بقلم: صلاح الدين المساوي

كنت أعشق أنفاسها العطرة وكلماتها العذبة حينما تضمني إلى صدرها الرحب، وتهمس في أذني؛ “الله يرضى عليك أصلاح إنو”، فتمنحني هذه الكلمات سعادة في القلب، وانتعاشا في الذات، وأشعر كأني ولدت من جديد؛ فلا تعب ولا صخب يكدر صفوة العيش.

… وبينما أنا طالب بالجامعة، مشغول بالتحصيل العلمي، والنضال النقابي في معمعان الساحة الطلابية؛ كنت دائما أحلم بالعودة إلى حضن أمي، ودفئها لأتذوق كلماتها الحلوة، ولأجد في ضحكاتها البريئة جبرا لكسور نفسي، وراحة من مياومة الأحداث، فكنت أجتهد كلما عدت إلى البيت، لأَنْ أحمل معي هدايا بسيطة جدا، ولكنها لها دلالة عظيمة، ورمزية فائقة، في إدخال السرور على الوالدة الحبيبة، وكسب رضاها اللامتناهي. فلا تحقرن من المعروف شيئا، فلعل هدية الحلوى والشكلاطة مثلا، قد تكسب بها الرضا مسيرة كذا وكذا.

كما أنني لا أنس جل الأوقات التي كنت أقضيها معها -بعد عودتي من الجامعة- في المذاكرة والدعابة والبسط وسرد حكايات وقصص تعليمية وأخرى فكاهية، وما يترك ذلك من أثر عظيم على نفسية أمي رحمها الله رحمة واسعة، وكنت أرى ذلك على صفحة وجهها الممتلئة نورا وبشرا. وأما أنا فكنت أشعر كأني أرتع في جنة عرضها السماوات والأرض!!

حقا إنها جنة الأم من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة!!!

اليوم السعيد في حياة أمي…

كان ذلك اليوم هو يوم الجمعة العظيم، حيث تظهر فيه أمي بزي أبيض ناصع يمتزج بالأنوار الساطعة من وجهها الشريف، فترسم في مخيلتي لوحة عروس زينتها ملائكة النور والإيمان لتستقبلها جنة العدنان. وكان مما يزيدها نورا وبهاء ذكرها “لا إله إلا الله” بصيغة حانية رقيقة، وملفتة لكل قلب غافل عن الله، فترى كل من يسمعها في البيت يأتيها وينصت في جو مهيب، الكل خاضع وساكن، ويردد ذكر الله في خشوع تام:

طالع أيضا  ذ. مشعل: القدس عاصمة سياسية ودينية وروحية وتاريخية وحضارية.. ولا يمكننا التفريط بها

لا إله إلا الله، لا إله إلا الله.

لا إله إلا الله، محمد رسول الله…

نْهَارَا ذَالجَّمْعَة، الجَّمْعَة إحِيبِّيتْ الله

إحِبِّييتْ مُحَمَّدْ نبي رسول الله

(صلى الله عليه وسلم).

أَيَا سْيَادِي ذَكْرُوا الله، أيا سيادي ذكروا الله…

هذا ما بقي من أهازيجها عالقا بذهني وكأني سمعته هذا الصباح، بينما صوت أمي رحل معها منذ أكثر من ستة عشر عاما.

ويا لها من فرحة تغمرها عند عودتي من صلاة الجمعة، تستقبلني عند الباب لتضمني إليها، فأقبل رأسها وجبينها وأحيانا قدميها الشريفتين، ثم تسألني عن فحوى خطبة اليوم، فلا أملك إلا أن أترجم لها كل ما أتذكره باللهجة الريفية، فتراني كلما زدت سردا وشرحا وتبليغا، إلا وزادت انشراحا وفرحا بما تسمع، وبعد هذا تقبض على يدي لتزف إلي بشرى رضاها علي “يا ولدي بهذه المجالسة وصحبتك لي فزت وربي الكعبة، فكم مرة أجد نفسي أستيقظ من الليل و لساني يلهج بـ”الله يرضى عليك أصلاح إنو، الله يرضى عليك أصلاح إينو…”.

رحمك الله يا أمي فأنت النور الذي لا ينطفئ، فالصلة بيننا ممتدة ولن تحبسها عنا برازخ الموت.

وإلى لقاء قريب مع سيد الخلق نبينا الحبيب.

ليلة الجمعة 7 صفر 1443/ 12 نونبر 2021.