وصف الناشط الحقوقي الأستاذ عبد الرزاق بوغنبور القرار الذي اتخذته الدولة ليلة عطلة ذكرى المولد النبوي، القاضي باعتماد “جواز التلقيح”، والذي تتواصل تداعياته المربكة على الحياة العامة المواطنين، بأنه “خطوة غير محسوبة”، ولا يحترم أبسط المساطر الدستورية والقانونية في اتخاذ وتنفيذ قرارات مصيرية تتعلق بحقوق الأشخاص وحرياتهم، كما أنه يستهدف المس بحقوق كونية ودستورية جوهرية، من شأنها أن تؤثر سلبا على السير العادي لحياة المواطنين والمواطنات، ويربك أجندات والتزامات أغلب المواطنين.

إجراء غير قانوني نتج عنه المس بالعديد من الحقوق

وانتقد المنسق السابق للائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، اتخاذ الدولة المغربية لقرار اعتماد ما أسمته “جواز التلقيح” خيارا وحيدا وأوحدا لولوج الموظفات والموظفين وكافة المرتفقين للإدارات العمومية والخاصة، وكل المؤسسات الخدماتية المختلفة وقاعات الرياضة، وكل الفضاءات المغلقة.

بوغنبور في تصريح مطول خص به موقع الجماعة نت، وصف إسناد تنفيذ هذه المهام واحترام هذا القرار إلى مسؤولي كل هاته المرافق المذكورة، بأنه “إجراء غير قانوني نتج عنه المس بالعديد من الحقوق الجوهرية للمواطنات والمواطنين”.

وأوضح المتحدث أن لجوء الحكومة إلى إلزام المسؤولين بالمرافق العامة والخاصة وغيرها بالمراقبة والتأكد من حمل المرتفقات والمرتفقين للجواز من عدمه وفحص الهوية وصحة الجواز، ومنع غير الملقحين والملقحات من الولوج إلى المرفق أو المؤسسة المعنية هو من صميم اختصاص عمل السلطة العمومية، وأن المعاقبة أو الزجر على المخالفة هو من صميم اختصاص القضاء، وأن تفويته أو تفويضه للأغيار يعد خرقا سافرا للقانون وتشجيعا على الفوضى والانتقام، وأخذ الناس لما يمكن اعتباره حقا لهم بأيديهم والاعتداء على بعضهم بعضا، “بحيث منحنا “اختصاصا” مزيفا بموجبه أصبح نصف الشعب يراقب النصف الآخر”.

وشدد المتحدث على أن إلزام جميع المسؤولين في القطاعين العام والخاص بالحرص على “التنزيل السليم” لكل هذه الإجراءات، وجعله تحت مسؤوليتهم القانونية المباشرة، هو “ضرب سافر لكل القوانين المعمول بها وهو اختصاص أوكله المشرع للسلطات العمومية، ولا يحق لأي كان وتحت أي ظرف تصريفه أو تعليل مباشرته”.

غموض مطلق ومقصود

وأضاف بوغنبور أن هذا القرار يشكل خرقا سافرا لمجموعة من الحقوقية الأساسية التي يضمنها الدستور مما يعني “ضرب الحقوق الأساسية للمواطنة الحقة، مثل الحق في حرمة الجسد، وحرية التنقل والتجوال وارتياد المرافق العامة والخاصة، والحق في الاختيار؛ والحق في الصحة والحق في الوصول الى المعلومة”.

وفي ملاحظاته ذهب المتحدث إلى أن البلاغ الذي يتحدثون عنه “غير موجود إلا في قصاصة لوكالة الأنباء الرسمية (لا ماب)، وغير موقع ولا يحمل أي خاتم”، وبالتالي -يضف المتحدث- “لا يمكن اعتباره وثيقة قانونية رسمية يمكن الاعتماد عليها للإجراءات المتعلقة بالطعن لدى المحاكم المختصة”، وأرجع ذلك إلى كونه ليس وثيقة متكاملة الأركان يمكن الاحتجاج بها أمام المحاكم للدفاع عن القرار أو للطعن فيه.

طالع أيضا  المرصد المغربي لمناهضة التطبيع يدين بشدّة "السقطة التطبيعية" لوزير الطاقة والمعادن

وبينما لم يذكر البلاغ أي حديث عن منع ولوج أماكن معينة في حال عدم التوفر على الجواز، بل خص التنقل فقط بالحديث لا غير، أوضح بوغنبور أن البلاغ في فقرة أخرى “يتحدث عن أن جواز الجرعة الأولى يمكن من الاستفادة من بعض الامتيازات التي يتيحها جواز التلقيح النهائي! وتحسين الولوج لعدد من المصالح والخدمات”. وبناء على ذلك يتساءل بوغنبور “هل تحولت الحقوق المكتسبة بقوة القانون إلى امتيازات يخولها هذا الجواز في زمن الاستثناء المغربي؟ وإلا فما معنى تحسين الولوج من خلال ما ورد في هذا البلاغ؟ يضيف الناشط الحقوقي قبل أن يؤكد “إنه الغموض المطلق والمقصود”.

إجراء غير قانوني ولا سند له

وسجل بوغنبور تأسفه من كون هذا الإجراء وضعه “مشرع مافيوزي”، موضحا أنه إما “بليد لدرجة لا تتصور، أو خبيث قانوني، بحيث وضعنا أمام حالة غريبة يصعب معها الانتقال إلى مرحلة الطعن في “القرار”، لأن المحكمة المختصة ستطالبك بنسخة من القرار/ البلاغ موضوع الطعن، وهو ما لا يتوفر لدينا لأننا ببساطة أمام خبر صادر عن وكالة الأنباء الرسمية المغربية”.

وتبعا لذلك فإن المغاربة سيعيشون مرحلة من الارتجال في تطبيق القانون كما يحدث الآن، ضحيته بالأساس عامة المواطنين. معتبرا بذلك كما بقية النشطاء الحقوقيين “أننا أمام إجراء غير قانوني ولا سند حقوقي له”.

وشدّد على أن الجهة التي أصدرته كانت تدرك هذه الغاية وبالتالي تعمدت إصداره بشكل مبهم، لأنها تدرك وتعلم بتناقضه مع المقتضيات القانونية عامة، ومع قرار سابق خاصة المتعلق باختيارية التلقيح، والتي تم التصريح والإعلان عنها سابقا، كما أن هذه الطريقة المعتمدة في التنزيل ستجعل الدولة “بمنأى عن أي مساءلة قانونية أو قضائية محتملة في حالة الإعلان عن إجبارية التلقيح بشكل رسمي وتصبح مسؤولية الدولة قائمة في تعويض ضحايا التلقيح نتيجة الوفيات والأضرار الصحية الناتجة عنه”.

كما أن الدولة وفق بوغنبور، ستتمكن من تطبيق الإجبارية بأثر رجعي دون اعتماد ذلك بقانون، وهي مخالفة قانونية صريحة، لأنها تدرك من خلال المعطيات الدولية، أن التلقيحات والتجارب السريرية “لم تكتمل صورتها النهائية طبيا”. موضحا أن السرعة والارتجالية التي طبعت هذا القرار تثير الاستغراب وتدعو إلى القلق.

“إجبارية الجواز” حل عاجل لطي “الصفقات المشبوهة”

وذهب المتحدث إلى “احتمال” وجود خلفيات أخرى وراءه، والمتمثلة بالأساس في إمكانية “وجود مخزون كبير وفائض من اللقاح مدة صلاحيته على وشك الانتهاء، مما جعل المرور بالسرعة القصوى نحو إجبارية الجواز وبالتالي إجبارية التلقيح، كحل عاجل لاستنفاذ المخزون حتى لا يضيع، وبذلك تطوى صفحة “الصفقات المشبوهة” التي تناولتها المواقع الإخبارية المختلفة، يضيف بوغنبور.

ولعل التعتيم الرسمي الممارس في ملف التلقيحات والصفقات المقترنة به، يقول بوغنبور إنها “توحي بعمليات تلاعبات خطيرة طالت صحة المواطنات والمواطنين ومالية الدولة وساهم بشكل قوي في المس بأسمى الحقوق ألا وهو الحق في الحياة”.

طالع أيضا  قرار باشا مدينة القنيطرة القاضي بمنع الوقفة التضامنية مع البيوت المشمعة يفتقد للمشروعية

أما التساؤل الذي يفرض نفسه يضيف المتحدث هو “متى فكرت الحكومة في صحة المواطنين بهذا الأسلوب لدرجة فرض إجبارية التلقيح، والحال أننا أمام أمراض متعددة وخطيرة نسبة الإماتة فيها أخطر بكثير من كورونا، لدرجة أن الأجهزة الأمنية والقضائية تتحرك بشكل قوي لتكريس التسلط والقمع الجسدي والنفسي في حق كل من احتج ضد هذه الممارسات المنافية للحقوق والحريات العامة والخاصة”.

الأمر لا يتعلق بجرعة ثالثة أو رابعة، يقول بوغنبور، ثم يشدد على أن “الأمر أكبر بكثير من ذلك” لافتا إلى أن من تلقى جرعتين ورفض الثالثة وما بعد الثالثة فقد بدأ يستيقظ من التنويم الإعلامي “وهذا ما تخافه الدولة؛ صحوة شعبية من أجل المساءلة والمحاسبة”.

تداعيات على الحقوق السياسية الاقتصادية الاجتماعية والثقافية

واعتبر بوغنبور أن التداعيات المترتبة عن هذا القرار “خطيرة جدا” لكونها ستؤثر على السير العادي لحياة المواطنين والمواطنات بصفة عامة، كما أن خطورته على الحقوق السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية والثقافية، وعلى التزاماتهم التي قد تكون مصيرية تتعلق بصحتهم وحياتهم وأموالهم، وحقهم في الانتصاف بولوجهم إلى المحاكم والإدارات.

ولفت إلى أن القرار سيخلق “بلبلة” وإشكالات لن تؤدي “إلا إلى مزيد من السخط والاحتقان في صفوفهم، خصوصا وأن أغلب المواطنات والمواطنين ما زالوا يعيشون على وقع الانعكاسات الخطيرة والضرر الاجتماعي والنفسي الذي خلفه الوباء اللعين والإجراءات المرتبطة به”.

ووصف بوغنبور القرار المتخذ والمعمول به حاليا بأنه “غير دستوري وبدون سند قانوني”، كما أنه تراجع صريح عن اختيارية التلقيح المعلن عنها والمصرح بها سابقا، وهو ما يبرز التناقض في تصريحات المسؤولين أنفسهم بخصوص النسبة المطلوبة لبلوغ المناعة الجماعية، “وهو ما يبين الرغبة الحثيثة في فرض تلقيح جميع المواطنين/ات دون اعتماد أية دراسة علمية، وفي غياب الشفافية بخصوص اللقاحات المعتمدة في المغرب وما يولد ذلك من تخوفات وتوجسات من آثارها ومضاعفاتها الجانبية على الصحة العامة للمواطنين/آت”.

ولفت إلى أن فرض جواز التلقيح لا يمكن أن يكون إلا بمقتضى قانون، وليس ببلاغ أو قرار تنظيمي، مشيرا إلى أن هذا القرار “يذكرنا بالبدايات الأولى السيئة لتعامل الدولة مع الجائحة حين ظهورها”، التي تميزت بالخروقات القانونية بالجملة وكان فرض الحجر الصحي والإغلاق والتراجع عنه حسب الأهواء والمصالح الضيقة للدولة على حساب المواطنات والمواطنين”.

 وفي كل الحالات؛ شدد بوغنبور على أنه لا يمكن تحويل حالة الطوارئ الصحية المؤقتة إلى حالة استثناء دائمة من أجل الإجهاز على الحقوق والحريات وقمع المنتقدين والممانعين للسياسات العمومية اللاشعبية المتخذة.

تناقض قبول كشف (PCR) من البعض ورفضه من البعض

واعتبر بوغنبور أن ممارسة مديرية الأمن الوطني وغرفة البرلمان، يكشفان عن “تناقض صارخ”، حيث إن الأولى اشترطت على المترشحين لاجتياز مباراة الأمن، إما التوفر على جواز التلقيح أو إجراء كشف (PCR) لمن تعذر عليهم ذلك، في مقابل ذلك اشترط مجلس النواب على البرلمانيات والبرلمانيين التوفر على الجواز حصرا دون غيره.

طالع أيضا  د. فرانسوا: واصلوا نضالكم الحقوقي فالمستبدون سيدفعون الثمن عاجلا غير آجل

وبالتالي -يقول بوغنبور- أضحى النائب البرلماني عرضة للإيقاف والمنع من ولوج البرلمان كما حدث مع الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد الدكتورة نبيلة منيب، التي منعت من الدخول لقبة البرلمان رفقة نائبة ونائب آخر، من القيام بمهامها البرلمانية المنتدبة من أجلها من طرف فئة واسعة من المواطنات والمواطنين، وبالتالي يمنعان من القيام بمهمة المحاسبة ومراقبة العمل الحكومي، وهو الأمر الذي يقتضي منها الامتثال لقوانين رغم اقتناعها بعدم دستوريتها شكلا ومضمونا.

ومن هنا سجل بوغنبور أن التعامل مع القرار الذي وصفه بـ”المشبوه” من قبل مديرية الأمن الوطني يختلف مع مؤسسة تعتبر إداريا “تشريعية” لأنها “تعاملت مع القرار بغباء واضح وكأنها إدارة فرعية مغلوبة على أمرها، علما أن سلطتها أقوى ممن اتخذ القرار”.

وبناء على تحليله؛ اعتبر بوغنبور أن المغاربة “أمام قضية لها أبعاد أخرى وليست أهمية التلقيح من عدمه”، معتبرا أن الأمر لو كان بهذا المستوى “لاستنفرت الدولة مؤسساتها المختلفة للتوعية والإقناع من أجل حملة وطنية اختيارية للتلقيح، ولتطوع معها كثير ممن يرفضون اليوم فرض الجواز بهذه الطريقة”.

إننا ببساطة أمام حالة للطوارئ الصحية من أجل “إعادة الهيبة المفقودة للدولة” عن طريق ممارسة المزيد من القمع والسلطوية خارج أي إطار قانوني في إطار ما سمي بـ “إعادة تربية المغاربة” التي أعلن عنها سابقا رئيس الحكومة الحالية.

وهذا كما يراه بوغنبور “سيجعل جبهة الرافضين لجواز التلقيح وإجباريته، ستتسع وتكبر رغم أقليتها عدديا حتى الآن”. مردفا أن المسؤولين لو كانت لديهم ذرة كرامة وحب للمغاربة “لكان توجههم الأول نحو المستشفيات العمومية من أجل تأهيلها لوجستيكيا ودعمها بالموارد البشرية المؤهلة اللازمة، ومعاقبة كل من يتهاون في تقديم الخدمات الطبية اللازمة للمرضى، وإيقاف احتكار مادة الأوكسجين والبحث عن طرق بديلة ممكنة لإنتاجه ووضعه رهن لإشارة مرضى كوفيد، بدل التوجه نحو تلقيح المغاربة بلقاح ما زال في طور التجريب السريري ومضاعفاته غير واضحة لحدود الآن”.