بسط الدكتور عمر إحرشان أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية عن خصائص الدخول السياسي الراهن، مشيراً إلى أن الدخول السياسي هو تقليد معروف في المجتمعات الديمقراطية، يُستعمل كمصلح في وسائل الإعلام بداية شتنبر التي تعرف انطلاقة موسم سياسي بعد عطلة ينال فيها الفاعل العمومي راحة بعد سنة من العطاء.

الأسئلة التي طرحها إحرشان من أجل التجاوب مع الندوة التي نظمتها قناة ريفيزون، وشارك فيها كل من أبو بكر الجامعي ومحمد الساسي وخالد البكاري وسيرها أطورها فؤاد عبد المومني، كانت هي: ما الذي يميز الدخول السياسي هذه السنة في المغرب؟ وما هي خصائصه في 2021؟ وما هي رهاناته وما رهانات الفاعلين فيه؟ وما هي انتظارات المغرب منه؟ وما هي الفرص التي يتيحها للمغرب وللمغاربة ولهؤلاء الفاعلين؟ وما هي التحديات المطروحة؟

وطرح المتحدث بعضا من الخصائص التي ستبصم هذه السنة بالتأكيد، وقد تصم المستقبل القريب المرتبط بهذه الولاية. وأهم خاصية، واعتبرها المتحدث هي الأولى، هي أننا أمام دخول سياسي لولاية انتدابية جديدة، سواء محليا أو جهويا أو وطنيا، بعد انتخاب أجريت في 8 شتنبر، بما لها وما عليها، وأظن يضيف إحرشان بأن رسالة هذه الانتخابات وصلت للجميع، سواء من حيث نسبة المشاركة، أو طريقة تشكيل الأغلبيات مركزيا ومحليا وجهويا. 

الخاصية الثانية هي التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للجائحة، التي بالتأكيد بدأت تلقي بكلكلها على المغرب. أما الخاصية الثالثة لهذا الدخول السياسي هو توتر علاقات المغرب مع محيطه بأكمله، إسبانيا والجزائر والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وروسيا إلى غير ذلك. لدرجة أنه في الخطاب الملكي البرلماني الافتتاحي لهذا الدخول السياسي يلاحظ أن الخطاب تكلم على أبعاد رئيسية ثلاثة، يقول في البعد الأول تعزيز مكانة المغرب والدفاع عن مصالحه، لاسيما، بهذه العبارة: “في ظرفية مشحونة بالعديد من التحديات والمخاطر والتهديدات“، طبعا هذا سينعكس بشكل أوتوماتيكي على مشروع قانون المالية، الذي يحتل الرقم الأول في توظيفاته، بعد إخراج مناصب التعليم في الأكاديميات، عشرة آلاف وثمانمئة منصب، تفوق الداخلية وتفوق الصحة، ستكون لإدارة الدفاع الوطني.

طالع أيضا  د. الونخاري: السياق الذي أتى فيه النموذج التنموي يتصل بتراجعات حقوقية خطيرة

الخاصية الرابعة هي انتشاء المغرب بالعلاقات مع الكيان الصهيوني، وبأنه علاقات جيدة تعني دفاع عن مصالح المغرب من طرف اللوبي الصهيوني إلى غير ذلك، وهذا سينعكس في التطبيع. وهذه خاصية مهمة جداً لأنه بالنسبة لي فالتطبيع هو قضية مغربية، ويعنينا كمغاربة أولا، لأنه يقوم بانعكاسات ثقافية واقتصادية وسياسية، والتضامن مع القضية الفلسطيني شيء آخر. خامسا بالتأكيد أن التوترات ستزيد، لأننا نسمع الآن قراراً تتخذه الداخلية، وتنتظر فقط أجرأته، وكل ما يرتبط بالتدبير المفوض وتوزيع الماء والكهرباء إلى غير ذلك، سينزع من شركات التنمية المحلية والجهوية لفائدة الشركات الأجنبية، كذلك مشروع الترامواي ومشروع التيجيفي لأن هذه المشاريع تسيل لعاب دول كسبانيا وفرنسا.

الخاصية السادسة لهذا الدخول هي موجة الغلاء، ولن تقف هذه الموجة لأنها موجة عالمية مصحوبة بارتفاع كلفة المواد الأولية والنقل إلى غير ذلك، فبالتالي ستكون لموجة الغلاء هذه كلفة، خاصة أمام سياسة صم الآذان، والتي فعلا ستكون إذا تزامنت مع حجم الوعود التي ضمتها الأحزاب في برامجها، ويظهر في مشروع قانون المالية هل ستكون الأولوية لبرامج الحماية الاجتماعية، مع ما يتطلبه ذلك من كلفة بالنسبة للعاملين في الاقتصاد غير المهيكل. خاصية أخرى هي حقوقية، التراجع والتضييق والاستهداف يتسع، وغياب انفراج خاصة في ملفات واضحة جدا، فملف حراك الريف وحده كاف.

إذا نحن أمام دخول سياسي ساخن، بانتظارات ستصبح في حدها الأدنى بالنسبة للمغاربة، لا تطالب إلا بعدم وجود تراجعات وألا يكون هناك استهداف أكبر، ولا يمس المستوى المعيشي للمغاربة وحرياتهم، وجواز التلقيح نموذج على ذلك.

فيما يخص الفاعلين، يوضح الباحث السياسي، فطبيعة الحكومة وتوجهاتها هي حكومة أقرب إلى التكنوقراط رغم طابعها الحزبي، لأنه لا توجد إلا “الصباغة”. ولأول مرة يطرح بإلحاح ضعف المعارضة في البرلمان، سواء من حيث عددها وقلة الفرق فيها، وكفاءة برلمانييها، وعدم انسجامها، أو انشغالها بمشاكلها الداخلية، فالاتحاد الاشتراكي مقبل على مؤتمر، والعدالة والتنمية كذلك مقبلة على مؤتمر، والاشتراكي الموحد مقبل على مؤتمر، فيدرالية اليسار مقبلة على الاندماج، بمعنى سينشغلون فقط بالبيت الداخلي.

طالع أيضا  صلة الأرحام.. سمة ميّزت الأخيار قبل الإسلام

الملف الاجتماعي يعرف ضعف النقابات وصعوبة استرجاع قوتها، الاتحاد المغربي للشغل مرتبط جزئيا بالأحرار، الاتحاد العام الشغالين مرتبط بالاستقلال، الاتحاد الوطني للشغل نعرف ماذا حدث له، الكونفدرالية الديموقراطية للشغل ستنعكس عليها خلافات اليسار، الفيدرالية مرتبطة بالاتحاد الاشتراكي ومشاكله.

عندنا مشكلة أخرى كذلك في الفاعل هو غياب إعلام مستقل ومهني، صار الإعلام متحكما فيه. مواقع التواصل الاجتماعي أنتم ترون إشكالاتها. وهناك انفراد المخزن بالمعارضين، ومزيد من التضييق عليهم، والمعارضة من خارج النسق الرسمي، وخارج البرلمان، هناك حالة توجس وحذر هي السائدة. وشعور عند البعض بأن المخزن قد يمثل الاستبداد المتنور، والذي هو أفضل من الاستبداد الظلامي، شعور عند بعض اليسار بأن العدل والإحسان هي المستفيد من أي علاقة، بالإضافة إلى التوتر البنيوي الموجود وسط مكونات المعارضة، هذا كله سيلقي بظلاله على كل الحركات الاجتماعية.

وقال المتحدث بأن استمرار حالة الطوارئ مشكل، لأن المعارضة من خارج النسخ عندها وسيلتان للاشتغال أساسا: الشارع، ولم يتحرر بالنظر لقانون الطوارئ، وعندها مواقع التواصل الاجتماعي. وأنتم تتابعون التضييق عليها كيف يتم، بل أصبح التحكم فيها بشكل كبير جدا. أمام هذه الوضعية نحن أمام دخول سياسي واجتماعي خاص جدا، يتطلب من الفاعلين مجهودا كبيراً أولا لكي يفهموا التحديات، ثانيا لكي يحددوا الأولويات، ثالثا لكي يتفقوا على برنامج حد أدنى، رابعا كي ينظموا حركتهم على الأقل كي يقع توازن في ميزان القوة، خاصة وأن خيارات الدولة لم تعد كثيرة، فإما الاستدانة أو المزيد من فرض الضرائب، ناهيك عن القمع، وبالتالي أعتقد بأنه اختبار مهم جدا للفاعلين، ومدى تجردهم من الحسابات الضيقة لكي يكونوا في مستوى اللحظة.

وأضاف إحرشان وهو يستشرف المستقبل، أننا اليوم في المغرب أمام سلطوية، قد نختلف في درجتها ووطنيتها، فإذا كانت سلطوية وطنية تريد أن تحافظ على سيادتها وإستقرارها قد تؤدي بنا إلى نموذج الصين، تنمية مع ضياع الديمقراطية وحقوق الإنسان، أو قد تكون سلطوية قد تدخلنا لنظام الاستبداد. والتخوف يزداد كلما زادت أمننة كل المجالات، أمننة الاقتصاد، وأمننة الإعلام، وأمننة السياسة، وأمننة المجال الحقوقي. تزداد توسعا وستشكل مشكلا.

طالع أيضا  بيان الجبهة المغربية لدعم فلسطين وضد التطبيع في اليوم الوطني التضامني الثالث

بالتالي يعتقد المتحدث بأنه أمامنا أربعة أمور في الخمس سنوات المقبلة، ستشكل الأولوية؛ أولها الملف الإجتماعي، أقصد أساسا الصحة والشغل والتعليم والخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وطرق إلى غير ذلك، من المنتظر أن يقع فيها إجهاز وتراجع، وهذا يستدعي من القوى المعنية بتحسين عرض الدولة، أن تنخرط في حراكات اجتماعية، فكيف يمكن أن تنجح هذه الحراكات الاجتماعية، وكيف تنظم وتكون عاملا لانتقال وتطوير المجتمع كي ينهض أكثر في المطالبة الديموقراطية والاعلام؟

الأمر الثاني هو أنه أمام طبيعة الحكومة، والقرارات التي من الممكن أن تخرج عنها، وجواز التلقيح مثال فقط، قانون الطوارئ سيصبح كابحا، خاصة أنه الآن يلاحظ غياب تناسب مقبول حقوقيا ودستوريا، ونعم في التشريعات الدولية يقبل أن قانون الطوارئ يعني تقييد الحريات طبعا ولكنه لا يعني إلغاءها، وأن يكون التقييد بشكل مؤقت، ولكن أهم شيء هو بشكل متناسب مع درجة الطارئ، الآن هناك إفراط في استعمال قانون الطوارئ، فكيف يجب أن نخرج منه، أو على الأقل يطبق قانون الطوارئ بالتناسب مع الوضعية الطارئة.

الموضوع الثالث هو موضوع الحرية، وضمنها حرية التعبير وحرية الإعلام، غير ممكن على الإطلاق أن نبقى نعيش في وضعية، كل يوم اعتقالات جديدة ومحاكمات جديدة وتضييقات جديدة، لأنه لا يمكن أن يكون هناك مجتمع حي بدون إعلام. الأمر الرابع يضيف إحرشان وهو الشعب المتضرر الذي يعبر على أنه متضرر، من سيتولى تأطيره والتعبير على مطالبه وتجسيدها في الحركات الإجتماعية.