الرحمة: معاني ودلالات

يستعمل اللسان العربي كلمة الرحمة للدلالة على معان متعددة منها الرقة والتعطف، ومنها الرَّحِم التي تشير إلى علاقات القرابة، وقد يتوسع في معناها فتطلق على كل شيء تقع به الرحمة وتحدث كإيرادها في مواضع الحديث عن الرزق والغيث، ويمكن أن تحمل دلالات الإحسان والعطف والتكرم على الفقراء والمساكين، ومن دلالاتها  كذلك الرقة التي تكون سببا لفعل الخير وعمل المعروف، وقد يكون من معانيها العفو والرأفة في حق الناس وغير ذلك من المعاني المعجمية التي تشترك كلها في التأكيد على هذ الشعور النفسي القلبي الذي يكون باعثا على التعامل الخير مع الذات ومع الآخرين ومع الغير بما يضمن سكون العلاقات وتأسيسها على التواصل والتواد والتعارف والتآلف.

 لقد جاءت الرحمة بمعان متعددة أيضا في القرآن الكريم في سياقات ورود مختلفة؛ فالله عز وجل هو الرحمن الرحيم، وهو  الواسع الرحمة، وهو الغني ذو الرحمة، وهو الذي يختص برحمته من يشاء، وهو المؤتي نبيه الرحمة أي النبوة والرسالة، وهو الذي يرسل الغيث والمطر رحمة للناس أجمعين، وهو المالك لخزائن الرحمة أي لخزائن النعم والرزق، وهو الفاتح للناس من الرحمات، وهو المريد بعبادة الرحمة أي النصر والخير وحسن العاقبة والعافية، وهو الذي كتب على نفسه الرحمة أي العفو والمغفرة، وهو الداعي إلى عدم القنوط واليأس من رحمته أي من عفوه وجميل مغفرته. والرحمة أيضا في القرآن مودة ورأفة وتعاطف جعلها الله في قلوب من اتبع رسوله بحق وصدق، وهي العاطفة الجامعة بين صحابة رسول الله كما في سورة الفتح محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، وهي الثواب القريب ممن عمل حسنا وكان من المحسنين كما في سورة الأعراف إن رحمت الله قريب من المحسنين.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الرحمة المهداة والنعمة المسداة للعالمين، فهو الرؤوف الرحيم الموسوم بذلك في قوله تعالى في سورة آل عمران فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ، وهو الرحمة ذاتها ورسالته الرحمة إلى العالمين كما في سورة الأنبياء وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، ودينه الرحمة وسلوكه الرحمة وسيرته ناطقة بمواقف الرحمة.

طالع أيضا  مجلس نصيحة يقارب موضوع المشترك الإنساني من منظور تربوي في الذكرى الثامنة لرحيل الإمام

 صلة الرحم: أبعاد تربوية وتجليات عمرانية

 لعل استقصاء دلالات ومعاني الرحمة يمكننا ربما من التوسع في فهمنا لمعنى الرحمة في جانب النوع والتصنيف، ثم  في جانب الأبعاد والمآلات؛ فصلة الرحم أنواع، و أرى أنه يمكننا أن نتحدث إجمالا على ثلاثة معان كبرى تصنيفية للرحمة هي الرحم الإنسانية وما يتولد عنها من بعد الأخوة الوجودية؛ فالمتأمل لعجيب خلق الله يجد أن أول رحم وجب وصلها هي الرحم الإنسانية، فالرحمة صفة دالة على وحدة الخلق الإلهي، فالإنسانية أجمعها خلق واحد ورحم واحد إذ ننتسب جميعا إلى أبينا آدم وأمنا حواء عليهما الصلاة والسلام، وهو ما يعني أن الخطاب القرآني هو خطاب الرحمة إلى الإنسان بما هو إنسان، وأن الجوهر العميق للدعوة القرآنية هو خطاب يحمل سمات الرحمة والرفق والتهمم بمعنى الإنسان ومصيره. وإن إنسانا يعيش في عالمنا العولمي الحداثي عيش البؤس والتخدير لجدير أن تكون الرسالة الإلهية إليه رسالة رحمة تنقذه من الحضارة الهائجة المائجة المريضة المغيبة لسؤال المعنى والمصير. وسيكون من الغش للإنسان والظلم البين له وقطع صلة رحمه الإنسانية السكوت عن تناول مخاطبة الإنسان من جهة كينونته الوجودية القائمة على معنى العبودية والمخلوقية ومعنى الوجود الدائم للاستعداد للقاء الله الرحمن الرحيم، كما أنه من الظلم البين السكوت عن فعل الظالمين الذين لا يرحمون من في الأرض، ولا يرحمون خلق الله ولا يرحمون أرض الله ولا البيئة العامة التي يعيش فيها الناس.

تأتي الرحمة الدموية لتؤسس لعلاقة القرابة وآصرة الدم وما يتفرغ عنها من الأخوة المجتمعية، وما يدخل تحتها من علائق الوالدية وما يتصل بها من عمومة وخؤولة وغير ذلك، وترغيب الإسلام شرعة الرحمة في وصل رحم الدم مؤكد لا يحتاج إلى مزيد إيضاح بما حفز الدين الحنيف من كون هذه الصلة محققة للبسط في الرزق والنسيئة في العمر والبركة في الأثر، ومن كون قاطع الرحم لا يدخل الجنة ولا يشم ريحها، بل إن الرحم نفسها وهي معلقة بالعرش تدعو الله أن يصل من وصلها وأن يقطع من قطعها. وما هذا التحفيز وذاك الإنذار إلا دليلان على الدور العميق لصلة الرحم في تأسيس اللحمة الجامعة لبنية العلاقات الاجتماعية التي وجب أن تبدأ من النواة الصغرى التي هي الأسرة لتمتد بعد وتتسع لتشمل الدوائر الأخرى القريبة بما تشعه وسط القرابة العامة من معاني المحبة والتواد والمواساة والعطف والتعاون وسد الفاقة وتحقيق التضامن المادي والمعنوي، على نحو يمكن من شد أواصر الارتباط العائلي، ويحفظ من شرور التشتت الأسري والتمزق وسط القرابة الواحدة، وما ينجم عن ذلك من انهدام الروابط التي تجعل المجتمع نهبا لكل أخطار الانفكاك والتشرذم والانهزام والقابلية للتسلط الداخلي والخارجي.

طالع أيضا  ذ. حمداوي: الحِلم رُكنٌ أساسي من أركان أخلاق ديننا

 المعنى الثالث يقوم على صلة الرحم العقيدية وما يحصل عنها من الأخوة الإيمانية، والعقيدة آصرة الولاء المؤسس على وحدة الدين ووحدة الاعتقاد بوجود الله وألوهيته وربوبيته وتصرفه الحكيم في خلقه وملكه جل شأنه وعزت قدرته، وإذا فرضت الرحم الإنسانية وحدة الخلق، وأدت الرحم الدموية معنى وحدة الجماعة والمجتمع، فإن صلة الرحم العقيدية تؤدي معنى وحدة الوجهة ووحدة القصد ووحدة الطلب، وما يعنيه ذلك من التعالي على النزعات العرقية والقبلية، والارتباطات الطينية الترابية إلى أفق الاستمساك بمعاني الاستسلام اليقيني لمراد الله من العبد إيمانا وتعبدا وعملا نافعا وسعيا في الأرض بما يخدم المعاد والمعاش. ولعل هذا التمازج لصلة الرحم الإنسانية بصلة الرحم الدموية بما يمنحه لتلكم الصلة من سمة الأخوة السامية يحتاج إلى أن يتلبس بلبوس الإيمان بالله والاعتقاد في أسمائه الحسنى وصفاته العلى ليمتلك بعده الأخلاقي الذي يجعله ذا وجهة قاصدة، وذا معنى إيجابي فاعل في عالم الأشياء.

إن تلاحم الرابطة الطينية إنسانية كانت أم دموية والرابطة الأخلاقية تلاحما عميقا يكون منبعه السمو الروحي الناتج عن الإيمان بالله، لمما تحتاجه البشرية اليوم في عالمها الذي تجتاحه وصفات الرغبات المتأججة اللاهثة وراء الرفاهية والمتعة والاستهلاك، والتي إنما تقود في المنتهى إلى موارد الحيرة والعبث والانتحار. وإن مسؤولية الدعوة الإسلامية ومسؤولية الدعاة إلى الله لكبيرة في قيادة الإنسان وتوجيه الإنسانية إلى بر الأمان من حيرة الحداثة العابثة لما يحصل الوعي بأن الصلة الحقيقية للرحم، وأن المعنى الأخلاقي للتعايش وللتسامح ولتقاسم الفضاء العام إنما يكون لما يصدع الداعي إلى الله بإسماع الفطرة إلى الإنسان فطرة المخلوقية والعبودية وجدوى الحياة الدنيوية ومصير الموت وما بعد الموت، ثم بإسماع الرسالة القرآنية للعالم رسالة المحبة والرحمة والعدل والسلم والسلام في عالم العنف والبغض والكراهية والفساد في الأرض.

طالع أيضا  حياؤه وإغضاؤه صلى الله عليه وسلم

في التجلي العمراني لصلة الرحم يمكن القول: إن صلة الأرحام قاعدة نبوية عظيمة في التأسيس لمجتمع العمران الأخوي، نستقي ذلك من حديث جليل لرسول الله صلى الله عليه وسلم (رواه أحمد والترمذي والحاكم). قال فيه: “يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام”. وهو الحديث الذي يبرز أن المعنى الجماعي والمجتمعي لصلة الرحم يحصل من تناغم قيام منظومة السلم والسلام، وبناء اقتصاد الكفاية والقوة، والترقي في معارج الروحانيات الربانية، ليبني لنا تأسيسا لأرضية البنية التحتية لقيام مجتمع العمارة والعمران الذي ينبغي أن يوائم بين مفاهيم التحضر المادي ومعاني التراحم الأخوي، ليناقض مجتمع الجاهلية الجهلاء ومجتمع الفتنة العمياء.   

إن بناء تصور إسلامي إنساني أرحب وأعمق لمعنى صلة الرحم يقتضي التقدم بخطاب جامع يستحضر البعد الوجودي في وحدة الخلق الإنساني، والبعد الجماعي المجتمعي في وحدة الأنوية المكونة لبنى التجمعات البشرية، على أن تكون القوة المحركة لفاعلية الجمع ببين هاتين الوحدتين هي قوة البعد الأخلاقي ذي المرجعية الإيمانية بجدوى هذا الوجود، ومعنى تلكم الروابط البشرية، وذاك يقودنا إلى تجليات اسم الله الرحمن الرحيم على العالمين فهو سبحانه منبع كل رحمة وكفيض كل صلة، وإليه المرجع والمنتهى، هو نعم المولى ونعم المرتجى.