حق للمغاربة أن يفخروا عبر تاريخهم اللاحق برجل من طينة الرجال العظماء العمالقة الذين قلما يجود الدهر بمثلهم، إنه علم الأعلام وشيخ الأشياخ رباني هذا العصر عبد السلام ياسين الذي أحيى سيرة الصحابة والأولياء العارفين. لقد جسد الإمام المجدد صورة تكاد تكون طبق الأصل من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في سمتهم وهديهم ودأبهم، فهو الراهب بالليل الفارس بالنهار، فقد نال حظا وافرا من ثبات الصّدّيق واستقامته، ومن عدل الفاروق وقوته، ومن حلم عثمان ورأفته، ومن شجاعة علي وحكمته، فهو قبس من نور الصحابة رضي الله عنهم وتجل من تجلياتهم، ولذلك ليس مستغربا أن يحبه وينجذب إليه كل من عرفه وخبره. لقد عاش الإمام يتقلب في دوحة القرآن والذكر، فعاش حياته ذاكرا لا يفتر لسانه عن ذكر الله وصائما قانتا عابدا، فأسهر الليل وأظمأ النهار، فكان القرآن والذكر سلوانه عند الشدائد والمحن، وأي محن؟

لقد كانت حياة الرجل الدعوية كلها ابتلاء في سبيل الله وكلها صبر واحتساب، وسلوته في ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (آل عمران:200). لقد كان رجلا من أهل الآخرة، حتى وهو يعرض نظريته في التغيير السياسي أو التنمية الاقتصادية أو في تقييم الوضع السياسي أو التنظير الفكري لا يكاد يخلو كلامه من تذكير بالله وبلقاء الله، فكان ذلك هو الناظم الأساس لمشروعه الفكري والدعوي. وبرحيله اليوم افتقد العالم كله رجلا من عصر الصحابة يشع بنور الإيمان ويفيض بمعاني التقوى والزهد والورع.

لقد ظل الإمام المجدد عبد السلام ياسين ينادي منذ أكثر من أربعين عاما بالعودة إلى الله ذكرا وتفكرا وتمثلا، فكتب عن الإحسان والطريق إلى معرفة الله في عصر المادية الجوفاء والدوابية العمياء التي أفرغت الإنسان من أي معنى، وأبعدته عن الحقيقة الكبرى بل أم الحقائق وهي معرفة الله سبحانه، بل إنه كان يعدها أول حق من حقوق الإنسان التي يجب تمكينه منها، ولعل وضوح منهج الرجل في شَقه لطريق لاحب لا التواء فيه تأسيا بالأنبياء والأصحاب الذين لم يفرقوا بين الزهد في الدنيا والتطلع إلى الآخرة والسعي لعمارة الأرض ومدافعة الباطل ونصرة المظلومين، هذا ما جعل الرجل يواجه خصوما من شتى الاتجاهات والنِّحل، فلا تسل كيف كانت المواجهة وكيف كان النزال، لقد سخروا في حربهم لإطفاء جذوته وإحباط همته والتشويش على مشروعه كل وسائل النزال القذرة فوظفوا السبحة والمنجل، وجاؤوا بـ”أكحلهم وأصفرهم”، واستعانوا من الوسائل ما يخجل منها الشيطان؛ فأطلقوا الإشاعات، وقذفوا الأعراض الطاهرة المحصنة، وبثوا الأكاذيب والأراجيف، فكفروه وبدَّعوه وضلَّلوه وشيَّعوه وصوفوه وخونوه، وقالوا فيه ما لم يقل في إنسان قط، فكان الإمام صابرا محتسبا مرتبطا بالله معتقدا أن من كان على نور من ربه، فالأجدر بذلك النور أن يحرق تلك الفوانيس التي تحوم حوله، ممثلا قوله صلى الله عليه وسلم: “واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك” 1.

طالع أيضا  احتجاجات في عدد من المدن رفضا لـ"جواز التلقيح".. وقوات الأمن تمنع وتقمع

لقد ترك الملأ يأتمرون في دار الندوة وفيهم أبو جهل وأبو لهب ومعهم حيي بن أخطب وعبد الله بن أبي بن سلول، وانهمك في طريقه اللاحب متقلبا بين محرابه ومحبرته. وبين دموع الليل التي تجود بها مقلته الشريفة، ومداده الذي ينسكب مدرارا على أوراقه وبين مجالسه التي يوجه ويرشد منها تلاميذه، كان الرجل يصنع تاريخا لن ينتهي بموته ورحيله، إنه يؤلف الرجال بخط متواز مع تأليف الكتب، حتى إذا انطمر أحدهما مع تعاقب الأحقاب وتقلب الدهر، كان الآخر شاهدا على رجل أحيى هدي الصحابة والصالحين في بني عصره.

 وهو مع هذا وذاك كان منصرفا إلى آخرته يدعو لخصومه وكل من آذاه بالهداية والمغفرة والرحمة، غير آبه ولا مكترث لغير الطريق التي اختار، فكان الله وجهته، والحق بغيته، ولقد حضرت عددا من زياراته، والله ما رأيته مرة إلا وازددت يقينا أن الرجل من كبار الأولياء والعارفين والعلماء المجددين، وما نظرت إلى وجهه إلا ازددت إيمانا أن وجهه ليس بوجه كذاب، وأنه إحدى تجليات العناية الربانية في هذا الزمان ولا أزكي على الله أحدا، وهو مع ذلك في تواضعه وذلته للمؤمنين والمستضعفين شديد قوي البأس على الطغاة المتجبرين، يوجه لهم النصح والقول البليغ ولا يداهنهم ولا يسكت على ظلمهم وفجورهم واستبدادهم واغتصابهم لأمر المسلمين يتوارثونه كما يتوارثون المال والمتاع، ورغم حبه الشديد لأهل القرآن والعلماء وأصحاب العلم الشرعي، لكن ذلك لم يعفه من توجيه نصحه إليهم بالكف عن تزكية الباطل فوق منبر رسول الله وعن مبايعة الصبيان في الخرق، فلله دره من طود شامخ.

لقد حاصرت دولة الاستبداد الإمام المجدد عبد السلام ياسين بكل وسائل الحصار الممكنة، وعملت على منع التواصل معه لعقود طويلة عبر السجن خلال عقدي السبعينيات والثمانينات، ثم عبر الإقامة الجبرية خلال عقد التسعينيات، وحتى بعد إطلاق سراحه ظل الرجل مراقبا تحصى أنفاسه، وتلاحقه جحافل الأمن حيثما حل وارتحل، وتضمر الشر والأذى لآل بيته لاسيما كريمته ندية، وها هو اليوم قد لقي ربه غير مبدل ولا مغير، وقد اعتنق مشروعَه ما لا يحصى من الخلق، فما أنتم صانعون يا طغمة الباطل؟ وها هو فكره بحمد الله يملأ الآفاق، وقضيته تحولت إلى قضية أمة، أمة تكافح من أجل استعادة كبريائها الذي عفرته سياسات ملوك العض والجبر في وحل الإذلال والمهانة، هل تراكم ستطفئون ذلك النور الذي يتلألأ في الأفق نور الإيمان والإحسان؟ أم تراكم قادرين على إيقاف أمر الله الكوني الذي عبرت عنه بشارة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بانبلاج شمس الخلافة على منهاج النبوة التي لاح نورها في الأفق.

طالع أيضا  د. المسئول: الاجتهاد في الدعاء مما يستحب في ليلة النصف من شعبان

فليرحمك الله يا أيها الإمام المجدد الذي أحييت فينا هدي الصحابة رضي الله عنهم، وعزاؤنا في فقدانك لن يهونه إلا يقيننا أنك ممن كان يرجو لقاء ربه وعمل عملا صالحا، ولئن مت سيدي فأنت ستظل القدوة والنبراس لكل الأجيال اللاحقة، لقد نصحت فأسديت النصح، وعلمت فكنت نعم المعلم والمربي، وذكرت فنعم المذكر، وصدعت بالحق، فحق للأجيال أن تفخر بك أنت سيدنا ومفخرتنا، وإلى لقاء قريب في دار الكرامة عند مليك مقتدر، فسلام عليك يا سيدي يا عبد السلام وأنت في دار السلام، في ضيافة الرحيم الرحمن.

وسلام على كل قائم لله متى ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا.


[1] رواه الترمذي، (2516)، وأحمد (1/293) (2669)، والحاكم (3/624). قال الترمذي: صحيح.