بقلم: صفاء طريبق

موضوع ذو شجون كما يقال، وكلمتان رنانتان في الأذن والقلب معا، داعيتان للتأمل فيهما مبنى ومعنى، “صلة” و”رحم”، وكأنه فرع يتشبث بالأصل وهو كذلك.

.. شرح وتأمل..

قال العيني: “الصلة هي صلة الرحم، وهي كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، والتعطف عليهم والرفق بهم، والرعاية لأحوالهم، وكذلك إن بعدوا وأساءوا، وقطع الرحم قطع ذلك كله”.

وقال ابن فارس: “الراء والميم والحاء أصل واحد يدل على الرقة والعطف والرأفة (…) ثم سميت رحم الأنثى رحما من هذا، لأن منها ما يكون ما يُرحم ويُرق له من ولد”.

.. دواعي التطرق إليه..

يأتي هذا الموضوع في زمن نحن أحوج فيه إليه، ويا لغرابة الأمر حين نتأمل في حال السابقين وحرصهم الشديد على صلة الأرحام مع قلة ذات اليد وتباعد الديار وقلة المواصلات، لتصلنا قصصهم نتطرق إليها كأنها نوادر عجيبة أو محض خيال، حين كان الأخ يقطع الأميال سيرا على الأقدام ليصل أخاه أو صديقه أو أخته أو عمه… فما بالنا في هذا الزمن الذي سهلت فيه الأسباب الموصلة، نجد ترديا في التواصي والتزاور والتآزر، فيكاد الأبناء لا يتعرفون إلى عمهم وهو بجوارهم في الطريق، وأمثلة تحز في النفس من خصومات يرثها جيل بعد جيل، وكان يمكن تفاديها بلين الجانب والصفح والتنازل، مما يجعلنا نطرق هذا الباب بإلحاح لعل المولى سبحانه يتم علينا نعمته بتجديد ما بلي وتوصيل ما انقطع، فأهمية هذا الموضوع من محوريته في ديننا كتابا وسنة.

.. بعض الآيات والأحاديث في صلة الرحم..

قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَّاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ.

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ.

وقوله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ• أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ.

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ.

.. بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب..

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخـر فليـكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت».

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه».

طالع أيضا  الحماية الاجتماعية بالمغرب

عن علي رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «من سره أن يمد له في عمره، ويوسع له في رزقه، ويدفع عنه ميتة السوء، فليتق الله وليصل رحمه».

عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ أنه قال: «الرحم متعلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله».

عن النبي ﷺ أنه قال: «يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام».

عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها».

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: «يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيؤون إليّ، وأحلم عليهم ويجهلون عليّ فقال ﷺ: إن كنت كما قلت فكأنما تُسِفهّم المَلّ ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك».

عن أبي بكر رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه بالعقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم».

اشتق الله عز وجل اسم “رحم” من اسمه “الرحمان” دلالة علوي ارتباط ومتانة اتصال، وفي الحديث الشريف يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الرحم شجنة من الرحمان، فقال الله: من وصلك وصلتُه، ومن قطعك قطعته”.

بذور وثمار

وصلها شكر للمولى وهو القائل اعملوا آل داود شكرا، وهي تذكير دائم بأساس الانطلاق ومكان النشأة، من ضيق التكوين إلى سعة السعي في الأرض، يذكرنا الله عز وجل بالأصل الواحد أن ترتبط به فروعه مهما تشعبت وانطلقت في أرض الله وملكوته، وفي التذكير حنين وعبرة وعظة، لهذا ترى الواصل موصول القلب متواصل المرحمات، أتراه يصل رحمه ويخون أمته؟! أو تراه يحرص على بر والديه ويغش فيما أؤتمن عليه؟! لا يكون ذلك إلا من منافق والعياذ بالله، ولا شك يصدق وعد الله عز وجل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم حين يترجم آمال العباد في زيادة الرزق والأجل فيجعلهما حافزا لفعل هذه المكرمة الأساس في الدين قائلا صلى الله عليه وسلم: “تعلموا من أنسابكم ما تصلون به رحمكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر”.

من أراد زيادة المال فليصل رحمه، ومن أراد البركة في العمر فليصل رحمه، ومن أراد أن يحبه الناس فليصل رحمه.

كرم عظيم يجلي لنا محبة ربنا لعباده إذ ييسر لهم فعل الخيرات، فالفطرة مطواعة للخير، منكرة للشرور والأكدار، صلة ذات نفع متعدي، يجاوز الزمان والمكان، صلة أحياء وأموات، مددها بالله فالواصل موصول والكل بإذن الله مرحوم، جعلنا الله من أهل مرحمته، آمين.

طالع أيضا  مجلس النصيحة: الدعاء ودوام الضراعة إلى الله (فيديو)

يقول عز وجل: وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون، قال الإمام القرطبي رحمه الله: “والخطاب للنبي عليه السلام والمراد هو أمته لأنه قال: “ذلك خير للذين يريدون وجه الله”، منزلة وأي منزلة، وفلاح في نيل مقام النظر وتصويب الاتجاه إلى أسمى المطالب وأرفعها، وخير مرغوب ومطلوب هو نيل مقام النظر لوجه الله العظيم عز وجل، فهل من مشمر؟!”.

أول ما يحضرني في هذا المقام وصف أمنا خديجة رضوان الله عليها حين أتاها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن جاءه جبريل عليه السلام للمرة الأولى، فقالت مثبتة له مذكرة إياه بأفضل خصاله قائلة: “والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم…”، إنها الفطرة الصافية التي تبعث على اليقين، فمن كان واصلا لرحمه كيف يخزيه مولاه؟! حاشا وكلا.

هذا الموضوع أساس في الدين وفي سلوك المسلمين، في وقت عز فيه التواصل مع انتشار وسائله والتراحم مع تعدد الطرق إليه وسهولتها، من سيارات وطائرات وهواتف وتعبيد الطرق غالبا، على نقيض ما كان في الأزمنة السالفة بدءا من أمهاتنا وأجدادنا إلى السابقين الأولين، لندرك في استحضارنا لقصص برهم وصلتهم لذوي قرابتهم أنهم كانوا أمضى عزما وأكثر جلدا وطلبا لهذه المنزلة وأكثر حرصا، فكان الواحد يقطع الفيافي والقفار أياما وشهورا لزيارة أخيه أو عمه أو صديق أبيه أو فرد من أقاربه قرب أو بعد، ولا شك في جعبة كل فرد فينا عشرات القصص والشواهد من مرويات أمهاتنا وآبائنا في هذا الشأن، فأين الخلل؟!

إن الأمر ولا شك يتعلق برابط المفروض اتصاله مهما تشعبت الفروع.

.. بعض الأسباب المعينة على صلة الرحم..

من الأسباب المعينة على صلة الرحم لعلنا بذلك نجدد منها ما أوشك على الاندثار، منها:

1 – استحضار النية في صلة الرحم وجعلها خالصة لوجه الله فـ“ما كان لله دام واتصل”.

2-  التضرع والدعاء والالتجاء لله سبحانه، طلبا لعونه وتوفيقه.

3- عدم انتظار مقابل مادي ولا معنوي إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا.

4- مقابلة الإساءة بالإحسان ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم.

طالع أيضا  حيَّ على الصلاة

5- مشاركة ذوي الأرحام أفراحهم وأتراحهم خدمة ورفدا ومعونة.

التلطف بأطفال الأقارب وملاعبتهم، فهذا مما يورث المحبة في قلوب الصغار نحو المقربين فينبت في قلوبهم استحباب تكرار الزيارة خاصة إن كان معها بعض الهدايا من حلويات ومفاجآت ومسابقات لطيفة خفيفة.

6- التهادي، وكما يقال الهدية رسول المحبة.

7-تجنب التكلف، فلا إسراف ولا تقتير، والذي يجلب النفور والاستثقال. وكذلك تجنب شدة العتاب والملامة، فالمؤمن سهل لين، وفي المقابل استقبال عتابهم بأحسن المحامل.

8- ومن الأسباب المهمة تعجيل قسمة الميراث، فكم من أواصر هدمت وانقطعت بسبب ميراث ظل بلا قسمة فتوارثت الأجيال العداوة بدل المرحمة والمحبة.

9- اصطحاب الأطفال في الزيارات العائلية والحرص على ذلك والصبر على مشاغبتهم في مقابل أن ينشأوا في جو عائلي وصور تبقى محفورة في ذاكرتهم، يترجمونها مع أبنائهم وأحفادهم، محاولين الوسع تبديل ما نراه من استغراق الأطفال في استعمال الهاتف أو الجهاز اللوحي، لنضيع علينا وعليهم هذا الفضل والخير ونكون والعياذ بالله قد ساهمنا دون أن نقصد في قطع الأرحام، فأطفال اليوم هم رجال ونساء الغد، أنبتهم الله نباتا حسنا وجعلنا على قدر الأمانة.

.. تأمل ومحاولة فهم..

بعد هذا الطرح البسيط والتأمل السريع، تتشكل في الذهن بله القلب، صورة توشك أن تكتمل لمراد الله عز وجل وحكمته، مغلفة بعظيم الامتنان له سبحانه حين يفهم العقل ويذوق القلب هذه الطمأنينة التي يدفعنا الله إليها، ومن منا لا يبحث عنها؟! وهذه السكينة والبركة والرحمة، والخير المتشارك والمجتمع المتآزر والأمة الواحدة.

هي صورة تربية المولى عز وجل لعباده وتوجيههم لطريق فلاحهم دنيا وآخرة ليذوقوا طعم السلام في الاستسلام، فمن وصل رحمه القريب فهو لرحمه الكبير واصل، رحمه في أمة المصطفى صلى الله عليه وسلم، قائما بالصلة في معناها الشامل السليم، ناظرا إلى خلق الله كلهم بأنهم ذووا حق عليه وقرابة في الدين والرحم الواحدة.

وصلنا الله به صلة لا تنقطع، ورزقنا إحياء صلة رحمنا وتجديدها في الأمة جمعاء بدءا بالأقرب فالأقرب. آمين.