أرجع ملف الإمام سعيد أبوعلين الذي تم الحكم عليه بالسجن والغرامة المالية جراء اتهامه بتحريض الأئمة على الاحتجاج، ملف الأئمة والقيمين الدينيين إلى واجهة الأحداث في الساحة المجتمعية المغربية.

فالإمام سعيد ليس الوحيد الذي تعرَّض لهذه “المهزلة” كما يصفها ناشطون، بل هو الشجرة التي تخفي غابة الحيف والظلم في حق هذه الشريحة المهمة في المجتمع.

والإمام سعيد ليس إماما فقط بل هو أيضا خطيب ومدير مدرسة عتيقة وحاصل على إحدى الشهادات العليا، وكاتب سبق له أن ألف كتابا في موضوع الأئمة والمساجد رؤية من الداخل، ورغم ذلك فإن مكانته الاجتماعية ومستواه العلمي، كما غيره من الأئمة وهم كثر، لم يشفع لهم أمام سياسة الدولة التي حولت وضعية الإمام من مكانة اجتماعية تحظى بالوقار الواجب نظرا لوظائفه التي يقوم بها، إلى متهم مدان، أو مجرم يستحق السجن والعقاب.

الإمام كان يقوم بمهام ووظائف روحية وتعليمية وتربوية واجتماعية

يرى الباحث في الفلسفة السياسية والأخلاق الأستاذ فؤاد هراجة في تصريح خاص لموقع الجماعة؛ أن احتضان أئمة المساجد والاحتفاء بهم، ومنحهم مكانة اجتماعية مرموقة تليق بالوظائف المتعددة التي يقومون بها، روحيا وتعليميا وتربويا واجتماعيا؛ دأب عليه المغاربة منذ قرون من خلال “الجماعة الأهلية”.

وأوضح هراجة أن المجتمع كان يولي الاهتمام اللازم للإمام، ويعد مهمته من المهمات التي لا يمكن الاستغناء عنها، بالنظر إلى ووظائفه الأساسية تجاه المجتمع.

وأشار إلى أن إمام المسجد “كان يعيش معززا مكرما بما توفره له ”الجْمَاعَه“ من مأوى وراتب شهري معتبر ناهيك عن الأعطيات في كل المناسبات الدينية”. الأمر الذي جعل وظيفة الإمامة مهابة وذات حظوة في المجتمع.

لكن “سرعان ما بدأت أحوال الأئمة بالتردي والقهقرى أمام إقدام الدولة على مأسسة المساجد وتأميمها وجعلها مؤسسات ملحقة بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية”، وفق ما قاله هراجة.

طالع أيضا  المقاصد من الحفاظية إلى المطلبية

وشدد على أن الوزارة ومن ورائها الحكومة وكل من ينصب نفسه مسؤولا عن الشأن الديني، عندما يزدرون أئمة المساجد ويحطون من قيمتهم الاجتماعية، ويهددون أمنهم الاقتصادي والمهني، “إنما يعرضون أمن المغاربة الروحي إلى الخطر، ويدفعون بهؤلاء الأئمة إلى ممارسة ومزاولة مهن وحرف أخرى لتغطية نفقات حياة أسرهم”. إن من شأن هذا الفعل، يضيف المتحدث، “أن ينزع عن الأئمة ذلك الوقار الروحي والمسحة الربانية التي تجعلهم أهلا للاقتداء وإمامة الصلاة”.

سياسة الدولة حملت “الجْمَاعة” على التخلي عن الأئمة.. والوزارة استضعفت حقوقهم

وبعد تفعيل سياسة الدولة في الحقل الديني، وتأميم المساجد، يقول هراجة، “تخلت الجماعة الأهلية عن إمام المسجد، واستضعفت الوزارة المعنية حقوقه، براتب شهري لا يتعدى 1200 درهم في واقع مرير يتسم بغلاء المعيشة وانفتاح الجيل الجديد من الأبناء على حالة الرفاه التي يعيشها العالم”.

وشدد على أن الأئمة في المغرب أضحوا يتجرعون صديد هذا الواقع المزري وهذه المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.

وحيال ذلك، يضيف هراجة: “لم يعد هناك بد من دق جرس الإنذار وتنبيه أغنى وزارة في المغرب إلى أن الأئمة الموظفين في سلكها يعيشون تحت خط الفقر”.

واعتبر المتحدث أنه من الطبيعي جدا في هذه الحالة “أن يتوجه الأئمة بكل الطرق السلمية للمطالبة بتحسين أوضاعهم وظروفهم المعيشية. وهذا بالضبط ما حصل مع الإمام سعيد أبوعلين الذي لم تكتف الوزارة المعنية باستضعاف حقوقه بل لجأت إلى قطعها بعد توقيفه عن الإمامة والخطابة وتعليم القرآن بمدرسة الرحمة القرآنية”.

إنذار وتنبيه لـ”أغنى وزارة” على أن الأئمة يعيشون تحت خط الفقر

وتأسّف الباحث المغربي لسحب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تدبير المساجد من النسيج الأهلي، لأنها لم تكن في مستوى توفير -على الأقل- نفس الوضعية المالية التي كان الأئمة يتمتعون بها قبل تأميمها للمساجد.

طالع أيضا  مثقفون يجمعون في ندوة على أهمية الثقافة والفن في نصرة القضية الفلسطينية زمن التطبيع

وخلص إلى أن الوزارة عمدت إلى التحكم في الشأن الديني بتعيين الأئمة والخطباء والمشرفين على دور القرآن “دون أن توفر لهم الحد الأدنى من الأجور، علما أن بيوت الله يتحمل كلفة بنائها المحسنون وتكتفي الوزارة بتدشينها وضمها”.

وانتقد المتحدث، سياسة صرف ملايين الدراهم على الأضرحة والولائم والمواسم، وأخرى تنفق على القيمين على المجالس العلمية “في حين يقع أئمة المساجد تحت خط الفقر”.

وقال هراجة في حديثه؛ إن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي أصبحت بقدرة قادر من بين وزارات السيادة “قد تخطت كل الخطوط الحمر في مربع لا يشبه مربعات وزارات السيادة الأخرى ألا وهو مربع الشأن الديني بما يحمله من حساسية خطيرة”.

ونبه إلى أن فقدان الوزارة لمصداقيتها عبر الظلم المستمر الذي يلحق الأئمة والقيمين على المساجد، “سيؤدي لا محالة على المدى المنظور والمتوسط إلى فقدان المؤسسة الدينية ومن يترأسها إلى أية مصداقية”. مشددا على أن هذا التدبير الذي وصفه بـ“المتهور” له تبعات وخيمة في كل الاتجاهات.

الإمام سعيد حالة واحدة فقط من بين آلاف النماذج

وذهب هراجة في حديثه إلى أن الإمام سعيد “هو فقط نموذج للحالة المزرية العامة التي يعيشها إمام المسجد في المغرب”. وما قام به هو محاولة إيصال صوته ومظلومية سائر الأئمة لوزير الأوقاف مباشرة ومن دون وسائط، فانتقل إلى العاصمة الرباط ليعبر عن مطالبته بتصحيح وضعه الإداري والمالي، وكذا المطالبة بتحسين الظروف المادية والمعيشية لأئمة المساجد.

 وعوضا عن احتضانه وسماع شكواه -يقول المتحدّث- “قُدِّمت شكوى ضده اعتقل على إثرها وحُكِمَ عليه ابتدائيا بالسجن لمدة سنتين وغرامة قدرها 10 آلاف درهم”. مردفا أن هذا المبلغ “لم يحلم بتوفيره من الراتب الهزيل الذي يتقاضاه طيلة حياته، فأنَّى له أن يدفعه”.

طالع أيضا  ذة. الكمري: مسار التحول الديمقراطي انطلق ولن يتوقف حتى يستكمل أهدافه

واعتبر أن واقعة محاكمة الإمام سعيد ومن ورائه وضعية الأئمة والقيمين الدينيين، هي “نازلة أخلاقية وقانونية واجتماعية ذات أبعاد سياسية”، كما يرى أنها مليئة بدلالات متعددة.

ومن هذه الدلالات أن “محاكمة الإمام سعيد أبوعلين هي إهانة للمسجد، وإهانة لأهل القرآن، وإهانة لتاريخ المغاربة الذين كانوا ولا زالوا يمجدون ويوقرون كل من يحمل في صدره كتاب الله عز وجل”.

وخلص الباحث في فلسفة الأخلاق والناشط الحقوقي المغربي إلى أن هذا القطاع الحيوي له خصوصية يتوجب التعامل معها بحذر شديد. وتساءل “كيف لهذا القطاع الذي ينتظر منه تخليق الشأن العام أن يكون نموذجا سيئا حيث التمييز والطبقية في صفوفه، وثرواته تنفق على الأموات أكثر مما تنفق على الأحياء؟”.

أليس في القوم رجل رشيد، يقول هراجة، ثم يضيف: أم ينطبق عليهم القول:

 لقد أسمعت لو ناديت حيـًا.. ولكن لا حياة لمـن تنادي