استهل الدكتور عبد الصمد المساتي قراءته في فقرة “الطريق خطرة” من كتاب الإحسان الجزء بدعاء الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله الذي افتتح به الفقرة: بسم الله الرحمن الرحيم. وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. اللهم يا ذا الحبل الشديد، والأمر الرشيد، أسألك الأمن يوم الوعيد، والجنة يوم الخلود، مع المقربين الشهود، الركع السجود، الموفين بالعهود، إنك رحيم ودود، وإنك تفعل ما تريد. وعقب قائلا بأن سر افتتاح الموضوع بهذا الدعاء، إضافة إلى كون الدعاء سنة للإمام عبد السلام ياسين في افتتاح مواضيع الإحسان كلها، هو التأكيد أن “المنعم بالهداية والاستقامة هو الله تعالى، وأن الهداية كما يقول الإمام “منه سبحانه وتعالى ومن رسوله ﷺ والاستقامة منا””.

والاستقامة، يعرّف، “هي طريق القرب من الله تعالى، والفوز به في الدنيا والآخرة. وهي طريق الكمال لمن هداه الله عز وجل واتَّبَع السنة المصطفوية، عليه أفضل الصلاة والسلام، خطوةً خطوة. هدانا الله وجعلنا من أهل ذلك بمنه”. آمين.

وأثناء قراءته في الفقرة ضمن برنامج مجلس النصيحة الذي نظمته جماعة العدل والإحسان لية وصباح الأحد المنصرم، أوضح المساتي أنه دون الاستقامة عقبات يجب أن تقتحم بتمحيص النية وتجديد التوبة وإخلاص الوجهة لله تعالى، من دون توقف حتى يأتي الإنسان اليقين، وهو الموت. وكذلك سنة الله في تمحيص الناس، وابتلاء عباده، وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وكما كانت سيرته عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، أوذي وأوذي من معه إيذاء شديدا، في أنفسهم وأهليهم وأموالهم، وضربوا أروع الأمثلة في التضحية والصبر والثبات على الحق، وإعطاء برهان الصدق في طلب وجه الله.

وتلك طريق الولاية يقول، والولاية كما يقول الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله “ليست إلا الاستقامة على الصراط المستقيم صراط الذين أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفَى بِاللهِ عَلِيماً.

وأكد وهو يعرض معاني الفقرة من كتاب الإحسان أن ما يفيض به الله تعالى مع الاستقامة من أسرار وكرامات، فإنما هو ابتلاء بالنعمة المطلوب معها مزيد من الاستقامة لقوله تعالى لإمام المنعم عليهم محمد ﷺ: اسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وفي الآية تأكيد على أن النعمة تُطْغِي، ويَغْتَرُّ بها السالك فيتراخى في الأمر والنهي فيَهْلِكَ مع الهالكين.

واستدعى إخبار الصادق المصدوق مقسما: “فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتُهلِككم كما أهلكتهم”. ليعقب: هلاك وسقوط في الطريق، وما أكثر «المتساقطين في الطريق» -كما يسميهم بعض الإسلاميين المعاصرين- إما “لأسباب الابتلاء الخارجي، أو لأسباب نفسية تنظيمية، أو لمجرد ملل أو شك في القيادة والمنهاج، أو استبطاءً للنتائج”.

طالع أيضا  عود على بدء

وأكبر العقبات وأخطرها، يضيف، الهوى والنفس، وليس هناك عامل من عوامل الفشل أبْلغَ هدماً للإرادات من النفس.

يقول الإمام عبد السلام ياسين مبينا خطورة شهوات النفس وأمراضها: “وما كان من قتيل وجريح وساقط وسليب وطريد في طريق الله عز وجل فمن النفس المعتَرِكَةِ بين شهواتها وأنانيتها وبين المغريات الخارجية، بين ما عندها من قياس واستئناس وبين ما يدخل أو يخرج من عوائد الناس. قال الله تعالى: وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ.

ويقول مؤكدا ضرورة مجاهدة النفس وكبح جماحها وشهواتها تحقيقا لنصر الله الموعود: “وجود النزغات النفسية العدوَّة هو الذي يعطي للجهاد معناه وقيمته، ولنصر الله عز وجل عبدَه في معركة النفس والآفاق مغزاه ومداه. قال حكيم الصوفية الشيخ ابن عطاء الله: «ما توقف مطلب أنت طالبُه بربك، ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك»”.

ليعلق الدكتور المساتي قائلا: ولا شك أن مجاهدة النفس ليس بالأمر الهين، بل إنه مسار في طريق صاعد وصعب وطويل ومحفوف بالمخاطر. “فلا ينبغي أن نصور الطريق سهلا ناعما، ولا أن نبرر صعوبات الطريق بطرح المسؤولية على من قبلنا. إنما ينبغي أن نضرب المثل بالتشمير”

وأكد على ضرورة التشمير على سواعد القوة والصبر والمثابرة والاستمرار مع ما يتطلبه ذلك من اقتصاد في السلوك. و“الاقتصاد في السلوك معناه السير الحثيثُ المتواصل بين طرفي الإفراط في الحماس الكاذب الذي يظهر على المبتدئين في السير ثم يخبو ويضمحِلُّ، وبين التراخي المالِّ الـمُمِلِّ الآئل إلى التوقف والفشل. هذان الطرفان المذمومان يُعَبِّرُ عنهما النطق النبوي بـ«الشِّرّة» و«الفَترة».

موردا الحديث الذي أخرجه الترمذي رحمه الله بإسناد حسن وصححه ابن حبان رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لكل شيء شِرَّةً، ولكل شيء فَتْرَةً. فإنْ صاحِبُها سدد وقارب فارجوه. وإن أشير إليه بالأصابع فلا تَعُدُّوه».

فكيف نسدد ونقارب، وكيف نربي النفوس وعلى ماذا نربيها، وما الطريق إلى الاستقامة وكيف الثبات عليها؟ يتساءل المتحدث.

أول الطريق: صحبة دالة على الخير، مدللة لوعورة الطريق:

ينقل الإمام عبد السلام ياسين عن الغزالي والبنا أنهما رحمهما الله تعالى كانا “يدلان أصحابهما على أن القلوب تمرض وأن لهذه القلوب أطباء. وبهذا يضعون قدم المريد (السالك الطالب وجه الله) على أول الطريق”.

وهو مثال حكيم من رجال خاضوا الطريق، يدلون غيرهم على أشرف المسالك إلى الاستقامة.

فالإنسان إذا مرض بدنه وأصابه شيء، لا محالة يقصد الطبيب ليدله على الدواء، وهؤلاء أطباء القلوب يصفون للسالك الدواء لأمراض القلوب وعللها، وطريق السلوك إلى الله تعالى.

طالع أيضا  ذ. فتحي يستحضر الهجوم الصهيوني على سفينة "مرمرة" في الذكرى 12 للعدوان على "أسطول الحرية"

وذلك لأن “سُلوك الطريق إلى الله عز وجل بلا إمام مرشد ولي مغامرة في وُعورة لا أول لها ولا آخر”.  كما يقول الإمام عبد السلام ياسين وهو ما يؤكده في كتاب المنهاج النبوي بقوله: “لا بد لك في الطريق من دليل يدلك على الله، ورفقة يربط الله عز وجل بمثالهم واستقامتهم في السير قلبك.”

هي إذا صحبة وجماعة، وصحبة في جماعة تنير للسالك إلى الله عز وجل الطريق، وتعينه على سلوكها، وتقيه من العصرات، ومن السقوط:

فكَم ســــــاقِـــط وجَريــــحٍ.. على الطَّـــريــــق الـمَخُـــوفْ

في البَـرِّ وعْرُ البَــــوادي.. وفي البُـحــــــــورِ الحُـــتــــــــوفْ

مـــــــــا لِلوصــــــول سَبيـــــلٌ.. إلاَّ بِخـــــــــــلٍّ عَـــــــطــــــــــــــوفْ

ومع الصحبة والجماعة، يحتاج السالك في طريقه إلى الله تعالى إلى الذكر:

فتلك العقبات الكبيرة وفي مقدمتها النفس لا بد لها من علاج، “وما للسالك إلى الله عز وجل من راحة من أفعى نفسه حتى يخرج من سلطانها ويكسر سوْرَتها بمطرقة الذكر على سندان المخالفة والمحاسبة حتى تفيء إلى أمْر الله”.

ودوام الذكر، وتغلغل الذكر في القلب عن طريق الأوراد اللسانية التفكرية طريق الولاية مع الصحبة. قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: «الذاكر لله عز وجل لا يفتر عن الذكر حتى ينتقل من حياة إلى حياة. فلا موت له سوى لحظة. (لحظة الانتقال من الحياة الدنيا الفانية إلى الحياة الآخرة الباقية). إذا تمكن الذكر في القلب دام ذكر العبد لله عز وجل وإن لم يذكره بلسانه. كلما دام العبد في ذكر الله عز وجل دامت موافقته له ورضاه بأفعاله. (…).

ذكر بالسان وذكر بموافقة الأمر والنهي، لأن ذكر الله باللسان والقلب، والاستغراق والاستهتار، والمحافظة على الأوراد، آناء الليل وأطراف النهار، بناء على غير أساس، إن لم يَصن ذلك الذكرَ الكثيرَ ذكرُ الله عند الأمر والنهي، ذكرُهُ عند حق كل ذي حق، ذكره في الدرهم والدينار، ذكره في الأمة التي تنتظر مجاهدين لإقامة دين الله في الأرض.

ويكون ذكر الله أعظم إن كانت دواعي الغفلة وأزمة الموقف أشدَّ. وبهذا يكون الذكر في الجهاد، الذكر عندما يخاف الناس ويزدحمون على مخارج الأمان ومهارب الجبن، أكبر الذكر.

ذكر جهاد لا ذكر قعود

ومع الذكر، يحتاج السالك كذلك في الطريق إلى الله إلى صدق في الطلب وصدق في العمل.

صدق في طلب وجه الله تعالى:

“والصدق سيف الله في الأرض، والثقة به سبحانه زاد السائر السالك. فمهما أخلَّ العبد بشرط الصدق قطعه سيف الله، ومتى اختلت ثقته بِربه عز وجل سقط على أم رأسه”.

أما إن وفَّى العبد بشرط الصدق فإن الله مع الصادقين. قال ابن القيم رحمه الله: «وهو (الصدق) سيف الله في أرضه، الذي ما وُضِعَ على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرعه. من صال به لم تُرَدَّ صولتُه. ومن نطق به علت على الخصوم كلمته. فهو روح الأعمال، ومِحَكُّ الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال».

طالع أيضا  العدل والإحسان تنعى ضحايا سقوط منازل بالبيضاء وتدعو إلى محاسبة المستهترين بأرواح المواطنين

وصدق الطلب لا بد له من علم:

فليكون سلوكنا على الصراط المستقيم، لا بد أن يكون سلوكا على بصيرة، واقتحاما على هدى لا على تخبط، على علم لا على ظن، على حق وسنة لا على هوى وبدعة.

وهو ما يلزم السالك في طريق الاستقامة أن يكون دائم البحث عن معالم وأمارات على الطريق، يتأكد بها أنه لم يزغ.

مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الحديث الذي رواه الحاكم عن أبي هريرة: «إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق». والصُّوَى جمع صُوَّة وهي الحجارة التي تعلم بها الطريق.

ومن أهم هذه الصوى والمنارات صدق العمل، فكما أن أفضل الذكر ما كان في ميدان الدعوة والحركة لبناء الأمة وتحقيق العدل مع الإحسان الفردي، فلا بد مع صدق الطلب، من صدق العمل، فالطلب رجاء، والعمل عطاء، اجتهاد وصبر ومصابرة، فهو سلوك، وسير وطريق تُقطع مسافاتها، وغاية يسعى إليها السالك. وما هي طريق معبدة سهلة، بل هي طريق وعرة، طريق مليئة بالعقبات.

وهذه العقبات تتطلب سلوكا جهاديا جماعيا، يشد المؤمنون فيه بعضهم، يتعاونون فيما بينهم على البر والتقوى، وعلى التقرب إلى الله تعالى،

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “الكينونة مع الصادقين التي حرص عليها القرآن الكريم هي مدخل الصدق إلى سكة السلوك، هي الطابع على جواز السفر بمداد التقوى”.

“ودون ذلك عقبات تحول دون الإنسان ودون الكيْنونة مع المؤمنين كينونة الصحبة والتلمذة والتعاون والالتحام والجهاد”.

في ختام هذا الموضوع نرجع لنؤكد على أنه لا بد في طريق السلوك إلى الله من الصحبة الدالة، مع الذكر المتواصل، والصدق طلبا وعملا، وهي الخطوات الأولى في الطريق، وإحكام الخطى الأولى شرط للاستقامة على الطريق، والنتائج لا تكون أفضل من المقدمات، و«من صحت بدايته أشرقت نهايته» فردا وجماعة كما يقول بعض علمائنا.