دخلت “نبل” بيت الزوجية وفي نيتها الإحسان في العلاقة وإكرام الأهل والولد وذوي القربى والجار، متحمسة إلى إتقان الأدوار التي لطالما علمتها أمّها الرؤوم، والتعامل بكرم سجية كما كانت وصية أبيها الحنون.

لبت نداء المحبة وحاولت قدر الإمكان الإتقان، آوت وأكرمت وأحسنت السلوك بتذمم وصدق ومثالية قل نظيرها، لولا أنها اصطدمت بحجرة الواقع الذي أسهم في إنتاجه الإعلام المستبيح والشارع البائس والهمم التي ما عادت بنفس العلو كما في الزمن الجميل. ينظر إليها البعض بعين الانبهار التي تخفي تساؤلات دفينة تفيد: “أما زال فوق وجه الأرض من يعيش بذات الرقي؟ أم أنها مسرحية محكومة الأدوار تلعبها عروس جديدة لتستولي على القلوب وتستحوذ على الجموع وتفرق الأحباب؟ كيف لا تكون مثل الأخريات اللاتي تمسكنّ ليتمكنّ؟ كيف لا تكون مثل عروس بني فلان من الجيران التي أبدت الجلال، وأخفت الجدال، إلى أن بسطت النفوذ وأخْلت الدّار والجوار، كأنها حليفة الشيطان، اتفقت معه على المصائد والمكائد، متلحفة العقوق وسيء العوائد، قاصدة شتات الشمل والفراق، قاصدة الإذلال بلا إشفاق. فإذا بدور العجزة مأوى للأبوين والإهمال نصيبهما، بعد أن ربيا وكدحا كدح الرقيق عساهما يريا ثمرة الجهد ونتاج البرّ صلة ووصلا، محبة وودّا”. لكن هيهات هيهات.

كانت نبل، ولها من اسمها نصيب بليغ، لبيبة حكيمة أريبة، عملت على توطين الثقة بينها وبين أهلها الجدد، تنكرت لكل الإشارات المبطنة تحت رداء التحرر من التقاليد التي ربت عليها لأجيال وسائل التمييع والتفاهة، لطالما سمعت عن المعركة الضروس بين الحماة والكنة، بين أخت الزوج والعروس، بين زوجات الإخوة… ترفعت عن واقع لا يمت إلى صفاء السريرة وجمال الخلق بصلة. تعلمت من خلال تربية متوازنة تلقتها منذ الصبا، أن محبة أهل الزّوج من محبّته، فلا انفصام بين هذه وتلك، كما لا انفصام بين الشجرة وثمارها أو بين الفرع وأصله، تعلمت أن القعر وإن ازدحم فالارتقاء مطلوب مرغوب.

طالع أيضا  د. بوعشرين: النموذج التنموي الجديد لم يكن حصيلة تعاقدات كبرى في المجتمع

عملت على تشييد بنائها بمتانة عصية عن رياح الفرقة العاتية، وعن أهواء النفس الفانية، وقيل وقال، وكثرة السؤال. لم تتوان للحظة عن إرسال رسائل الطمأنة والتثبيت والمحبة العالية عبر أثير الشوق، وعبق المشاعر الفياضة، وعبير الملاطفة والتهادي والإكرام، متغافلة عن بعض حركات الهمز واللّمز التي قد تظهر هنا أو هناك.

لم تتردد في أن تجعل من سلوكياتها مرسالا يجمع القلوب، ودليلا على إيمانها بربها الكريم وصدق الاتباع لنبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي كان كالريح المرسلة في العطاء، وبلسما وشفاء. لطالما داوى أسقام الطباع الفاترة والنفوس العليلة، وتجاوز عن الزلات والكبوات. لطالما وصل من قاطعه، وأحسن لمن أساء إليه، وأعطى من حرمه. كان مثالا…. تتمة القصة على موقع مومنات نت.