أمام ما يحدثه الله عز وجل في كونه مما لم يكن دائرا في الحسبان أو ماثلا على البال، تفرض الرسالة الدعوية التي طوقت بها الأمة تجديد الفهم بصدد كثير من التحديات التي يفرضها واقع الحركة المتغيرة حتى لا تضيع البوصلة، وتنضب الجهود فإذا الأعمال تائهة والبركة مرتفعة، لما تشوشت النية زاعمة نصرة دين الله ودعوته وإنما هي إرادة الدنيا غالبة والتشوف للرئاسات منتصبة. تقف الفقرات أدناه عند بعض المعالم الأساسية الموجهة لحركة جند الدعوة وما تفرضه من يقظة قلبية، وحكمة عقلية، وفعل وحضور وشهادة بالقسط كما يقدمها الإمام عبد السلام ياسين عسانا نكتشف فيها بعضا من معالم أولويات المرحلة التي تحياها الأمة المسلمة اليوم.

 ولعله يكون مفيدا لو أشرنا إلى أن الجندية مفهوم مؤصل في اللغة العربية والقرآن الكريم والحديث الشريف، فإنا نجد في لسان العرب أن الجند الأعوان والأنصار، والجمع أجناد، وجُنُود. ويقال للعسكر الجند اعتبارا بالغلظة، من الجند، أي: الأرض الغليظة التي فيها حجارة. ونجد في القرآن قوله تعالى: وإن جندنا لهم الغالبون الصافات/173، وكذا نقرأ: إنهم جند مغرقون الدخان/24، وكذا وما يعلم جنود ربك إلا هو المدثر/31، وأيضا: اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها الأحزاب/9، فالجنود الأولى من الكفار، والجنود الثانية التي لم تروها الملائكة. وفي الحديث النبوي نسرد: (الأرواح جنود مجندة) (الحديث صحيح، أخرجه البخاري في الأنبياء: باب الأرواح جنود مجندة، ومسلم في البر والصلة برقم (2638).

العمل الإسلامي ودلالة الجندية:
 يقتضي العمل الإسلامي مما يقتضيه التصدي لواجهة الشأن العام، وهي واجهة من واجهات دعوة الناس إلى عبادة الله، وجانبا من جوانب السعي إلى إخراج العباد من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا عدلا وفضلا، وسعة الآخرة جزاء ونعيما. وتقتضي هذا الواجهة أن يقف المتصدون لها دائما وأبدا على أرضية صلبة هي أرضية الجندية المتحزبة لله ولرسوله وللمومنين. وإن دون هذا لعقبات متعددة لما جبلت عليه النفس البشرية من حب الدنيا وكراهية الموت، وحب القعود واستمراء الإثقال إلى الأرض، والجبن عن الجهاد بمعناه النبوي الشامل والقيام بأعبائه.

طالع أيضا  التربية النبوية على رعاية مصالح الأمة

إن مفهوم “الالتزام” مع المؤمنين والمؤمنات لا يأخذ المعنى الدارج المتداول عند السياسيين؛ إذ إن تصور الإمام عبد السلام ياسين القائم على المعنى القرآني النبوي للعبادة يجعل حركات المؤمن وسكناته موجهة نحو الوجهة العليا وجهة القربى والزلفى إلى الله، فيسلك إذاك الفعل السياسي في العمل التربوي ليكون وحدة منتظمة مقبلة موجهة وجهة واحدة محققة لمعنى الصف المتراص، يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين موضحا هذا المعنى في فقرة “عقبات” في المنهاج النبوي “الالتزام الإسلامي الإيماني الإحساني ليس كالالتزام السياسي. فهذا لا يحتاج إلا لتربية الفكر. أما الدخول مع المؤمنين فيريد اندماجا عاطفيا وفكريا وحركيا في جسم الجماعة، اندماجا لا ينقطع بانتهاء الحياة الدنيا بل يمتد إلى الحياة الأبدية. مصير الإنسان الأخروي بعد أن يسلم وينضم للجماعة مرتبط بمصير الجهاد الجماعي. فمن اقتحم كل العقبات التي تحول بينه وبين نصر الله تعالى بالمال والنفس كان من أصحاب الميمنة واستحق جزاء المجاهدين.”

يترتب عن هذا الفهم أن على المؤمن في جماعة المومنين أن يعي تمام الوعي أن … تتمة المقال على موقع ياسين نت.