الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وعلى الآل والصحب ومن والاه.

حينما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وبها نزل، اتجه الناس نحوه على عجل، وكلهم يتطلعون لسماع الخطاب الأول لهذا النبي المرسل.

فجاء كلامه بلسما يأسو الجراح ويبعث الأمل: “يا أيُّها النَّاسُ أفشوا السَّلامَ، وأطعِموا الطَّعامَ، وصِلوا الأرحامَ، وصلُّوا باللَّيلِ، والنَّاسُ نيامٌ، تدخلوا الجنَّةَ بسَلامٍ” 1.

إنه خطاب جامع ماتع، لمجتمع العمران الأخوي بانٍ رافع، وللعداوة والفرقة قاطع مانع، ونحو ثريا المعالي باعث دافع.

خطاب فصل استهلّ به مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخوله إلى المدينة المنورة بين يدي تأسيس دولة الإسلام.

وإذا أردنا أن نتكلم بلغة العصر، فإننا سنقول بأن المجتمع المدني قد خرج بكل مكوناته يريد أن يسمع مشروع هذا الرجل الذي لطالما استفتح به اليهود على الأوس والخزرج وغيرهم من قبائل العرب.

إنه عهد جديد… ونظام جديد… فبأي جديد أتى؟

وإنه لخطاب عجيب يخالف بتاتا كلّ الخطابات التي يوجهها السّاسة والحكام لشعوبهم.

وإنه لعرض مميّز يبيّنُ الخطوط العريضة لمشروع دولة الإسلام…

إنها دعوة للتراحم والتكافل وتقوية أواصر المحبة بين كلّ المكونات الاجتماعية لتحقيق أمن مجتمعي كفيل بضمان الأمن الروحي حتى يتمكن العبد من الوقوف ليلا مطمئنا ليصلي بين يدي مولاه.

فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا اَ۬لْبَيْتِ (3) اِ۬لذِےٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٖ (4) وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۖ (5) 2

هكذا عرض النبي صلى الله عليه وسلّم مشروع دعوته ودولته… وهكذا عرضه سيدنا جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ملك الحبشة حينما سأله فقال: “أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام – قالت: فعدد عليه أمور الإِسلام – فصدقناه، وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا، وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.” 3

طالع أيضا  ذة. المختاري: تشميع البيت جرم يدخل في خانة الخروقات الكبرى لحقوق الإنسان

ها هي ذي صلة الرحم حاضرة بقوة في كلّ عرض لمشروع دعوة ودولة الإسلام.

بالله عليكم هل سمعتم -ولو لمرة- مشروعا سياسيا يتحدث صاحبه عن دعامة اسمها صلة الرحم؟

إن دولة العمران الأخوي التي تبنى على أساس تعاليم الإسلام همّها الأول هو رحمة الإنسان… وإسعاد هذا الإنسان… وفلاح هذا الإنسان في الدنيا والآخرة.

كانت صلة الأرحام سمة تميّز الأخيار حتى قبل الإسلام.

قالت أمنا خديجة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم- وقد جاء يرجف فؤاده حينما أتاه سيدنا جبريل عليه السلام في الغار-: “كَلَّا، أبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا؛ إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ علَى نَوَائِبِ الحَقِّ” 4

وقال ابنُ الدَّغِنَةِ لأبي بكر رضي الله عنه -وقد وجده في الطريق مهاجرا قِبَلَ أرضِ الحبَشةِ-: “إنَّ مِثْلَكَ لا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ؛ فإنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ علَى نَوَائِبِ الحَقِّ” 5

كانت خصلةً يعدّها ذوو المروءات من أهل الجاهلية وسام فخر يُزيّن صدور من يتحلّون بها. ومثل هؤلاء دعامات في المجتمع ليس من الحكمة والصواب التفريط بهم. لذلك ارْتَحَلَ ابنُ الدَّغِنَةِ -وهو سيِّدُ القارَةِ، وهي قَبيلةٌ مَشهورةٌ مِن بَني الهُونِ تقع على بعد حوالي 140كلم من مكة – فَرَجَعَ مع أَبِي بَكْرٍ-رضي الله عنه- وطَافَ في أَشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَقالَ لهمْ: “إنَّ أَبَا بَكْرٍ لا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلَا يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يُكْسِبُ المعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ علَى نَوَائِبِ الحَقِّ” 6

يعرف السادة المخلصون في حبّ قبائلهم ما لصلة الرحم من فضل في استقرار المجتمع وربط مكوناته ورصّ صفوفه، ويعرف الخونة المفسدون في الأرض أيضا ما لقطع الرحم من تأثير في اضطراب المجتمع وتمزيق أواصره ورصّ صفوفه.

طالع أيضا  شعب الإيمان

 ولقد كانوا على حقّ في ذلك. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليعمر بالقوم الديار ويثمر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضا لهم، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله قال بصلتهم أرحامهم” 7

أما وإنّ من أعظم أسباب زيادة الرزق والبركة في العمر، صلة الرحم. قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: “من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه” 8، وقال عليه الصلاة والسلام: “تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر” 9

هذا بالنسبة لصلة الرحم كقيمة حضارية وركيزة مجتمعية أمّا عن كونها قربة عظيمة يتقرب بها العبد إلى ربّه فيكفينا أن نسمع هذا الحديث القدسي: “قال اللهُ تبارَك وتعالى: أنا الرَّحمنُ خلَقْتُ الرَّحِمَ وشقَقْتُ لها اسمًا مِن اسمي فمَن وصَلها وصَلْتُه ومَن قطَعها بَتَتُّه” 10.

“الرحم”: القرابة من ذوي النسب والأصهار.

“مَن وصَلَها وصَلتُه”، أي: مَن أحسَن إلى أهلِه، ورَفَق بهم، وداوَمَ الاتِّصالَ بهم ورعى أحوالهم، أحسَنتُ إليه ورَفَقتُ به وأنعَمْتُ عليه، “ومَن قطَعَها”، أي: هجَر أهلَه ولم يُحسِنْ إليهم وقطع الاتصال بهم، “بَتتُّه”، أي: قطَعتُه مِن رَحمتي وإحساني.

فكيف تنعم بالسعادة والأمان ورغد العيش أمّة منع الله عنها رحمته وإحسانه؟ وكيف يفلح في الآخرة قوم قطعهم الله…؟

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وحزبه.


[1] (صحيح ابن ماجة عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه وهو عند أحمد والترمذي والحاكم،.)
[2] (سورة قريش)
[3] (رواه ابن إسحاق بإسناده إلى أم سلمة، ومن طريقه رواه الإمام أحمد في ((المسند))، وهو حديث طويل.)
[4] (صحيح البخاري عن أمنا عائشة رضي الله عنه)
[5] (صحيح البخاري عن أمنا عائشة رضي الله عنها)
[6] (صحيح البخاري عن أمنا عائشة رضي الله عنها)
[7] (رواه الحاكم والطبراني. قال المُنذريُّ: “بإسنادٍ حسنٍ”)
[8] (رواه البخاري عن سيدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه)
[9] (رواه الترمذي والبزار وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه).
[10] (رواه ابن حبان وأبو داود والترمذي والإمام أحمد عن سيدنا عبد الرحمان بن عوف رضي الله عنه)