تعرف أسعار المواد الغذائية ارتفاعاً مهولا خلال شهري سبتمبر وأكتوبر الجاري، وهو الأمر الذي رافقته حالة من التذمر في صفوف المواطنين، خاصة أن هذه الارتفاعات تأتي في أعقاب حالة الإنهاك الاقتصادي التي تسببت فيها جائحة “كورونا”.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي أخبار ارتفاع الأسعار بتذمر شديد، متسائلين عن غياب الحكومة وعن دور مجلس المنافسة في حماية المستهلكين واستغلالهم في ظروف الجائحة الصعبة.

غلاء فاحش للمواد الغذائية

انتقدت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان ما وصفته بـ”التراجعات” التي عرفتها بلادنا خلال الفترة الأخيرة، “نتيجة تخلي الحكومة عن أدوارها وتسليم مفاتيح المصلحة العامة للمغاربة إلى اللوبيات الاقتصادية”.

واعتبرت العصبة في بيان لها أن سكوت الحكومة عن الارتفاع “المفضوح” لأسعار المحروقات وعدد من المواد الاستهلاكية هو أبرز وسيلة إيضاح، “حيث لا يجد المواطنون أي مبرر للتغاضي عنها وعدم التدخل بتدابير تحد من زيادتها”.

وأضاف البيان أن ذلك يعطي المجال لتأكيد فرضية ترجيح الحكومة لكفة أرباب شركات المحروقات وشركات تصنيع وبيع المواد الاستهلاكية والغذائية على حساب البسطاء من أبناء هذا الوطن. مسجلا شجبه “تعامي الحكومة على الغلاء الفاحش للمواد الغذائية الأساسية والمحروقات ومطالبتها بضرورة تسقيف أثمنة المحروقات وكذلك المواد الغذائية الأساسية ودعمها للحفاظ على السلم الاجتماعي والطمأنينة والسكينة العامة”.

ضرب القدرة الشرائية للمواطنين

وبينما عرفت المواد الغذائية والمحروقات ارتفاعا مبالغا فيه للأسعار وفق ما سجله حقوقيون، أكدوا أن ذلك مما يؤثر سلباً على القدرة الشرائية لعامة المواطنين، ويزيد من تفاقم الأوضاع.

ومن الناشطين من يرد الأمر إلى ضعف مراقبة الأسعار، بسبب الفترة الانتخابية وما أعقبها، كما أن هناك فئة من المواطنين لا يعرفون السب الحقيقي لارتفاع الأسعار خاصة في غياب أي توضيح من قبل الحكومة “التي سكتت عن هذه الزيادات في وقت وعدت المغاربة بالزيادة في الأجور والتشغيل…”.

طالع أيضا  الدولة “اللاجتماعية” والجائحة: قراءة في الوضع الاجتماعي بالمغرب على ضوء نداءات فاتح ماي 2021

وأشار رئيس المنتدى المغربي للمستهلك في تصريح لإحدى وسائل الإعلام “إلى أن تحديد الأسعار لا يتعلق في عصرنا الحالي بمجرد وجود عاملي العرض والطلب بقدر ما يتعلق الأمر باستراتيجية تحديد الأسعار، هذه الاستراتيجية التي تخضع اليوم لاستراتيجية القوى الاجتماعية والاقتصادية والتي تكون إحدى دعاماتها الأساسية المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات الاقتصادية تجاه المستهلك، وذلك بتوفير المعلومات الأساسية والواضحة والعلنية عن السلع وأسعارها، وباستخدام أساليب نزيهة وشفافة في التعاملات؛ ذلك أن مبدأ الشفافية مسألة أساسية لتحقيق الرفاهية في المجتمع، سواء كان من قبيل المستهلك أو التاجر”.

أسعار المحروقات تواصل الارتفاع

هذا وتتواصل أسعار المحروقات في منحاها التصاعدي، من خلال الزيادات المستمرة لهذه المادة الحيوية منذ أسابيع، وهو ما يؤثر على كافة المواد الأساسية المتوقفة على وسائل النقل، وهو ما يزيد من تدمير القدرة الشرائية للمغاربة.

وقفز سعر الغازوال في المغرب إلى 9,97 دراهم للتر الواحد بزيادة 50 سنتيما، أما سعر البنزين الممتاز فقد وصلت 11,97 درهما. ويرى خبراء في مجال الاقتصاد أن الزيادة التي شهدها الوقود بالمغرب، ستنعكس سلبا على المواد الغذائية الضرورية، حيث ستعرف زيادات جديدة تثقل كاهل المواطن المغربي.

وتعود أسباب هذا الارتفاع إلى ارتفاع أسعار النفط على المستوى العالمي إلى أعلى مستوياتها منذ أكتوبر 2014، إلا أن خطورة استمرار ارتفاع أسعار المحروقات تكمن في التأثير على أسعار مجموعة من المواد الضرورية، لأن كل المواد تنقل للسوق عن طريق استعمال البنزين مما يزيد في تكلفة كل المنتوجات.

ويرى اختصاصيون أن تحرير أسعار المحروقات من طرف الدولة ساهم بشكل كبير في عدم التحكم في الأسعار، وهو ما يجعل المغاربة بشكل مباشر أمام جشع أباطرة المحروقات، وذلك ينعكس سلبا على أصحاب الدخل المحدود.

طالع أيضا  ذ. العلمي: اكتظاظ الأسواق نهار رمضان وحقوق التجار ليلا والصلاة تجعل قرار الإغلاق بعيدا عن الحكمة

المغاربة بين تداعيات الجائحة وارتفاع الأسعار

ويرى ناشطون أن المغاربة قدر عليهم أن يعيشوا المعاناة بين ما خلفته كورونا من تداعيات على جميع مناحي الحياة من جهة، وبين موجة الغلاء التي باتت شبحا يطارد آلاف الأسر التي باتت عاجزة عن مسايرة هذا الارتفاع الصاروخي من جهة ثانية، وأضف عليها من جهة ثالثة الإجراءات السلطوية التي تفرضها السلطات مستغلة بذلك الطوارئ الصحية التي ما تزال سارية المفعول.

هذه الموجة من الغلاء التي عصفت بالمواد الأساسية وأسعار المحروقات، بلغت ذروتها في الزيت والقمح والخضر والفواكه والدجاج، وهو ما خلف موجة غضب واستياء واسع في صفوف المغاربة.

ارتفاع أسعار المواد الفلاحية ينذر بالمزيد

ولم يكن الارتفاع الصارخ في الأسعار يخص المواد الغذائية والمحروقات، بل وصل أيضا إلى المواد الفلاحية، حيث تدمر بعض الفلاحين جراء ارتفاع أسعار البذور والأسمدة ومختلف المستلزمات الفلاحية، وهو ما قد ينعكس على الموسم الفلاحي برمته ونحن في بدايته.

وسجل عدد من الفلاحين ارتفاع أسعار المستلزمات الفلاحية، خصوصا فيما يخص مواد التسميد، وأسعار بذور القمح الصلب والشعير والقمح اللين، وهو ما سيرفع كلفة الإنتاج، حيث يتوقع بعضهم “أن تكون جد مرتفعة خلال هذا العام، ويقلل ذلك من هامش الربح”.

وستكون لهذه الزيادات في الأسعار، بحسب ما أكده الفلاحون، تداعيات سلبية على القطاع الفلاحي، الذي يعيش أزمة خانقة بسبب جائحة كورونا، وكذا بسبب تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات.

وذهب مختصون بالشأن الفلاحي إلى أن المغرب لا يتوفر على إنتاج وطني من بعض المنتوجات التي تصنع منها الأسمدة، حيث يستورد جزءا كبيرا من هذه الأنواع من الدول الشرقية وبعض الدول الأوروبية.