عَدَّ فضيلة الأستاذ محمد عبادي الاستقامة “مقاما عظيما لا يطيقه إلا الأكابر كما يقول أولياء الله تعالى”، وأضاف أثناء كلمته في ختام الحصة الليلية لمجلس النصيحة عن بعد الذي نظمته الجماعة حول موضوع: “الاستقامة والثبات عليها” ليلة وصبيحة الأحد 23 ربيع الأول من عام 1443 هـجرية الموافق لـ 30 و31 أكتوبر 2021 م، أن المطلوب هو أن نعيش الاستقامة، لا أن نتحدث عنها، فليكن حديثنا، يزيد موضحا، تحفيزا وتشويقا لهذا المقام.

 واعتبر السد الأمين العام لجماعة العدل والإحسان أن الاستقامة هي “جوهر الدين؛ فهي صدق وإخلاص، صبر وثبات، جهاد ومجاهدة، وتمسك بالحق في السراء والضراء، والمنشط والمكره، والعسر واليسر”، كما استعار كلاما للإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله فاعتبر الاستقامة “اقتحام صاعد لعقبة صاعدة”.

وزاد باسطا معاني الاستقامة أن “أعلى مراتبها هي أن تعيش بالله ولله ومع الله حتى تلقى الله عز وجل، بحيث لا يفتقدك حيث أمرك، ولا يجدك حيث نهاك، أن تذكره فلا تنساه أبدا، وأن تشكره فلا تكفره أبدا”. والاستقامة، يواصل سماحته، أفضل مكرمة يكرم بها الله أولياءه من عباده؛ إنها سير على السراط المستقيم الذي سار عليه الموكب النوراني في قوله تعالى وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ، وفي قوله تعالى أيضا: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا.

وقد انتقل الأستاذ عبادي بعد هذا البسط الماتع لمعاني الاستقامة إلى طرح سؤال حول ثمراتها وفوائدها، ليعلق مجيبا أنها لا تحصى ولا تعد لأن “كل ما وعد الله به المؤمنين من خيري الدنيا والآخرة من رحمات وبركات وفتوحات إلا وكان لأهل الاستقامة الحظ الأوفر من كل ذلك”. وأضاف مفسرا أن بالاستقامة يستقيم قلب الإنسان فيكون ذكر الله هو الساكن فيه، وبها يستقيم لسانه فلا ينطق إلا بالحكمة، ومن خلالها أيضا يستقيم فكر الإنسان فلا تكون أفكاره إلا مصادفة للصواب، وتستقيم جوارحه تبعا لكل ذلك مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا أصبح ابنُ آدمَ فإنَّ الأعضاءَ كلَّها تكفِّر اللسانَ، فتقول: اتقِ اللهَ فينا؛ فإنما نحن بك؛ فإن استقمت استقمْنا وإنِ اعوججتَ اعوججنا”. رواه الترميذي عن أبي سعيد الخدري.

طالع أيضا  قضايا ومواقف من حوار رئيس الدائرة السياسية للعدل والإحسان

وبالاستقامة، يضيف المتحدث، تستقيم أمور الإنسان ويستقيم أولاده الذين هم ثمرة من شجرته التي إن صلحت صلحت ثمارها والعكس. وهي أيضا مورثة لاستقامة الأزواج وذلك مصداقا لقول الله تعالى في حق سيدنا زكرياء: وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ، ليعلق فضيلة الأمين العام أن إصلاح الزوج نتيجة لاستقامة النبي الكريم في طريق الله تعالى.

ومن ثمرات الاستقامة أيضا أنها تفتح أبواب الرزق على مصراعيه على أصحابها خاصة عندما تكون هاته الاستقامة جماعية، مصداقا لقوله عز وجل: وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا. كما أنها، أي الاستقامة، تربط أهلها بالملأ الأعلى من الملائكة الأطهار التي تغشى مجلس المؤمنين والمؤمنات وتحضر معهم في صلواتهم وأعمالهم كلها كما وردت بذلك أحاديث نبوية كثيرة.

ومع الاستقامة أيضا يكون الفلاح، ليستدل أستاذنا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: “استَقيموا تُفلِحوا” رواه ابن ماجه عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبالاستقامة تكون كذلك حسن الخاتمة، لأن المرء يوضح الأمين العام يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه، فإذا عاش على الاستقامة فلا يموت إلا عليها، معززا كلامه بالآية القرآنية التي قال فيها الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ.

وبعد سؤال الثمرات والفوائد، انتقل السيد عبادي بالحاضرين في مجلس النصيحة إلى سؤال الكيف والسبل والوسائل إلى تحقيق هذه الاستقامة، موردا بعضا منها يراها من أهمها وهي، نوردها موجزة:

1-     الصحبة والجماعة: لأن من أفلح إنما أفلح بصحبة من أفلح على حد تعبير محدثنا، والعكس في قوله تعالى: وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا؛ فالمصحوب، يقول فضيلة الأمين العام: “إلزامي وضروري في الوصول إلى مقام الاستقامة لأنه يرفع همتك ويربطك بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم”، معززا كلامه بقول للإمام ياسين رحمه الله من كتاب الإحسان يقول فيه: “من استقام على صحبة الكاملين دامت له كرامة التوفيق. ومن انعزل عن جماعة الصالحين ابتلعته الفتنة المحيطة”.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين: العالم الناصح

وهذه الصحبة لا بد لها من جماعة تحتضن الطالب للاستقامة وتأخذ بيده وتعينه على أمرها، لأن “الذئب إنما يأكل من الغنم القاصية”.

2-     المداومة على الطهارة بمعناها الشامل من طهارة للقلب والعقل والبدن، وهي سلاح المؤمن الذي يعينه على الاستقامة والبعد عن وساوس الشيطان النجس، لأن الطاهر والنجس ضدان لا يلتقيان يوضح الأستاذ عبادي.

3-     الإكثار من ذكر الله عز وجل.

4-     الدعاء

5-     حضور مجالس العلم والايمان

6-     المحاسبة والتوبة.

وقد ختم فضيلته كلمته الجامعة هاته بالدعوة إلى الاستقامة الجماعية، لأن الاستقامة ليست هي كما يشاع اليوم التزام الفرائض وترك شؤون الناس، بل هي إسهام في تأدية واجب الاستخلاف الإلهي للإنسان في أرضه عز وجل، بأن تكون الأرض كلها خاضعة لمنهج الله تعالى لتستقيم. وهذه المهمة، عدها الأستاذ عبادي من أهم الفرائض العينية التي تقتضي من الجميع التعاون وتكاثف الجهود والاجتماع على البر والتقوى، نشرا للخير والبركة والرحمة والنور بين خلق الله عز وجل.