفان يصنعون السفينة كما فعل سيدنا نوح.. لا يصفون مشاهد الهلاك، لا ييأسون، فقط يبحثون بأعينهم عن ناج محتمل، عن مستوحش يكسرون وحدته ويفسحون مجالسهم لأجله، يُقرّبون القلوب بالدُّعاء، ويُبشّرون بصبح قريب ويغترفون من رحمة الله التي لا ممسك لها..

لا يبتغون جزاء ولا شكورا ولا يأسرونك بمعروف. ربما كنت الروح التي خلقهم الله لسقايتها فتزهر، ربما كنت حسنة في سجلهم وهم يسألون الله أن تسمع خبرهم أن من هنا الطريق.. من هنا البداية فسبحان الذي يبعث ويصطفي ويختار.

2

أكرم الله المغرب الأقصى في القرن الخامس عشر هجري بإمام مجدد هو العالم المربي سيدي عبد السلام ياسين رحمه الله. حين بلغ الأربعين أخذ بمجامع نفسه، وارتحل إلى الله قلبًا، وهو يطلب القرب. فأنعم الكريم عز وجل عليه بصحبة عارف بالله ليذوق المحبةَ فيتحول من محمول إلى حامل ومن حارس إلى غارس. أدرك أنه حامل رسالة عظيمة أنهضه القدر لأداء أمانتها، فتحول من مجرد درويش في زاوية إلى إمام يحمل مشروعا تجديديا أفقه الأخوة والمحبة والعدل كما جسدتها تجربة النبي محمد عليه السلام وخلفائه الأربعة من بعده.

إن الذين غيروا التاريخ جعلوا القلوب قِبلة، والأجساد جبالًا، لذلك حرص الإمام رحمه الله على تربية قلوب لا تعرف التثاؤب وأجساد لا تُرهقها حياة فارغة..

لم يكُن رحمه الله نِصفًا، بل كان كُلا جمع بين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي، صِدّيقًا مع دعوة الله، أمينًا على أمّته. ولأنّ اللحظات حبيبات.. غالياتٌ على من صدق، فقد أخذ عهدًا على نفسه أن يصدع بما سمع وأن يقول كلمة الحق منذ أن ذاق فلزم ومنذ أن سَجَد فوَجَد. وكثيرا ما كان يضع على صدره يدًا وهو يتمتم أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ.

طالع أيضا  ذ. حمداوي محفزا على اغتنام الأيام البيض: صم ما دمت قادرا على ذلك وذكر غيرك

وشاء الله أن يزرع رجالا فجعله الله لقلوبٍهم دواء، ولأرواحهم سقاء، وجعله الله لكلّ صادقٍ رِواء، ولكلّ فاضل صفاء.

علم تلامذته أن الله يُحِبّ ويُحَبُّ، وأن الدين إسلام وإيمان وإحسان فدربّهم على أن يستترون بظلّ اللَّيل، يشقّون الطريق، ويقتحمون العقبات ويشدّون وثاق الدعاء حتى لا تفصل بينهم برازخ الموت، لا يُبالون بالمسافات وإن طالت. ورسخ في قلوبهم أن العدل أوثق عرى الإحسان وأن مبتدئ الأمر وخبره هو هل لك عند الله حاجة.

3

أمضى سنواته يبحث عن قارئ لما يكتب، عن سامع لما يدعو له، عن حامل معه لهذا الثقل وهذه الأمانة وهذه الرسالة. كان ينظر إلى السماء فيجدها بعيدة وإلى الأرض فيجدها وعرة الطريق، لكنه ما يئس من روح الله.. تعجب أصحابه لتلك الهمة التي تسند قلبه أن ينطفئ، وتقوم ظهره إن عز النصير، وذلك اليقين الذي يمنحه السير دون عرج كأنه يرى القادم رأي العين، ويهبه من القوة ما تود راسخات الجبال أنها لها.. وكلما ضاق صدره بما يقولون أعاد القول والنصح والعزم مستعينا بالصبر والصلاة.. (والله أعلم حيث يجعل رسالته).

4

يبدو أن القدر الإلهي حجز للإمام عبد السلام ياسين في لحظة مفصلية من التاريخ منزلة عالية، شهد له بها كل من صاحبه أو كتب عنه أو قرأ عنه أو حتى خالفه.

ولقد شاهدنا عبر العالم من يتحدث عن روحه الخفيفة وقلبه الجميل، يحدثونك بلغات شتى، عن الإمام المجدد الذي امتلك الإرادة والهمة والصبر والشهادة بالقسط.

أما تلامذته الأقربين فيحدثونك عنه بمحبة فائضة ويخبرونك أنه جمعهم على الله وحببهم في الله، فأحبوه في الله.

وكان مما كتب رحمه الله “العارفون بالله صنف من الأولياء، أعلاهم مرتبة وأقربهم قربا وأضْوَأُهم قلبا. هم رحمة في العالمين يُشعون على الخلق من نور النبوة الذي ورثوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله رب العالمين رحمة للعالمين” (الاحسان، ج2).

طالع أيضا  الأبناء وشجار الآباء

ويضيف قدس الله سره في موضع آخر “سعادتي في الآخرة أقْربُ ما يحققها جهادي لإسعاد أمتي في الدنيا. سعادتي الشخصية في الدنيا سعادة مرتَحِلٍ متزَوِّدٍ من دنياه لآخرته. سعادتي في الدنيا سعادةُ صابرٍ على البلواء شاكرٍ للنعماء. ما سعادتي اللذة هنا كما ينْعَم من لا يرجون لقاء الله. لذلك فأنا لا أفكر كما يفكرون، ما عقلي من عقلانيتهم” (حوار الماضي والمستقبل، 145).

5

رحم الله الإمام المجدد عبد السلام ياسين كان قبل تسع سنوات هنا، واليوم يقف عند مَن أحَبّ.