قبل البدء

    “كلا 1! أبشر! فوالله لا يخزيك الله أبدا! إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمِل الكَلَّ، وتكسِبُ المعدوم، وتَقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق” 2، بهذه الفصاحة الصادقة من قلب محب صادق، صدعت أمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها بمعاني الصدق، فكان دين محمد صلى الله عليه وسلم منذ البداية صِلَة للرحم وحقنا للدماء 3، لم يحذ قيد أنملة عن توجيه ربه خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ 4، وقوله سبحانه: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ 5، فكان يَصِل مَنْ قَطَعَهُ وَيُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ وَيَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ.

    إن وسائل القرب من الله سبحانه وتعالى متعددة ومتنوعة، لكن أعظمها وأجلها وأشرفها هي صِلة الرَّحم: حضا عليها وبيانا لفضلها وطلبا لأثرها على الفرد والأمة، وما كانت لتنال هذا الفضل وهذا الشرف إلا كونها صلة بالله الكريم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله” 6، وعن أبي هريرة – رضِي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: “إنَّ الله – تعالى – خلق الخلْق حتى إذا فرغ منهم قامت الرَّحِم فقالت: هذا مَقام العائذ بك من القَطِيعة، قال: نعم، أمَا ترضين أنْ أصل مَن وصلك، وأقطع مَن قطعك، قالت: بلى، قال: فذاك لك” 7، ثم قال رسول الله  صلَّى الله عليه وسلَّم: “اقرَؤُوا إنْ شئتم فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ سورة محمد، الآيات: 22-23..

  صلة بالله الكريم، لا يوفق إليها إلا قوم مؤمنون، يخافون سوء الحساب ويفعلون ما يؤمرون، أما الذين أعمى الله أبصارهم، وأصمّ آذانهم، فأولئك يقطعون الأرحام، وهم في الأرض مفسدون، وفي الغفلات سادرون، فلا شك أن عاقبتهم الخسران المبين.

صلة الرحم لغة واصطلاحا:

   الصلة لغة: مصدر مأخوذ من وصل يصِل، “الْوَاوُ وَالصَّادُ وَاللَّامُ: أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى ضَمِّ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى يَعْلَقَهُ. وَوَصَلْتُهُ بِهِ وَصْلًا. وَالْوَصْلُ: ضِدُّ الْهِجْرَانِ.” 8

    وهي في الاصطلاح “كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب، والأصهار، والتعطف عليهم، والرفق بهم، والرعاية لأحوالهم، وكذلك إن بَعُدُوا أو أساءوا، وقطعُ الرحم ضِدُّ ذلك كله، يقال: وَصَل رَحِمَهُ يَصِلُهَا وَصْلًا وَصِلَةً، والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة، فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه وبينهم: من عَلاقة القرابة والصِّهرِ” 9.

   أما الرحم، ف“الرَّاءُ وَالْحَاءُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى الرِّقَّةِ وَالْعَطْفِ وَالرَّأْفَةِ. يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ رَحِمَهُ يَرْحَمُهُ، إِذَا رَقَّ لَهُ وَتَعَطَّفَ عَلَيْهِ. وَالرُّحْمُ وَالْمَرْحَمَةُ والرَّحْمَةُ بِمَعْنًى. وَالرَّحِمُ: عَلَاقَةُ الْقَرَابَةِ، ثُمَّ سُمِّيَتْ رَحِمُ الْأُنْثَى رَحِمًا مِنْ هَذَا، لِأَنَّ مِنْهَا مَا يَكُونُ مَا يُرْحَمُ وَيُرَقُّ لَهُ مِنْ وَلَدٍ.” 10

   وقال ابن الأثير: “ذُو الرَّحِمِ هُمُ الأقاربُ، ويقعُ عَلَى كُلّ مَنْ يَجْمَعُ بَيْنك وَبَيْنَهُ نَسَب، ويُطْلق فِي الفَرائِض عَلَى الْأَقَارِبِ مِنْ جِهَةِ النِّساء، يقال ذُو رَحِمٍ مَحْرم ومُحَرَّم” 11.

  أما صلة الرحم باعتبارها مركبا إضافيا، فهي “الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول، فتارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة والسلام وغير ذلك” 12.

   أما حكمها فالوجوب بلا خلاف، يقول القاضي عياض: “لا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة، وقطعها كبيرة، والأحاديث في هذا الباب من منعه الجنة تشهد لذلك، ولكن الصلة درجات بعضها فوق بعض، وأدناها ترك المهاجرة.

   وصلتها ولو بالسلام كما قال عليه الصلاة والسلام، وهذا بحكم القدرة على الصلة وحاجتها إليها، فمنها ما يتعين ويلزم، ومنها ما يستحبّ ويرغبّ فيه، وليس مَنْ لم يبلغ أقصى الصلة يسمّى قاطعاً، ولا من قصّر عما ينبغي له ويقدر عليه يُسمّى واصلاً” 13.

طالع أيضا  أسباب الاختلال في شخصية المسلم

  ويضيف قائلا: إن “الرَّحِم الَّتِي تُوصَلُ وَتُقْطَعُ وَتُبَرُّ إِنَّمَا هِيَ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي لَيْسَتْ بِجِسْمٍ وَإِنَّمَا هِيَ قَرَابَةٌ وَنَسَبٌ تَجْمَعُهُ رَحِمُ وَالِدَةٍ وَيَتَّصِلُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَسُمِّيَ ذَلِكَ الِاتِّصَالُ رَحِمًا وَالْمَعْنَى لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الْقِيَامُ وَلَا الْكَلَامُ فَيَكُونُ ذِكْرُ قِيَامِهَا هُنَا وَتَعَلُّقُهَا ضَرْبُ مَثَلٍ وَحُسْنُ اسْتِعَارَةٍ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ وَالْمُرَادُ تَعْظِيمُ شَأْنِهَا وَفَضِيلَةُ وَاصِلِيهَا وَعَظِيمُ إِثْمِ قَاطِعِيهَا بِعُقُوقِهِمْ لِهَذَا سُمِّيَ الْعُقُوقُ قَطْعًا وَالْعَقُّ الشَّقُّ كَأَنَّهُ قَطَعَ ذَلِكَ السَّبَبَ الْمُتَّصِلَ… قَالَ الْعُلَمَاءُ وَحَقِيقَةُ الصِّلَةِ الْعَطْفُ وَالرَّحْمَةُ فَصِلَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ” 14.

   ويكون ذلك بحسن العشرة “والصّحبة للأهل والولد بالمداراة، وسعة الخلق والنّفس، وتمام النّفقة، وتعليم الأدب والسّنّة، وحملهم على الطّاعة، لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ 15، والصّفح عن عثراتهم والغضّ عن مساوئهم في غير إثم أو معصية”. 16

   ولنعلم أن ثواب صلة الرحم لسريع التحقق؛ بركة ورزقا وتوفيقا وطول عمر…؛ في الدنيا قبل الآخرة، كما أن قاطع الرحم لينال جزاءه وعقابه؛ كذلك في الدنيا قبل الآخرة؛ فتوصد أبواب الأرزاق المادية والمعنوية دونه، فلا يجد إلى فتحها سبيلا، إلا أن يتدارك، فربك واسع المغفرة.

   ولعل هذا ما سنرى بيانه وتوضيحه من خلال النصوص القرآنية والحديثية الواردة في الباب، نسأل الله التوفيق والسداد والإخلاص في القول والعمل.

صلة الرحم في القرآن الكريم ترغيبا وتحذيرا

   أولى المولى عز وجل في كتابه العزيز عناية خاصة لصلة الرحم أو قضية الأرحام وذوي القربى، فمن تتبع النصوص بشأن الصلة والأقارب، نجد العديد من الآيات القرآنية، منها ما يحثّ ويرغب في صلة الرحم، ومنها ما ينبه ويحذّر من قطعها، وهذه بعضها:

    يقول الله عز وجل مرغبا في هذه العبادة العظيمة ومحذرا من التهاون في إتيانها وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ 17، المضارع في هذه الآية الكريمة يفيد التجدد، كناية عن الاستمرارية في الإتيان بعبادة صلة الأرحام وعدم قطعها، ومعها الاستمرار في خشية الله والخوف من سوء المنقلب.

   أما قوله سبحانه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ* أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ، 18 ففيه تحذير بليغ من العودة إلى الجاهلية الجهلاء من سفك للدماء وقطع للأرحام “ولهذا قال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ وَهَذَا نَهْيٌ عَنِ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ عُمُومًا، وَعَنْ قَطْعِ الْأَرْحَامِ خُصُوصًا، بَلْ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِصْلَاحِ فِي الْأَرْضِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَهُوَ الْإِحْسَانُ إِلَى الْأَقَارِبِ فِي الْمَقَالِ وَالْأَفْعَالِ وَبَذْلِ الْأَمْوَالِ.19

  ولبيان خطورة قطع الأرحام، ضرب الله الأمثال للناس لعلهم يفقهون، ومن ذلك قوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ 20، فهو جلت قدرته يضرب “الأمثال صغيرَها وكبيرَها، يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها ويُضل بها الفاسقين… يعرفه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به” 21، ومن صفات هؤلاء الفاسقين قطع الأرحام والإفساد في الأرض.

   وذكر الطبري أن الآية تضمنت “ستّ خلال في أهل النفاق، إذا كانت لهم الظَّهَرَة، أظهرُوا هذه الخلال الست جميعًا: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وَعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضُوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمرَ اللهُ به أن يوصل، وأفسدُوا في الأرض. وإذا كانت عليهم الظَّهَرَةُ، أظهروا الخلالَ الثلاثَ إذا حدّثوا كذَبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا” 22.

طالع أيضا  فاعلان: لجان تابعة للجبهة تشتغل على ملفات وقضايا لصدّ المد التطبيعي

    أما قول الله عز وجل: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا 23، فقد ذهب صاحب التنوير إلى أن الْمَقْصِد الْأَهَمّ مِنْهَا: تقوى الْمُؤمنِينَ بِالْحَذَرِ مِنَ التَّسَاهُلِ فِي حُقُوقِ الْأَرْحَامِ وَالْيَتَامَى مِنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ… وَفِي الْآيَةِ تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِأَنْ يَتَّبِعُوهُ هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِمْ. 24

    أما قوله سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ 25، فرغم أن ثنائية العدل والإحسان قد تشير ضمنا إلى حق ذوي القربى، فقد ذكره الله سبحانه وتعالى باللفظ ليلفتنا إلى أهميته، حتى لا نغفل عنه، وأشار إلى ذلك السعدي بقوله: “وخص الله إيتاء ذي القربى -وإن كان داخلا في العموم- لتأكد حقهم وتعين صلتهم وبرهم، والحرص على ذلك” 26، لأنه حق غالبًا ما يتعرض للهدر والتفريط والتضييع، يقول القرطبي في تفسيره: “وإنما خص ذا القربى لأن حقوقهم أوكد وصلتهم أوجب؛ لتأكيد حق الرحم التي اشتق الله اسمها من اسمه، وجعل صلتها من صلته، فقال في الصحيح: “أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك”. ولا سيما إذا كانوا فقراء” 27، وأشار ابن كثير مبينا قوله تعالى إيتاء ذي القربى بقوله: “أي: يأمر بصلة الأرحام” 28.

     ويزداد هذا الحق بيانا وتخصيصا، عندما نقرأ قوله سبحانه: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ 29، قال السعدي: “أي: مال قليل أو كثير، فأولى الناس به وأحقهم بالتقديم، أعظمهم حقا عليك، وهم الوالدان الواجب برهما، والمحرم عقوقهما، ومن أعظم برهما، النفقة عليهما، ومن أعظم العقوق، ترك الإنفاق عليهما، ولهذا كانت النفقة عليهما واجبة، على الولد الموسر، ومن بعد الوالدين الأقربون، على اختلاف طبقاتهم” 30.

      وكذلك قوله عز وجل: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانًا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى، إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا 31، لقد أوصى الله في هذه الآية بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وهو مثل قوله سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً 32، “فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَهُمَا سَبَبًا لِخُرُوجِكَ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَكَثِيرًا مَا يَقْرِنُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ عِبَادَتِهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، كَقَوْلِهِ: أن اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ 33، وَكَقَوْلِهِ: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً 34، ثم عطف على الإحسان إليهما الْإِحْسَانَ إِلَى الْقَرَابَاتِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ” 35.

    إن النصوص القرآنية في هذا الباب كثيرة ومتعددة، لا يسع المجال لاستقرائها كلها، لعل فيما ذكرناه الكفاية والفضل، وستزداد هذه النصوص؛ بإذن الله؛ توضيحا وبيانا مع ذكر ما ورد في السنة النبوية المطهرة من أحاديث في الباب.


[1] كلا هنا كلمة نفي وإبعاد، وهذا أحد معانيها، وقد تأتي بمعنى حقا، انظر الحافظ المنذري، السراج الوهاج في كشف مطالب مسلم بن الحجاج، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، د ط، بيروت لبنان، ج: 1، ص:162.
[2] الحديث رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها.
[3] ياسين عبد السلام، الإحسان: 2، ص: 274. بتصرف.
[4] سورة الأعراف، الآية: 199.
[5] سُورَة فصلت، الآية: 34.
[6] أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي -بيروت الطبعة: الثانية، 1392 ج: 16، ص: 112، الحديث رقم: 2555.
[7] أخرجه مسلم، الحديث رقم: 2554.
[8] أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين، معجم مقاييس اللغة، المحقق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر: 1399هـ -1979م. مادة: وصل ج:6، ص:115.
[9] ابن الأثير، أبو السعادات، كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر، المكتبة العلمية -بيروت، 1399هـ -1979م تحقيق: طاهر أحمد الزاوى، محمود محمد الطناحي، ج: 5، ص: 191.
[10] مقاييس اللغة مادة: رحم، ج:2، ص: 498.
[11] النهاية في غريب الحديث، ج:2، ص: 210.
[12] الحافظ المنذري، السراج الوهاج في كشف مطالب مسلم بن الحجاج، ج: 1، ص:162.
[13] اِلقَاضِى عِيَاض، شَرْحُ صَحِيح مُسْلِمِ المُسَمَّى إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم، المحقق: الدكتور يحْيَى إِسْمَاعِيل، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر الطبعة: الأولى، 1419 هـ -1998 م، ج: 8، ص: 20.
[14] المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج المؤلفج: 16، ص: 112.
[15] سورة التحريم، الآية: 6.
[16] عدد من المختصين بإشراف الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حميد إمام وخطيب الحرم المكي، نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم، دار الوسيلة للنشر والتوزيع، جدة الطبعة: الرابعة، ج: 7، ص:2615.
[17] سورة الرعد، الآية: 21.
[18] سورة محمد، الآية: 22، 23.
[19] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، المحقق: محمد حسين شمس الدين الناشر: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون – بيروت الطبعة: الأولى – 1419 ه، ج: 7، ص: 293.
[20] سورة البقرة، الآية: 26، 27.
[21] محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، المحقق: أحمد محمد شاكر الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، 1420 هـ – 2000 م، ج: 1، ص: 401.
[22] تفسير الطبري، ج: 1، ص: 114/115.
[23] سورة النساء، الآية: 1.
[24] محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر – تونس سنة النشر: 1984 ه، ج: 4، ص: 215.
[25] سورة النحل، الآية: 90.
[26] عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المحقق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى 1420هـ -2000 م، ص: 447.
[27] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش الناشر: دار الكتب المصرية -القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384هـ -1964 م ج: 10، ص: 167.
[28] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج: 4، ص: 511.
[29] سورة البقرة، الآية: 215.
[30] عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص: 96.
[31] سورة النساء، الآية: 36.
[32] سورة الإسراء، الآية: 23، 24.
[33] سورة لُقْمَانَ، الآية: 14.
[34] سورة الْإِسْرَاءِ، الآية: 23.
[35] ابن كثير تفسير القرآن العظيم، ج: 2، ص: 261.