·      شذرات:

“امتاز الصحابة رضي الله عنهم بتعلقهم الشديد بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم. لم يكن عندهم ولا عند كل تقِيّ أوّاه من هذه الأمة مجردَ مُبلِّغ أدى رسالته ومضى، (…) في أحضان النبوة تربوا، ومنها رشفوا واستقوا حتى تفجرت في قلوبهم ينابيع الإيمان وكانوا أبر الناس قلوبا وأعمقهم علما (…) رفعوا خُبيبا رضي الله عنه على الخشبة في مكة ليقتلوه، فسألوه: أتُحبّ أنّ محمدا مكانَك؟ قال: “قال: لا، والله العظيم ما أحِبُّ أن يفديني بشوكة يُشاكها في قدمه” (…) كانت مهابته في قلوبهم قاضية، مهابةُ الحب والإجلال لا مهابةَ الخوف، يجلسون إليه كأنما على رؤوسهم الطير” 1

يجلسون إليه وكأن على رؤوسهم الطير محبةً وتعظيما وإجلالا، وحرصا على مجالسته ومشافهته والإصغاء إليه والإنصات لما جاء به، وسماعِه بنيّة التنفيذ والتطبيق، فأسمعَ الله فطرتهم وأيقظَ إرادتهم.

يجلسون إليه محبة وشوقا وتأدبا ومهابة، حتى تروّضوا على الطاعة، وزكَت منهم الأخلاقُ، واسترخصوا نفوسهم وأموالهم في جنب الله، ومحبةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

روى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “كُنت أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أمية بن زيد -وهي من عوالي المدينة- وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلتُ جئت بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك”. هذا حرصٌ كبير وشوق منقطع النظير، لمجالسة خير خلق الله وما يتنزل عليه من وحي، بنيّة الاستجابة والتطبيق.

عن معاوية رضى الله عنه أنه (خرج على حلقة في المسجد فقال ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال: آلله ما أجلسكم إلاّ ذاك؟ قالوا: ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إنّي لم أستحلفكم تهمةً لكم، وما كان أحدٌ بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقلّ عنه حديثا مني، إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجَ على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنّ به علينا، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة) 2.

طالع أيضا  الإيمــان.. من ذكر أركانه إلى تذوق حلاوته

وكان الصحابي الجليل عبد الله بن رواحه رضي الله عنه إذا لقي الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تعال نؤمن بربنا ساعة! فقال ذات يوم لرجل، فغضب الرجل فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك بإيمان ساعة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهي بها الملائكة).

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه ذهب إلى السوقِ، فقال للتجارِ هناك: (ما أعجزَكم يا أهل السوق.. أنتم هنا والناس يقتسمون ميراث النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، فتركوا تجارتهم وهرعوا إلى المسجد، فدخلوا فوجدوا الناس بين مُصلٍّ وبين ذاكرٍ وبين متفقه -فوقف في مكانه ينتظرهم- فلما رجعوا قالوا له: ما وجدْنا شيئاً يقْسَمُ في المسجد. فقال لهم: وما وجدتم؟ قالوا وجدنا الناس بين مصلِ وذاكرٍ ومتفقه، قال: ذلك ميراثُ النبي صلى الله عليه وسلم) حسَّنَ إسنادَه المنذري.

وروى عاصم بن محمد عن أبيه قال: رأيتُ أبا هريرة رضي الله عنه يخرج يوم الجمعة، فيقبض على رُمّانتي المنبر، قائمًا ويقول: حدثنا أبو القاسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق، فلا يزال يُحدِّث حتى إذا سمع فتح باب المقصورة لخروج الإمام للصلاة جلس. أخرجه الخطيب في الجامع.

وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقوم كل خميسٍ فيُحدِّثهم

وعن مكحولٍ قال: تواعَد الناس ليلةً إلى قُبَّةٍ من قباب معاوية رضي الله عنه، فاجتمعوا فيها، فقام فيهم أبو هريرة رضي الله عنه يُحدِّثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح. أخرجه الخطيب في الجامع.

طالع أيضا  الست من شوال

·      إشارات:

+ إن حرص الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم على مجالس العلم والإيمان كان بدافع من محبتهم وتعلقهم بالشخص الكريم صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من وحي، مع عزم وإرادة قوية لتنفيذ الأوامر واجتناب النواهي.

+ إن حرص الصحابة رضي الله عنهم على مجالس الإيمان، من خلال شعار “تعالَ نؤمن بربنا ساعة”، تجسيدٌ عمليٌّ لمعاني كثيرة نجد منها:

– دعوة إلى الاجتماع على الله والتعاون على ذكره.

– دعوة إلى تجديد النية وتصحيح القصد، ورفع الهمة والإرادة حتى لا يكون لها من دون وجه الله مطلب.

– دعوة إلى الحضور القلبي مع الله واستحضار معيته.

_ دعوة إلى ترك هموم الدنيا ومشاغلها.

_ دعوة إلى التجرد من الحول والقوة والعلم والعمل.

_ دعوة إلى الافتقار ببن يدي الله والتضرع إليه.

_ دعوة إلى فحص الذات والنظر في عيوبها وصقل القلوب وتهيئتها.

·      خلاصات:

* إن الحرص على مجالس الإيمان يعني:

– اليقين التام في أن صبر النفس وتربيتها لابد فيه من مجالسة ومعية.

– اليقين التام في أن العمل الفردي الخاص لا يغنيك في سلوكك الجهادي عن العمل الجماعي المشترك.

– اليقين التام في أن مجالس الإيمان لها الأثر البالغ على تجديد الإيمان وتقويته على المستوي الفردي، وكذلك تجديد وتقوية معاني المحبة، والمودة والصفاء والإخاء، على المستوى الجماعي.

* الإمام المجدد رحمه الله جعل لمجالس الإيمان مؤسسات تهتم بها، وتعمل على تجويدها، بل وجعل لهذه المجالس أزمنة قارة وبرامج متنوعة متجددة حتى لا تمل هذه النفس ولا تكل، المطلوب منا نحن الأعضاء هو الانخراط الفاعل مع التعظيم والتوقير والمداومة.

* مجالسنا داخل هذه الجماعة المباركة مجالس ذكر ومدارسة وعلم، وتهمم بأحوال المسلمين واستعداد للوقوف والقيام، لبناء دولة الحق والعدل والحكم بما أنزل الله.

طالع أيضا  بعد دخول طالبان العاصمة كابول.. ذ. حمداوي: نأمل أن يدشن هذا الحدث لمرحلة جديدة تتميز بوحدة الشعب الأفغاني

* المطلوب من النقباء إحياء هذه المجالس بالمواساة والتأليف والكلمة الطيبة والوجه المبشور والصدر الواسع.

* إن حرص الصحابة على مجالس الإيمان من خلال شعار “تعال نؤمن بربنا ساعة” أثمر على المستوى الفردي إيمانا ويقينا وتقوى وشوقا للقاء الله، وعلى المستوى الجماعي تحابّا في الله ومودةً وانسجاما وصفاء وإخاء، وعلى المستوى المجتمعي إقامة شرع الله بما هو عدل ومساواة وكرامة.

* بسم الله الرحمن الرحيم وَالْعَصْرِ ﴿۱﴾ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿۲﴾ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴿۳﴾. صدق الله العظيم.

وهذا مما كان يحرص عليه الصحابة رضي الله عنهم حرصهم على مجالس الإيمان، هو أنهم لا يتفرقون حتى يقرأ أحدهم على الآخر سورة العصر.

اللهم اجعلنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، آمين.


[1] الإحسان 1 صفحة 103‪.
[2] رواه الإمام مسلم