لا حديث هذه الأيام إلا عن الشروط الجديدة لاجتياز مباريات التعليم، من انتقاء أولي يعتمد فيه على المعدلات الجيدة، وسن للمترشح لا يتعدى 30 سنة، مع عدم ارتباط المترشح بأي عقد عمل…

   وهي شروط أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها مجحفة، وبعيدة كل البعد عن معايير الكفاءة والمصداقية، ومبادئ الإنصاف وضمان تكافؤ الفرص.

   وتعتبر الوزارة الوصية على لسان الوزير شكيب بن موسى، أن هذه الشروط ضرورية من أجل “الارتقاء” بالمدرسة المغربية، وضمان جودة سير العملية التعليمية التعلمية، وكأن السبب في فشل المنظومة التربوية وإفلاس المدرسة المغربية هو المدرّس، في حين أن هذا الأخير كان ولايزال بمجهوده الفردي هو الحلقة الوحيدة التي تحافظ على هيبة وهوية المدرسة المغربية، ولعل تفوق وتميز التلاميذ المغاربة في كثير من المسابقات الدولية خير شاهد على ذلك.

   إن فشل المنظومة التربوية وتقهقر المدرسة المغربية يعود لأسباب مركبة، ومسببات عميقة ومترابطة، لا يمكن عزل أحدها عن الآخر.

  ويمكننا القول أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية وراء فشل المنظومة التربوية، لا علاقة لها بالمدرس، ولا علاقة للمدرس بها، بل هو ضحية لهذه الأسباب ونتيجة طبيعية لها وهي:

– غياب مشروع مجتمعي يوضح طبيعة المسار الذي يجب أن نسير فيه دولةً ومجتمعا، وطبيعة القيم والمبادئ التي يجب التربية والتنشئة عليها، وطبيعة النموذج السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، الذي نسعى لبنائه، والنسج على منواله.

– غياب الإرادة السياسية اللازمة لإصلاح التعليم والارتقاء به، وذلك يتجلى في الميزانية المخصصة للقطاع بالمقارنة مع قطاعات أخرى، مع النقص المهول في عدد المدارس والجامعات، وعدد الأقسام والحجرات، والاكتظاظ الكبير في الأقسام والمستويات، حيث يصل عدد التلاميذ -في عدد من المناطق- إلى 50 تلميذا في القسم الواحد.

طالع أيضا  الجبهة المغربية لدعم فلسطين وضد التطبيع تؤسس فرعا لها بمدينة الدار البيضاء

إن المدارس التي تحترم كرامة الإنسان وتضمن له الحق في تعليم جيد، تعتبر أن الحد الأقصى من التلاميذ في كل قسم هو 25 تلميذا، بما يضمن متابعة التلميذ، ومصاحبته، والتواصل معه، والاقتراب من انشغالاته، قصد مساعدته على الرقي بقدراته وتطوير مكتسباته، وحتى يأخذ حقه كاملا في الرعاية، والتربية، والتوجيه.

   أما مع الاكتظاظ فلا يمكن الحديث عن المتابعة، ولا عن المصاحبة، أو التوجيه، أو التربية. بل يمكن الحديث فقط عن التعثر الدراسي، والهذر المدرسي، والعنف المدرسي، وارتفاع عدد الراسبين والمنقطعين.

– غياب المقاربة التربوية، الأخلاقية، الكيفية، المنفتحة على التجارب العالمية، وحضور المقاربة الأمنية القانونية، الكمية، المنغلقة على ذاتها، بحيث يُسير القطاع من خلال المذكرات، والقوانين والأوامر الفوقية، المنغلقة، البعيدة عن واقع التعليم، البعيدة عن التشاور، والحوار، والاقتراب من هموم التلاميذ والمدرسين.

   يتم التعامل مع المدرسة ككتلة بشرية، يجب محاصرتها داخل أسوار عالية، مع التحكم في سلوكاتها وأفعالها، عوض التعامل مع المدرسة كمؤسسة للتنشئة والتربية، واكتشاف المواهب وتحرير الطاقات والاحتفال بها.

  التركيز على المعلومات، والأفكار، والنظريات، من خلال دروس كثيرة مرهقة، ومواد متعددة ومشتتة للجهد والفهم، وذلك من أجل ملأ الزمن المدرسي بالتلقين والحفظ والاستظهار، وعدم ترك المجال للحوار والنقاش والانفتاح على الواقع وما فيه من تناقضات، وتحديات، وعوائق، وصعوبات. وما يحتاجه من قدرات، وكفايات، ومهارات.

* تعتبر المدرسة لبنة أساسية من لبنات المجتمع، فهي مفتاح التربية وسر التغيير، ومن خلالها وبها يتم تربية الفرد وتنشئته على القيم الجيدة والمعارف المتجددة. وعلى جودة المدرسة وتجددها تتوقف جودة الإنسان ورقي سلوكياته وأفعاله، بل وعلى جودة المدرسة يتوقف تقدم المجتمع أو تخلفه، فجودة المنتوج من جودة الإنسان، وجودة الإنسان من جودة التربية التي يتلقاها داخل الأسرة والمدرسة، ويبقى المدرس هو اللبنة التي لابد منها من أجل إصلاح أو تجويد قطاع التعليم، فالاهتمام به، واحترامه، وتقديره، والاعتراف بمجهوداته، يساهم لا محالة في تجويد المدرسة العمومية، أما إهانته واحتقاره، وتبخيس ما يقوم به من عمل واجتهاد، فهو لن يؤدي إلا إلى القضاء على ما تبقى من هيبة وهوية للمدرسة العمومية.

طالع أيضا  ومضات تدبرية (2).. العمل وبذل الجهد