بسط الأستاذ الحسن شعيب معاني ودلالات قوله تعالى في سورة فصلت إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، أثناء الحصة الليلية لمجلس النصيحة عن بعد الذي نظمته جماعة العدل والإحسان حول موضوع: “الاستقامة والثبات عليها” ليلة وصبيحة الأحد 23 ربيع الأول من عام 1443 هـجرية الموافق لـ 30 و31 أكتوبر 2021 م.

توقف المتحدث بدايةً عند ما ذكره علماء التفسير في بيان معاني الآية، مضيفا كلام بعض العلماء عن الاستقامة، لاستخلاص الإشارات التربوية العملية المفيدة في طريق الله تعالى، خاتما مداخلته بلطائف لغوية وشذرات شعرية.

بدأ شعيب حديثه بتعريف السورة والسياق الذي جاءت فيه الآية، فسورة فصلت واحدة من المثاني، وهي سورة مكية، وقد نزلت بعد سورة غافر، وسميت كذلك لأن الله تعالى فصّل ‏فيها ‏الآيات، ‏ووضح ‏فيها ‏الدلائل ‏على ‏قدرته ‏ووحدانيته، ‏وأقام ‏البراهين ‏القاطعة ‏على ‏وجوده ‏وعظمته. أما سياق الآية، فجاءت بعد حديث المولى الكريم في حوالي عشر آيات عن الأمم الكافرة وما حاق بها من عذاب: ويوم نحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون… الآيات. تَشَوَّفَ السامع إلى معرفة حظ المؤمنين، فجاءت الآية تبين ذلك، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.

وانتقل بعد ذلك إلى الحديث عن تفسير الآية، التي افتتحت بحرف التوكيد، حيث يقول الإمام الطاهر بن عاشور صاحب التحرير والتنوير: “وافتتاح الجملة بحرف التوكيد منظور فيه إلى إنكار المشركين ذلك، ففي توكيد الخبر زيادة قمعٍ لهم”. ومعنى {قالوا ربُّنا الله}: أورد أئمة التفسير كثيرا من الأقوال منها: البراءة من الآلهة والأنداد، وعدم الشرك بالله، قال ابن عجيبة: نطقوا بالتوحيد واعتقدوا. و”قالوا” تفيد أيضا الجهر والصدع بكلمة التوحيد دون خوف ولا وجل. ثم استقاموا: ذكر صاحب الإشارات، أن “ثُمَّ” حرف يقتضي التراخي، فهو لا يدل على أنهم في الحال لا يكونون مستقيمين، ولكن معناه استقاموا في الحال ثم استقاموا في المآل بأن استداموا إيمانَهم إلى وقت خروجهم من الدنيا، وهو آخرُ أحوالِ كونِهم مُكَلَّفين. وذكر صاحب التحرير والتنوير أن معنى حرف العطف الذي على التراخي يعني أن “الاستقامة زائدة في المرتبة على الإِقرار بالتوحيد لأنها تشمله وتشمل الثبات عليه والعملَ بما يستدعيه“. ونفهم منه كذلك أن الاستقامة ليست ضربة لازب بل هي عمل دءوب مستمر يتطلب زمنا.

طالع أيضا  فضل عشر ذي الحجة المباركة

ثم انتقل المتدخل إلى عرض معاني الاستقامة في اللغة، فقد قال الزجاج: “والاسْتِقامةُ الاعْتدالُ، يقال: اسْتَقامَ له الأمر، وقام الشيء اعتدل واستوى. قال كعب بن زهير:

فَهُمْ صَرفُوكم، حينَ جُزْتُمْ عنِ الهُدَى  —  بأَسْيافِهِمْ حَتَّى اسْتَقَمْتُمْ على القِيَمْ

قال: القِيَمُ الاسْتِقامةُ، ومنه قول الشاعر:

إن الغصون إذا قومتها اعتدلت  —-  ولا يقوم إذا عدلته الحطب

أما معناها في الآية، فعن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا، قال: “قد قالها الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها فهو ممن استقام“. وعن أبي بكر: “ثم استقاموا أي لم يشركوا بالله شيئا“، وعن عمر: “استقاموا على الطريقة لطاعته ثم لم يروغوا روغان الثعَالب“. وقال عثمان استقاموا: ثم أخلَصوا العمل لله. وعن علي ثم أدّوا الفرائض. وهكذا فقد تكلم الخلفاء الأربعة في معنى الاستقامة نظرا لأهميتها، وترجع أقوالهم كلها إلى معنى الاستقامة في الإِيمان وآثاره، قال ابن عباس: استقاموا على أداء فرائضه، وعن مجاهد بن جبر قال: استقاموا على: “لا إله إلا الله”، وتطلق الاستقامة بوجه الاستعارة على ما يجمع معنى حسن العمل والسيرة على الحق والصدق.

أما في قوله تعالى: تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا فها هنا ينتقل المتحدث إلى الحديث عن ثمرات الاستقامة وما يتحصل منها، حيث ذكر المفسرون أن الملائكة تتنزل عليهم عند الموت تبشرهم بما أعد الله لهم. لا تخافوا على ما أنتم مقدمون عليه من أمور الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلفتم وراءكم من أهل وولد، فإننا نخلفكم في ذلك كله. وفي قوله وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون معناه وسرّوا وافرحوا بأن لكم في الآخرة الجنة التي كنتم توعدونها في الدنيا على إيمانكم بالله، واستقامتكم على طاعته، وأبشروا بحسن المآب.

طالع أيضا  د. أبو مرزوق: القبول بالتطبيع ناهيك عن المشاركة فيه "جريمة أخلاقية وسقطة سياسية وخيانة للأمانة"

بعد هذه الجولة في بطون كتب التفسير، توقف شعيب عند بعض الإشارات التربوية التي بدت في هذه الآية الكريمة، حيث وردت الآية بصيغة الجمع ولم تأت بصيغة المفرد، وهذا يدل على أهمية الصحبة والجماعة في تحقيق الاستقامة، الاستقامة بحاجة إلى عون من الله أولا، ثم من المؤمنين الذين هم في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد، الذي إن مرض عضو فيه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وفي نفس المعنى نقرأ قول الله جل وعلا: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الدين أنعمت عليهم، هؤلاء جمع ممن مضوا وممن هو آتون إلى يوم القيامة، كما نقرأ قوله تعالى فاستقيموا إليه واستغفروه، وقوله وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا، وحتى حين خاطب المولى نبيه مباشرة طالبا منه أن يستقيم، ذكر الذين معه فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا، وهذه هي التي قال فيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “شيبتني هود وأخواتها”.

الإشارة الثانية القول باللسان يعني الصدع والجهر بالحق لا إخفاءه، ونقرأ في سيرة الرسول عليه السلام أنه كان بمشي في الأسواق، ويقول: “يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا” ونقرأ في الحديث النبوي: “قل آمنت بالله ثم استقم”. القول ظاهر والفكرة مضمرة، وقد أمرنا أن نقول للناس حسنا، والكلمة الطيبة صدقة. ثم إن القول باللسان لا بد أن يصدقه العمل، والقول دعوى والاستقامة برهان.

ومن جملة الإشارات أيضا، التي وقف عندها الأستاذ شعيب، هي أن الاستقامة عمل شاق مستمر في الزمن، ويلزمه جهد كبير، ولا يتحقق ضربة لازب. وكذلك أن الاستقامة تكون في الجوارح وفي الأسرار أيضا، وهذه أعلاها، وأهم الجوارح اللسان: في الحديث: “لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه”، وفي الحديث أيضا أن الأعضاء تخاطب اللسان، فتقول: “اتق الله فينا؛ فإنما نحن بك؛ فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا”.

طالع أيضا  فصّلت في الشأن الوطني وعرجت على الواقع الدولي.. كلمة للدكتور متوكل ترقبوها عشية غد الجمعة

وختم المتحدث الإشارات بتأكيده أن من مفاتيح الاستقامة ذكر الله الكثير، وصحبة الصالحين، لكي يستقيم العبد عليه بملازمة المستقيمين، كما أن التقرب المستمر إلى الله بالفرض والنفل مما يعين على الاسقامة، ويعين عليها بر الوالدين وصلة الرحم وحسن الخلق. هذه بعض مفاتيحها وما أكثرها، بل إن التحلي بشعب الإيمان مما يعين العبد على الاستقامة. أما مغاليقها فالذنوب والمعاصي والغفلة عن الله وإذاية الخلق وغير ذلك مما يحط من رتبة العبد.