أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الباحث في قضايا التربية والتعليم الأستاذ سعيد مولاي التاج، حول مستجدات قرار وزارة التربية الوطنية الأخير وما أحدثه وأثاره من ضجة وردود فعل واسعة، هذا نصه:

الأستاذ مولاي التاج باعتباركم باحثا في الشأن التربوي كيف تعلقون على إعلان وزارة التربية الوطنية بشأن مستجدات التوظيفات الجديدة لأطر الأكاديميات؟

أولا: دعني أسجل أن هذا القرار هو تهريب لنقاش مجتمعي أكبر وقفز على ملف التعاقد، القنبلة الموقوتة، التي تهدد التعليم بالشلل التام في أي لحظة مادامت الحكومة لم تحسم فيه بعد بقرار نهائي، لاسيما وأن مجموعة من الوزراء والأحزاب قدموا وعودا قوية بمراجعة هذا الملف أثناء حملاتهم الانتخابية في شتنبر. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لأن وتيرة الاحتجاج تتزايد والأساتذة المتعاقدون ما يزالون يصرون على حقهم المشروع في الإدماج بالوظيفة العمومية، والمسيرتان الأخيرتان الحاشدتان رسالة لمن يهمه الأمر.

ثانيا: هذه الشروط الجديدة كانت غامضة حتى في توضيح الوزارة، وكذا في مذكرة الإعلان عن المباراة، وغير منطقية في مبرراتها وتعليلاتها.

ثالثا: هذه المذكرة وما أثارته من موجة تعليقات ورفض واسعة مجتمعيا، خاصة من رجال ونساء التعليم وعموم الطلبة والفاعلين التربويين والنقابيين وحتى السياسيين، يكشف عن غياب روح التدبير التشاركي لدى الوزارة وسيادة أسلوب الانفراد في تدبير ملف بهذه الحساسية، والذي كان من المفترض أن يتم فيه استشارة وإشراك بقية القطاعات الأخرى المكلفة بتدبير الإدارة والهيئات النقابية وحتى ممثلي المتعاقدين وجمعيات المعطلين….

هذا تعليقك على قرار الوزارة في عمومياته، لكن كيف تقيم المستجدات المعلن عنها، ونبدأ بالنقطة الأولى مسألة تحديد السن في الثلاثين؟

فعلا القرار يثير إشكالات قانونية ودستورية في مدى ملاءمة هذه الشروط النظامية لقانون الوظيفة العمومية المغربي ولروح الدستور والتزامات المغرب الدولية، وأيضا يثير إشكالات تربوية واقعية.

طالع أيضا  هؤلاء لا يحبّهم الله عزّ وجلّ | الإمام عبد السلام ياسين (فيديو)

فشرط ثلاثين سنة مثلا والذي تبرره الوزارة بأمرين، حسب مسؤولين مركزيين هما السيدين الزرهوني وبلقاسمي، أولهما تشبيب القطاع الذي اكتشفت الوزارة هكذا فجأة وبقدرة قادر أنه شاخ، وكأن سياسات الارتجال في التوظيف المتعاقبة التي انتهجتها لم تكن هي السبب، وثانيهما هو ضعف المستوى العلمي أو تآكل المؤهل المحصل عليه بسبب تطاول المدة وبعد الفترة الزمنية بين التكوين الجامعي وممارسة العمل الذي قد يتجاوز العقدين، وهنا نسأل ما دور الانتقاء والامتحان وسنتين، الموعود بها، من التكوين؟

ثم هذا المنطق ألا يعتبر تمييزيا لأنه لا يشكل شرطا في باقي القطاعات ويعتبره البعض خرقا للمرسوم 2.02.349 إلا إذا كانت الوزارة لا تعتبرهم موظفين؟ وهذا نقاش قانوني آخر، ثم هذا الشرط ألا يحرم آلاف العاطلين من فرصة العمل في قطاع يعتبر أول مشغل في المغرب؟ ثم ألم يطرح السن إشكالات سابقة حين كنا نجد أساتذة وأستاذات متقاربين في السن مع تلاميذهم؟

أعتقد شخصيا أن المبرر الوحيد الذي سيكون منطقيا ومقبولا، هو احتمال أن الحكومة والوزارة تفكر في إدماجهم في الوظيفة العمومية بعد مراجعة سياستها في القطاع، خاصة بعد انخفاض كتلة الأجور نتيجة توقيف التوظيف لسنوات ولارتفاع معدلات المستفيدين من التقاعد بنوعيه الكامل والنسبي، أو أن هذه إملاءات صناديق التقاعد لتدارك العجز الذي تعاني منه، عن طريق توسيع القاعدة النشطة ولمدة 35 سنة مستقبلا.

أيضا مسألة فسخ عقد الشغل اعتبرها البعض شرطا تعجيزيا؟

هذا شرط غير مفهوم، فالمفهوم والمنطقي أنّ أيّ عامل أو مستخدم أو موظف لا ينهي تعاقده مع مشغله السابق حتى يتأكد تأكدا تاما من حصوله على المنصب الجديد ويضمن ذلك، أما أن يقوم بفسخ عقده بمجرد الترشح فهذا هو العبث، تصور معي أستاذا ينهي علاقته بمؤسسة تشغله ويفسخ العقد بمجرد الترشح وبعد اجتياز الانتقاء أو المباراة لم يقبل ماذا نكون فعلنا أضفنا عاطلا إلى الطوابير المنتظرة، فهو خسر منصب عمل ولم يحصل على وظيفة، أي منطق هذا وأي عبث من حكومة صدعت رؤوسنا بأولوية توفير مناصب الشغل!

طالع أيضا  الهيئة الحقوقية للعدل والإحسان تستنكر تقييد الحقوق والحريات بجواز التلقيح.. وتطالب بإلغاء قرار اعتماده

هناك احتمال أن يكون قرار الوزارة هو خضوع لاشتراطات لوبيات التعليم الخصوصي -لوبي هنا بالمعنى الإيجابي بالطبع- وحتى في هذه الحالة أرى أنه من حق قطاع التعليم الخصوصي حفظ مصالحه، ولكن ليس بهذه الطريقة الفجة والمستفزة، فالحفاظ على اليد العاملة في التعليم الخصوصي يكون بتوفير ظروف العمل الملائمة وحفظ الحقوق المالية والمعنوية بتعاقدات واضحة وملزمة، والتوافق مع الوزارة على برمجة تواريخ مناسبة لإجراء المباريات بشكل لا يؤثر على الموسم الدراسي والبنية التربوية داخل المدارس الخاصة.

وحتى إذا سلمنا بهذا الشرط، فكان على الوزارة بالمقابل أن تأخذ بعين الاعتبار أن المشتغلين في قطاع التعليم الخصوصي راكموا تجربة مهمة، فلابد أن يستفيد الذين يتوفرون منهم على أقدمية -5 سنوات مثلا- في التعليم الخصوصي من تمييز ايجابي كحاملي إجازات مهن التربية لأن الخبرة والتجربة متوفرة .

وماذا عن رسالة التحفيز وشرط انتقاء أعلى المعدلات في البكالوريا والإجازة؟

هذان شرطان عاديان في أي مباراة، فبالنسبة للرسالة التحفيزية هي إجراء شكلي ولن تكون هي المعبر عن إرادة ورغبة المترشح الحقيقية بكل تأكيد، وهي غير ملزمة للطرفين ولا تشكل ضمانا حقيقيا على أن المترشح يفضل التعليم عن غيره، وبالتالي فوجودها مثل عدمها، وسنجدها كلها متشابهة ومستنسخة. أما أن تستهدف الوزارة أحسن الكفاءات من خلال المعدلات فهذا معيار من ضمن معايير الجودة في الانتقاء، وهو معيار مهم ولكن الأهم هو هل طرحت الوزارة على نفسها سؤال كيف يصير التعليم مستقطبا لأهم المهارات والكفاءات؟ وكيف يصير التعليم قطاعا جذابا وجاذبا وليس مفرا وملجأ للشباب من حر البطالة وقر العطالة ومقبرة للكفاءات والمهارات فيما بعد؟ هل سألت الوزارة نفسها: إذا قبل المترشح في قطاعين أو أكثر هل سيفضل التعليم أم غيره؟

طالع أيضا  من كلام الإمام عبد السلام ياسين.. نصوص وتجليات (من أسرار لا إله إلا الله)

يتفق الفاعلون على أن من أهم المداخل لإصلاح التعليم مدخل تأهيل رجال ونساء التعليم وعموم العاملين في القطاع عن طريق انتقاء جيد واستقطاب أعلى الكفاءات والحفاظ عليها وعلى مستواها، عن طريق التكوين المستمر والرصين والمعمق، وأيضا عن طريق رفع الحوافز المادية والمعنوية وفتح المسارات للترقي والارتقاء الاداري والتربوي والمادي كالرفع من الأجور وتسريع الترقي وتبسيط مساطر الانتقال بين الأسلاك والأطر بناء على الكفاءة والمردودية.

أعتقد أن ورش التعليم هو ورش كبير ينبغي أن تتظافر كل الجهود على إصلاحه وفق رؤية واضحة وتشاركية وبإرادة شمولية، ولابد للوزير من الدعوة إلى “مناظرة وطنية لإصلاح التعليم” تشارك فيها الخبرات والكفاءات التربوية والإدارية وباقي الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين وهيئات المجتمع، لإنقاذ التعليم الوطني الذي هو المراهن عليه لتحقيق الرفاه الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي والسياسي..