يتابع الداعية الأستاذ عبد الكريم العلمي حلقات سلسلة “سؤال في التزكية” مواصلا النظر، في هذه الحلقة،  في علاقة النصر بالتزكية، متطرقا فيها إلى ثلاث قضايا أضافها للقضايا السابقة، هي التعاقب بين النصر والهزيمة وسنة الله في ذلك، ومحبة العباد لما يريده الله لهم، ثم القدوة الماثلة التي يتلقى عنها الناس هذه المعاني.

وابتدأ عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان حديثه بالقول إن الرب سبحانه وتعالى يربي عباده بالخير والشر، وبالسراء والضراء، وبتعاقب الهزيمة والنصر، وهذا التعاقب بين الهزيمة والنصر الذي يربي به الله عز وجل عباده المؤمنين يكون وفق سنن نعلمها، بل علمنا الله عز وجل إياها، أو وفق أمور غيبية طواها الله عز وجل علينا ولا نعلمها، ولا يسأل سبحانه وتعالى عما يفعل، ولا يسأل سبحانه لماذا ولا بكيف ولا بغيرهما، وعاقبة كل ذلك خير في نهاية المطاف إن شاء الله، كما علمنا رسول الله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: “عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ“.

وأضاف أن هذا التعاقب بين النصر والهزيمة، وهذا التداول بين الناس، يعلمنا الله سبحانه وتعالى به عن بعض غاياته، كقوله عز وجل: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ. فهنا خمس غايات من هذا التداول بين الهزيمة والنصر. وليعلم الله الذين آمنوا: من المنافقين والمشككين والمتشككين ومرضى القلوب. ويتخذ منكم شهداء: وأعظم بهذه أن يتخذ الله سبحانه وتعالى من هؤلاء المؤمنين، سواء انتصروا أو انهزموا، منهم شهداء. والله لا يحب الظالمين: هذه حقيقة، حتى لو ظهر هؤلاء الظالمون على المؤمنين وانتصروا عليهم، فالله سبحانه وتعالى لا يحبهم، وفي المقابل يحب من يحب المؤمنين، منتصرين أو منهزمين. وليمحص الله الذين آمنوا: بالمعاني الثلاث: ليختبرهم، ليطهرهم، ليخلصهم. وفي نهاية المطاف ويمحق الكافرين: هذا هو نهاية الأمر ليستأصل الكافرين.

طالع أيضا  احتجاجات الفنيدق.. نداء استغاثة فهل من مجيب؟

وأكد بعد ذلك أنه انطلاقا من كل هذا لا يمكن لأي أحد، فردا كان أو جماعة أو أمة، أن يتألى على الله سبحانه وتعالى ليستثنيه من سنة البلاء. وهذا يقودنا إلى القضية الثانية، وهي مهمة جدا، إن المؤمنين والمؤمنات يجب أن يكون ما يحبه الله عز وجل لهم، وما يقدمه ويسبقه أعظم في قلوبهم مما تحبه أنفسهم، ويكون قربه وحبه أعظم في هذه القلوب من نصره عز وجل.

وتابع المتحدث بأنه سبحانه وتعالى علّمنا كيف أن المؤمنين الربانيين، المواجهين لأعدائهم، كيف يدعون الله سبحانه وتعالى، وكيف يقدمون هذا الأمر العظيم، قرب الله سبحانه وتعالى عن طريق الاستغفار، وعن طريق التوبة الموصلة إلى محبته وإلى قربه، كيف يسبقون ذلك همّا وتهمما وطلبا، عن الظهور والانتصار على الأعداء. وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. وهذا المعنى يتردد كثيراً في كتاب الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى أطلع عباده المؤمنين على جزاءي المجاهدين في سبيله بأموالهم وأنفسهم، جزاء أخروي وهو الأرقى والأبقى والأولى، وجزاء دنيوي وهو في المرتبة الأخرى التي تحبها النفوس. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وبعدها وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ.

وأضح رئيس مجلس شورى الجماعة بأن الله سبحانه وتعالى ضرب لنا مثلاً عظيما، من دعاء مبارك عظيم، لامرأة مباركة عظيمة كاملة، هي السيدة آسية امرأة فرعون، على سيدتنا آسية السلام، فهي من الكاملات كما أخبرنا الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح، وهي من خير النساء ومن أفضل النساء كما ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. فآسية هذه رضي الله عنها تلقت وتحملت المشاق والأهوال المذهلة من زوجها فرعون، وماتت تحت التعذيب شهيدة محتسبة، قالت في دعائها الذي ضرب الله به هذا المثل: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.

طالع أيضا  في الجلسة الثالثة.. خبراء وباحثون يقاربون مفهوم التنمية بالمغرب في ضوء التجارب المقارنة

ولنتدبر قليلا هذا الدعاء المبارك، يضيف، ربي ابن لي عندك بيتا في الجنة: عندك قبل الجنة، عندك قرب، حب، شوق، في الجنة مكان هذا القرب ومكان اللقاء ومكان النظر إلى وجه الحبيب القريب سبحانه وتعالى. ثم بعد ذلك قالت ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين وحتى في هذا تقديم وتسبيق، فقالت نجني من فرعون وعمله، من شركه ومن بغيه ومن فتنته التي قد تصرفني عنك، وتبعدني عنك، ثم نجني من القوم الظالمين. لماذا كل هذا؟ لأن أرباب القلوب وذوي القلوب الطاهرة والأنفس المزكاة المحسنة، هؤلاء يرون ويريهم الله عز وجل هذه الدنيا على حقيقتها، وترى أرواحهم العالية حقيقة الآخرة وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.

وواصل: لنرى هذا التقابل البديع بين الحيوان في هذه الآية، والحيوان هي الحياة الكاملة الحياة الحقيقية، وبين كلمة أحياء في مثل قول الله عز وجل: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فهؤلاء الأحياء، هؤلاء الشهداء العظام، عندما يرون ما أعد الله عز وجل لهم وما رزقهم في تلك الحياة الحقيقية الكاملة، تكون أمنيتهم أن يعودوا إلى الدنيا ليستشهدوا في سبيل الله مرة بعد مرة.

هذه المعاني العظيمة لا يمكن أن تأتي هكذا عفوا، وهذه القضية الثالثة في حلقتنا. هذه المعاني لا تأتي إلا من القدوة الماثلة، من نبي مرسل، أو ولي صالح مربّ مجاهد، أو عالم عامل مُصلح، من أمثال هؤلاء العظام تتشرب هذه المعاني.