الخطاب السياسي عند جماعة العدل والإحسان

حجاجية الموقف والرسالة في حوار الأستاذ فتح الله أرسلان مع موقع الجماعة نت

 

مقدمة تمهيدية

 نشر موقع الجماعة نت الإلكتروني الثلاثاء 12 أكتوبر من العام 2021 حوارا مطولا مع الأستاذ فتح الله أرسلان، نائب الأمين العام لجماعة العدل والإحسان والناطق الرسمي باسمها، تناول عددا مهما من القضايا الوطنية والدولية، وقدم آراء ومواقف بصدد ملفات مهمة تشمل مواضيع متعددة. في هذه المقالة سنحاول أن ننطلق من ذلكم الحوار عبر تحليل سيعمل على تفكيك بنية الخطاب السياسي عند جماعة العدل والإحسان من زاوية نظر منهجية تستعمل بعضا من أدوات التحليل الحجاجي، ما دمنا أمام نص لغوي ذي طبيعة حوارية تروم البلاغ والإبلاغ وتقصد التوصيل والإقناع.

أولا. حجية الحوار:

يأخذ الحوار أهميته ويكتسب راهنيته، ويضمن حجيته من العناصر التالية:

–     الوضع الاعتباري للأستاذ فتح الله أرسلان بالنظر إلى المسوغين التاليين: الاعتبار التاريخي فالرجل من حملة مشروع العدل والإحسان، وممن صحبوا الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، وممن له بصمات واضحة جلية في التربية والجهاد والبذل. الاعتبار التنظيمي لكون الرجل هو نائب الأمين العام لجماعة العدل والإحسان والناطق الرسمي باسمها، وعليه فكلامه يندرج ضمن “الخطاب الرسمي للجماعة” يصرف مواقفها ويعبر عن آرائها.

–     حجاجية الأسئلة التي تبرز في سمات الشمولية، والدقة، والصياغة، والمضامين المطروحة، والبناء الترتيبي المنهجي لها، خاصة وأنها قدمت في نسق حواري من طرف موقع إلكتروني مشهود له بالجدية والكفاءة وتحري المصداقية والمهنية.

–     أهمية السياق الذي جاء فيه الحوار والذي يستحضر السياقات الدولية والإقليمية في تناوله لمستجدات تطور حراك الربيع العربي ومآلات مشاركات بعض الإسلاميين في السلطة، والسياقات الوطنية التي تم فيها تحليل القضايا المعروضة في النقاش باستحضار ظلال تبعات أزمة كورونا، ونتائج الانتخابات، وتطورات العلاقات مع الجارة الجزائر، وتجذر مسار التطبيع، وتجربة جماعة العدل والإحسان في التفاعل مع جملة من تلكم القضايا.

–     طبيعة المواقف التي تم التعبير عنها من لدن الناطق الرسمي لجماعة العدل والإحسان، وجوهر الرسائل التي تم بعثها إلى من يعنيهم الأمر، وهي المواقف والرسائل التي تجلي التصور العام للجماعة في فهم السياسة وممارسة وظائفها المجتمعية في الوقت نفسه الذي تجلي الثابت المتأصل والمتحول المتغير في ذلكم التصور.

–     نوع المقترحات والبدائل التي يتم التقدم بها، عبر عرض مداخل مهمة في المشروع التغييري الذي تقترحه الجماعة قصد التأسيس لتغيير جدي يقطع مع العبث العام الذي يطبع المسار السياسي في البلاد، وهي المداخل التي تشمل مجالات متعددة من مجالات تدبير الشأن العام داخليا وخارجيا.

سيمكن هذا الحوار باعتباراته هذه، وفي سياقاته تلك، وبمواقفه ومقترحاته التي يقدمها، من توفير مادة دسمة للباحثين في تحليل الخطاب السياسي لدى جماعة العدل والإحسان قصد استجلاء تنزيلها لتصوراتها السياسية في واقع التحولات المتسارعة وطنيا ودوليا، وهو ما سيعين على فهم جدي -لمن غرضه الفهم- لمشروع تجربة حركية مجددة في العمل الإسلامي.

ثانيا. الموقف من الانتخابات وحجج المقاطعة:

تتم المصادرة على كون الانتخابات في المغرب “لعبة مآلاتها راسخة”، وعلى فقدانها ل “المعنى والجدوى” لأنها إنما تعمل على تأبيد وترسيخ التحكم والتسلط، وفي تحديد الموقف منها يبني الخطاب السياسي لجماعة العدل والإحسان كما نراه في الحوار موضوع الدراسة هذا المسلك على المبررات التالية:

1.  المبرر الأداتي الوظيفي: من خلال التمييز بين الانتخابات باعتبارها آلية تداولية وتدبيرية وتمثيلية متى ضمنت لها شروط في التأسيس (مناخ سياسي عادل ومنظومة قانونية وتدبير شفاف ونزيه) وشروط في المآلات (مرتبطة بتحقيق وظائفها)، وبين الانتخابات كما تجري في النسق السياسي المغربي في ظل دولة الاستبداد والفساد.

2.  النتائج والمآلات إذ إن نتائج الانتخابات في المغرب تعمل فقط على تسويق وهم الديموقراطية (إفراز مؤسسات شكلية، عدم التعبير عن الإرداة الشعبية، الافتقاد إلى النزاهة والشفافية)، وعلى إعادة تدوير الماكينة المخزنية الحاكمة (إنتاج نخب خادمة للنظام، غياب التداول على السلطة).

3. طبيعة النسق السياسي المغربي الذي يكشف عن غياب الإرادة السياسية التي تمكن من السماح بممارسة الحكم لأن الثابت عندنا أن “من ينتخب لا يحكم، ومن يحكم لا ينتخب”، وعن غياب إمكانية تطبيق البرنامج السياسي لأي حزب على قاعدة ربط المسؤولية بالمحاسبة.

4. واقع الممارسة السياسية المغربية الذي يكشف عن مصير دعاة المشاركة الانتخابية ومرددي رؤية التغيير من الداخل؛ إذ ثبت لكل ذي عقل لبيب بعد سنوات طويلة من اعتماد هذا الخيار منذ الاستقلال إلى الآن أن المشاركة السياسية من داخل النسق الحاكم وفق الشروط المطروحة “مخاطرة سياسية وانتحار حقيقي”.

وإذا كان هذا هو الموقف من الانتخابات فإن أطروحة المقاطعة المتساوقة معه تنبني على المقدمات الحجج التالية:

–     القراءة القانونية للوضع السياسي والدستوري تظهر أن خيار المقاطعة هو المسلك الأمثل لمجابهة إرادة الاستفراد والاستحواذ لدى النظام المغربي.

–     القراءة العلمية لحركة الفعل السياسي في التنظير والممارسة السياسيتين تعطي أن خيار المقاطعة إمكان مهم يسهم في النضال المجتمعي ضد التسلط، وما حركة 20 فبراير في المغرب (مثلا) وما حققته من مكاسب سياسية واجتماعية لم يكن المشاركون في اللعبة السياسية يحلمون بها أو يفكرون في المطالبة بها إلا دليل ناصع على ما يمكن أن يفعله الضغط الشعبي.

–     القراءة التشخيصية لنتائج المشاركة الانتخابية في المغرب لا تظهر سوى استمرار التردي العام إن على المستوى السياسي (غياب الدمقرطة، وضياع التخليق) أم على المستوى الاجتماعي والحقوقي (غياب الحرية والكرامة والعدل).

طالع أيضا  السلطات تمنع وقفة لـ "جبهة دعم فلسطين" رفضا لاستضافة كاتبة صهيونية في نشاط بالبيضاء (صور)

إن تضافر جملة تلكم المبررات، مع انبنائها على هذه المقدمات، تفصح أنه ليس من المعقول أن يسلك المرء السبيل نفسه الذي ظهر بالدلائل القاطعة أنه لا يؤدي سوى إلى حائط في نفق مسدود.

ثالثا. الموقف من التوتر بين المغرب والجزائر وحجج حسن الجوار:

يؤسس الحوار في تناوله لقضية تصاعد التوتر بين المغرب والجارة الجزائر لمقاربة تحليلية تقوم على:

1.  تجاوز ردود الفعل المستندة إلى العاطفة أو إلى التأثر اللحظي الآني، أو إلى الانتماء الجغرافي، أو إلى الاصطفاف التام إلى جانب موقف الأنظمة.

2.  أهمية الوعي بالتعقيد في تناول قضية الصحراء، وهو التعقيد الناجم عن تشابك التراكمات التاريخية بالمصالح الاقتصادية وبالنزاعات الدولية، وبالتدخلات الأجنبية، وهو التشابك الذي يطرح إشكالات وتحديات كبرى: سياسية مرتبطة بمدى استقلالية القرار السيادي، وجيواقتصادية متعلقة بالارتهان لمصالح وحسابات القوى الدولية العظمى.

3.  الحذر من إثارة الحزازات والنعرات بين الشعبين المتجاورين، ومن دور التدخل الأجنبي في ذلك وتأثيره على المدى البعيد على بنية الدولة، ونسيج المجتمع، والموقف التفاوضي.

4.  تحميل الدولة والأنظمة الحاكمة استفرداها بتدبير الملفات الحساسة بعيدا عن التداول الوطني والمقاربة التشاركية للقوى الحية في البلاد مما يضعف الجبهة الداخلية.

5.  عدم الخلط في المقاربة السياسية والتدبيرية بين معالجة مشاكل الصراعات الخارجية وبين قضايا التنمية الداخلية والمسألة الحقوقية؛ فلا ينبغي أن تتخذ قضية الصحراء مثلا تكأة لتأجيل التنمية وهضم الحقوق بدعوى الإجماع والوطنية.

واعتمادا على هذه المقاربة يحدد الأستاذ فتح الله أرسلان الموقف من أزمة العلاقات المتصاعدة توترا بين المغرب والجزائر من خلال بعد عام يقول بوحدة الشعوب، وموقف خاص يقول بعدالة قضية الوحدة الترابية، وضرورة احترام سيادة كل دولة، واستنادا إلى هذا الموقف في بعديه العام والخاص يقدم الأستاذ المحاوَر مقترحات لتدبير النزاع في أفق إيجاد حل عميق له، وهي مقترحات يجب أن تتأسس على إرادة سياسية لحل مشاكل الجوار، وأرضية تحريرية للقرار السيادي الوطني لكل دولة من التبعية للتحكم الخارجي، وتتجسد المقترحات تلك في الاشتغال على مسارين:

–     مسار داخلي: يقوم على إعادة التصالح بين الدولة والمجتمع على قواعد ثلاثة: تجديد التعاقد المجتمعي، تحقيق التنمية الشاملة، ضمان الحقوق الاجتماعية والسياسية.

–     مسار خارجي يقوم على تفعيل الديبلوماسية الحوارية المباشرة المؤسس على مداخل ثلاثة: مدخل نفسي يسعى إلى التحييد الإيجابي بديلا عن التجييش الشعبي، ومدخل تدبيري يغلب مكامن التقارب التاريخي والسياسي والثقافي عوض الارتهان للتوترات الماضية ولمسالك التدبير السابقة، مدخل وحدوي يعزز وحدة الشعوب بتجديد مسار بناء الاتحاد المغاربي.

رابعا. الموقف من التطبيع وحجج المناهضة:

يؤكد الحوار أن “التطبيع خيانة وجريمة” مصيره “الفشل والخذلان”، ويعرض للاستدلال على ذلك من جهتين:

1.  جهة كون التطبيع خيانة بالاستناد إلى ثلاث حجج: حجة فكرة “الحق الأصيل” الذي لا يموت ولا يعتريه التقادم، حجة “الدم المهدور” للشعب الفلسطيني الكاشف عن سنوات طويلة من القهر والقمع والتقتيل والتشريد، وحجة “الإجرام الصهيوني” الممارس على كافة الأصعدة، والمجرم بكل المقاييس الدينية والسياسية والقانونية.

2.  جهة اعتبار التطبيع جريمة في حق الوطن والمواطنين، بالنظر إلى ما يمثله “الاختراق” الصهيوني للكيان المجتمعي العام لمستويات متعددة من خطر عميق وعميم يشمل المجالات الثقافية والسياسية والتعليمية والاقتصادية، والآثار الوخيمة لذلك على أربعة جوانب رئيسية هي: البعد الهوياتي والقيمي، والانسجام الثقافي والاجتماعي، والوضع الاقتصادي والتجاري، والتهديد الصحي والبيئي.

خامسا. الموقف من تجربة الربيع العربي وحجج إفشال التجربة:

 يحدد الحوار الموقف من مجريات الربيع العربي وفاعلية إسهام الحركة الإسلامية فيه من خلال العناصر الثلاثة الآتية:

1.  استحضار معيار الأمانة والعدالة في التقويم والحكم، بالنظر إلى التحامل الموجود والتحليل المغرض الملحوظ في تقييم الدور الذي قامت به القوى الإسلامية إبان الحراك الشعبي، وبعده في تدبير المراحل الانتقالية.

2.  القراءة الرصدية لمختلف تجارب الربيع العربي ومآلاتها في مصر واليمن وليبيا وسورية وتونس، وهو ما مكن من استخلاص دروس مهمة مفيدة.

3.  القراءة النقدية لسلوك مختلف القوى الفاعلة التي لم تستطع المضي قدما في تفكيك بنية الأنظمة السياسية الفاسدة وذلك بسبب وقوعها في أربعة مزالق: التردد والبطء في تدبير مرحلة الحراك والمراحل الانتقالية، التخلف عن الوعي الشعبي المتقدم، إساءة التقدير بل والسذاجة في الانخراط في المشاركة السياسية، التواطؤ ضد القوى الإسلامية بسبب الاختلاف الأيديولجي وعرقلة مسار الحراك.

وعلى هذه العناصر، تم اعتماد موقف يشمل مستويات ثلاثة: مستوى المسار الذي تم التأكيد فيه على أن تجربة الربيع العربي تعرضت للإفشال، مستوى التقييم الذي أبان أن التجربة إيجابية جدا على الصعيد المستقبلي الشعبي لأنها أثبتت أن الحرية والعدالة والكرامة آمال لا يقتلها تراكم الظلم، ولا تميتها السنوات  الطوال للتزييف والتجريف اللذين طالا الإرادة الشعبية، كما أنها إيجابية على الصعيد السياسي للقوى الفاعلة الحية لنقد الممارسة وتجديد النظر وفق المبادئ الثلاثة التالية: الحكمة السياسية، العمل الميداني، التعاون والالتقاء على الصالح العام. ثم مستوى المستقبل الذي يفتح الباب على الأمل المؤمن بحتمية التغيير وضرورة الإصلاح.

سادسا. الوضع الداخلي للجماعة وحجج أولوية التربية:

يقدم لنا الحوار وهو يتناول ما يتعلق بالوضع الداخلي للجماعة معطيات مهمة تجدد للمتلقي نظرته إلى هوية الجماعة، ومنطلقاتها ووسائل عملها، ومقترحاتها للخروج من وهدة الاستبداد السياسي، كما يكشف عن جوهر حركتها الدعوية. أما الهوية: فالحوار يقدم جماعة العدل والإحسان باعتبارها تجربة إنسانية وحركة اجتماعية لا تدعي الكمال ولا الطهرانية، تقبل النقد متى اتسم بالجدية والتصويب متى كان صادقا، تصدر عن قناعة تؤمن أن الغد للإسلام وأن المستقبل لهذا الدين وفي هذا تأكيد لمرجعيتها الإسلامية. أما ما يخص المنطلقات والمبادئ ووسائل العمل فتتحدد في:

طالع أيضا  معركة باب العامود مستمرة.. انتصار رمزي بإزالة الحواجز ومواجهات متواصلة مع الاحتلال

–     الثبات على المحجة اللاحبة للقناعات دون تأثر بزعزعة المتغيرات والحملات.

–     التجديد في الوسائل والأساليب والأشكال.

–     الوضوح في الموقف من الاستبداد والمستبدين وعدم إعطاء الدنية في الدين.

–     الصدق في الممارسة المجتمعية والفعل السياسي.

–     الحضور الدائم في المجتمع صحبة وبذلا وتواصلا ومخالقة.

–     الإرداة الجادة للتعاون مع الأغيار من دون اعتبار للقناعات الإيديولوجية، بل الاعتبار للموقف من الاستبداد السياسي والقهر الاجتماعي.

وفي ما يتعلق بمقترحها العام فالجماعة ما زالت وفية لرأيها في ضرورة وحتمية الميثاق الجامع والجبهة الواسعة التي تضم كل القوى الحرة للتدافع مع الاستبداد، ليبقى الجوهر الأساسي لدعوة العدل والإحسان كما يجسدها الخطاب المباشر الذي توجه به الأستاذ فتح الله أرسلان إلى أعضاء الجماعة خصوصا كامنا في التأكيد على الأساس التربوي الإيماني الإحساني الروحي الذي يجعل إرادة وجه الله تعالى هي الغاية العظمي والبغية السامقة، مع التأكيد أيضا على العمل العدلي تعليما وتعلما وبذلا وصحبة للشعب، لكن دون انغماس كلي في السياسوية التي تدنس النية وتغير الوجهة وتبدل المسار.

سابعا. الملامح العامة لمشروع التغيير السياسي وحجج خيار التدافع السلمي المدني:

ينقلنا الحوار في ثنايا كثيرة من لغة الوصف والتشخيص والتحليل إلى لغة الاقتراح وطرح الحلول وإيجاد الأجوبة للأسئلة المقلقة والمحرقة المتداولة في الشأن السياسي المغربي، وهي مقترحات تمثل مداخل تأسيسية تعرض بعضا من الملامح العامة لمشروع التغيير السياسي الذي تتقدم به جماعة العدل والإحسان، من خلال حديثها عن “الميثاق الجامع” و”الجبهة الموسعة” و”خيار التدافع السلمي المدني”. ويتكئ البعد الاقتراحي في الحوار الذي ندرسه على مستويين اثنين: مستوى تشخيصي نقدي، ومستوى إجرائي عملي، على أن هذا الأخير إنما ينبني ويتأسس على المستوى الأول.

المستوى التشخيصي النقدي: يعرض رؤية الجماعة وموقفها لموطن الخلل الجوهري البليغ في النسق السياسي المغربي، وذلك عبر:

–     التمييز في المقاربة التحليلية بين المستوى التفصيلي التجزيئي لقضايا تدبير الشأن العام وهو جانب ثانوي حسب صاحب الحوار، وبين المستوى البنيوي الذي يقف عند جوهر بنية النظام القائم المؤسسة على التغول والتحكم والفساد والاستبداد.

–     إن تحليل بنية التغول السلطوية يكشف عن ميكانيزمات ممارسة الاحتكار الضمني للسلطة من خلال أربع آليات أساسية: آلية الضبط السياسي القائمة على جملة من التدابير التقنية لصناعة الخريطة السياسية، وصناعة المعارضة والأغلبية حسب المقاسات المناسبة، وتفعيل أدوات الإقصاء والتقريب بمقتضى الولاء والموالاة. آلية الضغط النفسي والمجتمعي عبر سلوك مسالك الترهيب للصحافة وقمع الحريات واعتقال الشرفاء وإشاعة ثقافة الخوف والفزع من المخزن. آلية التفقير الاقتصادي عبر الإجراءات العامة الماسة بالقدرة الشرائية للمواطنين خاصة رفع الأسعار، واستدامة ثقافة التسول. آلية الضبط القانوني على النحو الذي لوحظ في تدبير جائحة كورونا وتمرير ترسانة القوانين التي تعيد تحقيق مزيد من التحكم في مختلف مدخلات ومخرجات الحياة العامة للمواطنين.

–     إن هذا التغول السلطوي بميكانيزماته وآلياته الضبطية، له آثار وخيمة تظهر في تمظهرين مفصليين: اختراق العملية السياسية والعبث بها وتمييعها وتسفيهها وما ينجم عن ذلك من تخريب سياسي، ثم تدمير اجتماعي زاحف على البقية الباقية من الحقوق والحريات. وهذا إلى جانب ما ظهر من فساد العملية الانتخابية ولا جدوى المشاركة الانتخابية من داخل النسق الرسمي، وهو ما يشرعن الحديث عند الأستاذ فتح الله أرسلان عن خيار التدافع السياسي المدني السلمي وما يدور في فلكه من مفاهيم المغالبة الأهلية، والتغيير من خارج المؤسسات الرسمية.

    المستوى الإجرائي العملي: وفيه تتم الإجابة عن أسئلة التطوير والمخرجات والتفعيل والتنزيل، وهنا نرصد مقترحات تعم الجوانب التالية:

1. الجانب التنظيري الفكري: بالبناء الفكري المنظر لخيار مقاطعة المسار الرسمي، ومجابهة الاستبداد والفساد من خارج قواعد لعبة النظام، والتنضيج السياسي لخيار مقاطعة النظام في أفق الضغط لتوفير وتأسيس شروط الممارسة السياسية الراشدة ذات المعنى والجدوى، وهنا من الضروري والملح نقل التعبير السياسي لخيار المقاطعة والتدافع السلمي المدني إلى بديل للتغيير السياسي يتميز بالخصائص التالية: الوضوح في الصياغة، الملاءمة والمرونة، التعدد في الأشكال، الاستفادة من الفرص السانحة.

2.  جانب الوعي: بالاشتغال على تنمية الوعي بخطورة المسار العبثي الذي يسلكه النظام الحاكم على البلاد والعباد، لأنه مسار قائم على رهن المواطن والشعب ومقدرات البلاد لخدمة الاستفراد والاستبداد، مع بذل الجهد الكبير للرفع من منسوب اليقظة الشعبية الرافضة لهذا المسار العبثي لترسيخه شعبيا في أفق ترسيخه نضاليا.

3.  الجانب الحركي النضالي: وفيه يتم ترجمة التصور التغييري لخيار التدافع السلمي المدني في شكل أرضية تنظيمية تعرض لصيغ تصلح للالتقاء التنظيمي تضمن تحقق الوحدة، والفاعلية، والقوة، ثم في شكل أرضية برمجية (برنامج حد أدنى) يكون هدفها واضحا متمثلا في مواجهة السلطوية، وتطوير مداخل الخيارات البديلة لكن على قاعدة تشاركية تشرك “الأحرار” في مختلف مستويات سيرورة العملية انخراطا وإعدادا ومشاركة في التنفيذ، من دون نظر إلى الاعتبارات المتعلقة بالقناعات الأيديولوجية.

طالع أيضا  السلطات المغربية تقرر الإغلاق الليلي في رمضان من الثامنة ليلا إلى السادسة صباحا

إن هذا الخيار القائم على الفعل السياسي والمجتمعي من خارج المؤسسات وبالنظر إلى جملة الحجج المقدمة، هو خيار يرى الأستاذ فتح الله أرسلان أنه يتميز بميزات ثلاثة: الواقعية، والإمكانية، والحتمية، فهو بتعبيره “واقعي، وممكن بل وحتمي”، وضمانات نجاحه وفاعليته حسب الأستاذ المحاوَر كامنة في ثلاثة شروط إمكان أساسية: نضج الفاعل السياسي والمجتمعي، الالتزام الأخلاقي بالوطنية الحقة وإرادة الخير بالوطن وله، الممارسة النضالية الصادقة التي من تجلياتها المواقف الرجولية للقوى الحية في البلاد.

ثامنا. رسائل الحوار

ينقل الحوار المعروض رسائل نجملها في الرسائل الثلاثة التالية:

1. رسائل تصورية: تقدم أفكارا للاشتغال على التأطير النظري والتنزيل العملي لخيار المدافعة السلمية من خارج النسق الرسمي للأنظمة المتسلطة، وإعادة قراءة تجربة الحراك الشعبي، وطرائق تدبير المراحل الانتقالية.

2. رسائل سياسية: تبرز الثبات على الخط السياسي الواضح لجماعة العدل والإحسان كما تسطره أدبياتها ومنشوراتها، وهي رسائل غنية في مضامينها، متعددة في متلقيها المفترضين، منها ما هو موجه للنظام الحاكم، وللفاعلين الحزبيين والمجتمعيين، ومنها ما هو موجه للبيت الداخلي للجماعة.

3. رسائل تربوية: فيها تذكير بمعاني إيمانية إحسانية تحث على الذكر والفكر والاستعداد للقاء الله عز وجل، وفيها إعادة تذكير بأولوية التربية المتوازنة، والدور الحاسم لتوزين العامل الذاتي في معادلة الحركة والمدافعة في دنيا الناس.

خلاصات:

يدل الحوار الذي عرضنا أبعاده الحجاجية التواصلية في الفقرات أعلاه عن عدد من الخلاصات التي تسهم في فهم وتحليل الخطاب السياسي لجماعة العدل والإحسان، نورد بعضها كالآتي:

–     الجماعة لديها تصور بمرجعية نظرية ومنهاج عمل ولا تبني مواقفها على ردود الأفعال، ولا على المداهنة والمسايرة للجو العام وتوجهات التنميط للإرادات.

–     الجماعة ليست انتظارية ولا اتكالية، ولا حالمة غائبة عما يجري، بل إنها حاضرة مراقبة بقراءات علمية ورصد تشخيصي وأفق اقتراحي.

–     من السمات المميزة في الحوار اللغة الواضحة، والرصد الدقيق، والتحليل العميق، والموقف الرزين، والاقتراح الجريء المناسب، والبعد الاستراتيجي.

–     في وضوح اللغة تأكيد على الموقف الواضح من النظام، ومن نسقه وتدبيره لشؤون البلاد والعباد، ووضوح مع الذات ومع الغير مع الحرص على الترفع عن الإسفاف والميوعة والقدح، وعلى بعث إشارات الطمأنة والبعد عن العنف والانقلابية إلى كل الأغيار.

–      من الأطروحات الجديرة بالاهتمام دراسة وتمحيصا قضية المراهنة على المجتمع وعلى القوى الحية عبر إبداع خط ثالث في التغيير يتجاوز الانقلابية العنيفة، والمشاركة السلبية، إلى خط الممانعة والمغالبة السلمية المدنية.

–      نجد في الحوار إشارات قوية لفهم تدبير العلاقات الدولية، ومعالجة النزاعات الإقليمية، والوقوف الشجاع مع القضايا العادلة.

–     في الخطاب حرص جلي على البعد الإيماني وتجديد الخطاب السياسي ونقد الفكر الإسلامي، وفتح إمكانات تنظيرية وعملية لتدبير الاختلافات في المراحل الانتقالية على قواعد التعاون والمشاركة وتجنب الإقصاء، وتجنب التصنيف الإيديولوجي.

نداءات للتأمل:

–    “إننا ونحن نستدعي هذا الكلام، الذي نراه صالحا لتنبيه عموم الفاعلين، وليس مخصوصا بحزب بعينه، ليس غرضنا، علم الله المطلع على السرائر، إلا أن يتنبّه الجميع إلى خطورة الإصرار على مسار عطّل البلد ورهن شعبه ومقدراته في قبضة الاستبداد والفساد، وليس هدفنا إلا أن نلتف جميعا على إرادة جادة حقيقية لتغيير حالنا شعبا ودولة”.

–    “إننا، وبهذه المناسبة، نجدّد الدعوة إلى الاشتغال الجاد لكل الأحرار الرافضين للوضع العبثي السائد، من أجل إيجاد صيغ تنظيمية وحدوية فاعلة وقوية، تُشكّل الوعاء السياسي الصلب لليقظة الشعبية المتنامية الرافضة للمسار الرسمي الذي يمضي نحو مزيد من التدمير الاجتماعي والتخريب السياسي. نبني مسارنا التدافعي السياسي المدني السلمي هذا، على برنامج حدّ أدنى هدفه الأساس مواجهة السلطوية، وتطوير الخيارات البديلة ومداخلها. برنامج ينخرط في الإعداد له الأحرار على اختلاف مشاربهم وقناعاتهم، المصطفون دفاعا عن مجتمعهم رغم كل الوعيد والترهيب الذي يتهدّدهم”.

–    “إننا ضد استفراد الدولة بتدبير ملف الصحراء، ذلك أن طريقتها لم تجلب حلا ولم تقدم جديدا، بل ازداد الوضع اختناقا وتوترا. ودعَوْنا إلى فتح الملف من أجل التداول الوطني، بغية الوقوف على أسباب أزمته الحقيقية، وطرح الحلول الجماعية الممكنة. ناهيك عن مطلبنا بتهييء الأجواء الداخلية سواء في شقها الاجتماعي بتمكين المواطنين من حقوقهم الأساسية، أو بتحقيق العدالة المجالية ومراعاة الخصوصيات الثقافية، وهو ما من شأنه إكساب الخيارات والحلول السياسية والديبلوماسية عمقها الشعبي اللازم”.  

–    “أخيرا، ودعك للحظات من الأفكار والمواقف السياسية الواردة في هذا الحوار وارجع إليها لاحقا، وامنح نفسك لحظات تأمل هادئة: هل ما زالتِ الغايةُ، التي تهون دونها كل العقبات، طلبُ وجه الله الكريم والفوز برضاه؟ فعهدنا بك أنك مستمسك بحقّ بقاعدتنا الراسخة “من مات ولم يفز بالله فلا نهاية لحسرته””.