أجرى موقع مومنات.نت، بمناسبة الحملة التي أطلقتها الهيئة العامة للعمل النسائي في موضوع “صلة الرحم”، حوارا مع الأستاذة نبيلة الرغاي، عضو الهيئة، عرفت فيه صلة الرحم ومكانتها من الدين وحكم قاطعها، وكذا الآليات المعينة على تحقيقها، كما تحدثت عن أثرها في تربية الفرد وتنمية علاقته بالله سبحانه وتعالى والدعوة إليه.. إضافة إلى محاور أخرى.

بداية، أستاذة نبيلة، نود أن تعطينا تعريفا لصلة الرحم في الإسلام؛ مكانتها من الدين، حكمها، وحكم قاطعها؟

الحمد لله رب العالمين الذي كتب الإحسان على كل شيء، حيث يقول سبحانه وتعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم القائل: (ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق).

معلوم  أن الإسلام اهتم بصلة الرحم وأولاها عناية خاصة على مستوى الأسرة، فحث على الإحسان إلى الوالدين، حيث يقول تبارك وتعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، وبالمثل حث على الإحسان للأقرب فالأقرب في قوله: واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، بل ولقيمة صلة الرحم في تمتين المحبة والمودة وبناء العلاقات السليمة، جاوزها الحق تعالى إلى أبعد من ذلك؛ من الحيز الضيق للأسرة والقرابة إلى مستوى الإنسانية في مدلولها الشامل.

والصلة عند اللغويين؛ وصلت الشيء بغيره وصلا، فاتصل به، ووصلته وصلا، وصلة، ضد: هجرته، وواصلته مواصلة ووصالا، وهو مصدر وصل الشيء بالشيء: ضمه إليه وجمعه معه. قال ابن الأثير رحمه الله: “تكرر في الحديث ذكر صلة الرحم: وهي كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب، والأصهار، والتعطف عليهم، والرفق بهم، والرعاية لأحوالهم، وكذلك إن بعدوا أو أساءوا”. (المصباح المنير، مختار الصحاح، معجم لغة الفقهاء).

واصطلاحا: الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول؛ فتارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة، وتارة بالسلام، وتارة بطلاقة الوجه، وبالنصح، وبرد الظلم، وبالعفو والصفح وغير ذلك من أنواع الصلة على حسب القدرة والحاجة والمصلحة.

أما مفهوم قطيعة الأرحام لغة، يقال قطعت الثمرة؛ أي جددتها، وقطعت الصديق قطيعة؛ أي هجرته، وقطعته عن حقه؛ أي منعته. وهو مصدر قطع جمع قطائع؛ بمعنى الهجر وعدم الاتصال مع منع الخير.

واصطلاحا: هجر القريب، ترك وصله والإحسان إليه.

أما حكمها فقد أوجبها الإسلام وحرّم القطيعة، وجعلها من الكبائر التي تُدخل صاحبها النار، بل ومن كرم الله على الواصل أن جاد عليه بالوصل، وأي وصل بعد وصله تعالى، فهو الفوز برضاه سبحانه مقابل سخطه لمن يقطع رحمه، وتوعده بالشقاء في الدنيا والآخرة، فلا يجوز أن يقطع الشخص رحمه لأنهم قطعوه بل الأجر الأعظم في صلة من يقطع، وهو ما أكده صلى الله عليه وسلم في قوله: (ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها). ومن أدلة وجوبها نذكر:

طالع أيضا  احذر الموت

عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، أن رجلا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: (تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم) رواه البخاري.

وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) أخرجه ابن ماجة والترمذي.

وبالمقابل، عن جبير بن مطعم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يدخل الجنة قاطع) رواه البخاري ومسلم، بمعنى قاطع رحم، وبلفظ أبي داوود: (لا يدخل الجنة قاطع رحم).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة) قال: (نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟) قالت: (بلى يا ربي) قال: (فهو لك) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرؤوا إن شئتم: فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم، أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها” رواه البخاري ومسلم.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله) رواه مسلم.

وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله عز وجل: أنا الرحمن، وأنا خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته) رواه البخاري وأبو داوود والترمذي.

أما فضل صلة الرحم، فهي فضائل جمّةٌ تعود على صاحبها بالنفع في الدنيا والآخرة، ونسوق بعضا منها:

هي  سبب من أسباب دخول الجنة؛ ودليلنا في ذلك ما رواه الإمام البخاريّ في صحيحه عن أبي أيّوب الأنصاريّ أنّه قال: (أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أخْبِرْنِي بعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ، فَقالَ القَوْمُ: ما له ما له؟ فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أرَبٌ ما له فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ به شيئًا، وتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وتُؤْتي الزَّكَاةَ، وتَصِلُ الرَّحِمَ، ذَرْهَا قالَ: كَأنَّهُ كانَ علَى رَاحِلَتِهِ).

هي أيضا علامة من علامات الإيمان بالله واليوم الآخر، فقد جمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر وبين صلة الرحم؛ حيث إنّ المؤمن الحقّ لا يقطع رحمه ويكون حريصاً على صلته، قال رسول الله: (مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ).

وهي سبب من أسباب الزيادة في العمر والبركة في الرزق، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (مَن أحَبَّ أنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، ويُنْسَأَ له في أثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ).

أيضا هي سبب من أسباب نَيل صلة الله تعالى، فقد قال رسول الله: (إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ حتَّى إذا فَرَغَ منهمْ قامَتِ الرَّحِمُ، فقالَتْ: هذا مَقامُ العائِذِ مِنَ القَطِيعَةِ، قالَ: نَعَمْ، أما تَرْضَيْنَ أنْ أصِلَ مَن وصَلَكِ، وأَقْطَعَ مَن قَطَعَكِ؟ قالَتْ: بَلَى، قالَ: فَذاكِ لَكِ).

وصلة الرحم صورة من صور طاعة الله تعالى؛ فقد أمر بصلتها، كما أنّها من المحاسن التي ورد الأمر بها في الدين، واتّفقت عليها الشرائع جميعها، ممّا يدلّ على عظيم مكانة صِلة الرحم ومنزلتها في ترابط الأفراد، وتراحمهم، وتآلفهم.

طالع أيضا  خطبة الجمعة والأقصى

وهي علامة من العلامات التي تدلّ على اجتماع فضائل عديدةٍ في نفس الواصل، من الكرم، والوفاء، وغيرهما.

وهي سببٌ من أسباب انتشار المحبة، والألفة، والمودة، والتراحم بين الأقارب، ممّا يُؤدّي إلى نقاء القلوب تجاه بعضها البعض.

وهي من صفات المؤمنين بالله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) رواه البخاري ومسلم

وهي من أسباب قبول العمل، وهو ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم) أخرجه الإمام أحمد.

أما حكم قطيعة الرحم، فتعتبر من أعظم الذنوب وأخطر الآفات؛ كما أكدته نصوص الكتاب والسنة، ففي كتاب الله  أمر تعالى بصلة الرحم حيث قال: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا وقال سبحانه: وآت ذا القربى حقه، والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا، وقال أيضا: فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل، ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون، وقال عز وجل: يسألونك ماذا ينفقون، قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم، وقال تبارك وتعالى: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، إن الله بكل شيء عليم، وقال تعالى: اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، والمعنى أنه تعالى قرن الأمر بتقواه بالأمر  ببر الأرحام والنهي عن قطيعتها؛ وأنه كما يلزم القيام بحق الله سبحانه يجب القيام بحقوق الخلق، والأقربين منهم خاصة، بل القيام بحقوقهم هو من حق الله عز وجل الذي أمر به.

طالع أيضا  "رسالة تذكير" التي خَصَّك بها الإمام ياسين.. أخ العدل والإحسان أَعِد الاستماع (فيديو)

وفي نصوص السنة المشرفة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه) رواه البخاري. وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (إنه من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار، يعمران الديار ويزيدان في الأعمار) رواه الإمام أحمد. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر “أي زيادة في العمر”) أخرجه الترمذي. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم؛ فإنه لا قرب لرحم إدا قطعت وإن كانت قريبة، ولا بعد لها إذا وصلت وإن كانت بعيدة) أخرجه الحاكم وصححه الذهبي.

وقد كان سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم أوصل الناس لرحمه كما قالت سيدتنا خديجة رضي الله عنها له: “…  والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرئ الضيف، وتعين على نوائب الحق…” رواه البخاري ومسلم.

فما هي الوسائل والآليات المعينة على صلة الأرحام، خصوصا إذا استحرضنا ما يعرفه عصرنا من تقدم تكنولوجي؟

من وسائل وآليات صلة الرحم؛ نستحضر قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: عن سليمان بن عامر الضبي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليم وسلم: (الصدقة على المسكين صدقة، والصدقة على ذي الرحم صدقة وصلة) رواه الإمام أحمد

وصلة الرحم أنواع…

تتمة الحوار على موقع مومنات نت.