بقلم: عز الدين ناصح

انخرطت بفضل من الله وتوفيق منه في طريق الدعوة إلى الله منذ 35 سنة، وعرفت في هذا المشوار لحظات سعادة وأوقات سراء، كان من أحلاها وأعذبها… تلك التي تعرفت فيها على رجال ونساء فضلاء شرفاء ذوي مروءة وأخلاق، فمنهم من سكن قلبي وأصبح جزء لا يتجزأ من كياني، ربطتني بهم محبة في الله ومشروع تغيير ونهضة، ومنهم من جمعتني بهم قضايا إنسانية حقوقية ومواقف نضالية، مروا في حياتي وتركوا خلفهم ذكرى جميلة وبصمة لا يذبل صنيعها اللطيف العميق.
وقد كانت لحظات اللقاء بأعضاء “قافلة التضامن مع أصحاب البيوت المشمعة” من تلك اللحظات الرائعة ببعدها التضامني العميق مع رجل شمع بيته بحي البساتين بطنجة، فحرم من حقه الطبيعي من الدخول إلى داره، فإن تحدث الناس عن فترات ظلم يعايشونه، فقد غدا الأمر في وضعي خبزا يوميا ألوكه بقلب يعتصره الألم.
لذلك كان قدوم القافلة من اللحظات الإنسانية النبيلة التي نقشت في الذاكرة نقشا رائعا لا ينمحي.
نظمت هذه القافلة “اللجنة الوطنية للتضامن مع أصحاب البيوت المشمعة”، وضمت خمسة وعشرين ممن ملأ عليهم حب الوطن كيانهم، وسكنت الغيرة على أهله قلوبهم ووجدانهم، وكرسوا حياتهم للدفاع عن حقوقهم، وأبلوا في ذلك مشكورين البلاء الحسن؛ مروءة وفضلا لا يعرف حقيقتهما إلا أولي الفضل…
وكان على رأس القافلة الأستاذ الجليل والحقوقي الشريف عبد الرزاق بوغنبور منسق اللجنة، وشارك فيها الأساتذة والأستاذات أبو الشتاء مساعف، وخديجة الرياضي، وعبد الاله بنعبد السلام، والسعدية الولوس، والمعطي منجب، وأحمد ويحمان، وربيعة البوزيدي، ومحمد الزهاري، وأمينة خالد، وخالد البكاري، ومريم العسل، وحكيمة العلوي، وقنديل ميلود، ومحمد الوافي، وعبد الرحيم عيطونة، ونور الدين الرياضي، وأبوبكر الونخازي، ومحمد دامو، ومحمد الدليمي، ويونس بركاوي، وعبد الحق العزيزي، والحسن السني، ومراد العواج…
كان بودي أن أستقبلهم في بيتي بما عرف عن المغاربة الأصلاء بحقوق الضيف، لكن الحواجز الحديدية المحيطة به، وأنواع رجال البوليس التي تلقي ظلالا من الترهيب في نفوس الزائرين… كل ذلك كان أبلغ لسان في النيابة عن تقديمي اعتذاري لهم.
تظل كلمات الأستاذ أبو الشتاء مساعف، والأستاذ عبد الرزاق، والأستاذة الرياضي، والدكتور البكاري، عالقة في ذهني، وهي تندد بالمنع، والتشميع، والتضييق… كلمات تخرق أغشية البؤس، وتشق عتمة الظلام لتتسرب عبرها أشعة نور وبريق أمل … كلمات صارخة صادعة ارتجت من قوتها الأرجاء واهتزت بصدقيتها الأسماع.
ليس هناك أبلغ على قلب الإنسان أن يسدي له شخص يجهله معروفا جسيما، وكذلك كان الحال مع أهل الشهامة هؤلاء، فليس لي بهم سابقة معرفة عن قرب، لكني أكبرت موقفهم وهم يستجيبون لنداء مظلومية إنسان، فتركوا مشاغلهم، وقطعوا المسافات، وتكبدوا عناء السفر، تعبيرا عن تضامنهم، وغيرة على أبناء شعب مستضعف أنهكته قيود الجور و”الحكرة”…
إنهم طينة من الرجال والنساء الذين قضوا زهرة عمرهم في النضال، وأدوا الثمن: اعتقالا، وتشريدا، وتعرضا لأنواع المكائد والتشهير… ولم يثنهم ذلك عن التمسك بمبادئهم، وما زلت أقدماهم ثابتة على الطريق… وقد كان بإمكان الكثير منهم أن يبيع “الطَّرْح” ويستجيب لنداء الترف، ونزوعات التنعم، ويتقلب في بحبوحة من العيش وتصبح له “مكانة”، وتأتيه الدنيا راغمة هينة لينة فيتقلب في ترفها ونعيمها ورغدها…، ولكنهم أبوا أن يبيعوا مبادئهم وتنمسخ ضمائرهم… وإن لم يدرك الواحد منهم من العيش إلا صبابة وضيقا، فقد أدرك ما لن يذوق طعمه ولن يشم رائحته من باع وتخلى ورضي بالذل والمهانة فانخلعت عنه أصالته وذهب سمعه وبصره وبصيرته وضميره، أدرك صدقا مع نفسه وسعادة وطمأنينة لا تنال بالأموال ولا تكتسب بالجاه والمناصب… فكانوا للكرامة عنوانا.
فالحمد لله الذي حبا هذا الوطن بمثل هؤلاء الرجال والنساء ممن يبنون بتؤدة ورَيْثٍ ولكن بإصرار وتفان مستقبلا لهذه الأمة المغلوبة على أمرها، وما أجمل أن يلتقي أبناء الوطن الواحد على مائدة وبساط هَم الوطن وهَم شعبه، فطريق النضال والتغيير حبلى بالمفاجآت الجميلة والأحداث البهيجة التي تبعث على التفاؤل؛ فإنّ بعد العسر يسرا، والليل البهيم مهما طال سينجلي ويبزغ فجر الانعتاق والأمل.
ذ. عبد الرزاق، وذة. خديجة، ود. منجب، وذة. الولوس، وذ. ويحمان، وذة. أمينة، وذ. بنعبد السلام، وذة. مريم، ود. خالد، وذة. حكيمة، ود. الزهاري، وذة ربيعة، وذ. أبو الشتاء وذ. قنديل، وذ. دامو، وذ. أبوبكر، وذ. الوافي، وذ. عيطونة، وذ. نور الدين، وذ. الدليمي، وذ. بركاوي، وذ. العزيزي، وذ. السني، وذ. العواج… لكم مني أزكى السلام وأجزل الشكر وأصدق العرفان وأخلص الامتنان، لقد تعلمت منكم خلال السويعات التي قضيناها معا على أرض النضال الصادق درسا لن أنساه أبدا، فقد كان لحضوركم وكلماتكم وابتساماتكم ومواساتكم أبلغ الآثار وأقوى العبر وأسنى الرسائل.
وإن شاء الله نلتقي على مائدة الفرج والنصر، ويومئذ نفرح بنصر الله، وإنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

طالع أيضا  ذ. بارشي: لتغنم رمضان "أنظر إليه بصدق فقد يكون الأخير" (فيديو)