نبّه الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان الأستاذ فتح الله أرسلان إلى “خطورة مزلق الانجرار إلى فخاخ تُصنع بأيد خارجية”، شعارها فرّق تسد ومرادها تصعيد التوتر بين المغرب والجزائر، وذلك بغية “إضعاف بنية الدولة وتفتيت نسيج شعوب المنطقة وإضعاف شروطها التفاوضية في الملفات الاقتصادية والسياسية”.

محذرا من أن رفع درجات التوتر والتصعيد، الواقع في الفترة الأخيرة بين البلدين، تم بشكل “تجاوز مسألة الحدود والقضايا العالقة إلى خطاب سياسي مباشر يدفع في اتجاه العداء والقطيعة”.

نحو بناء “موقف عاقل”

نائب الأمين العام، وفي حوار خصّ به موقع الجماعة نت نشر أمس الثلاثاء، رأى أن بناء موقف عاقل من الملف، يتجاوز رد فعل محكوم باللحظة الراهنة في ظل المواقف العاطفية المتسرعة المنحازة من قبل الأطراف الرئيسة للأزمة، يستلزم استحضار مسألتين:

أولا: الصراع موجود منذ سنين وعمّر طويلا وليس وليد اللحظة، ولكنه بقي دائما في حدود معينة لا يتجاوزها، أهمها الإبقاء على الشعبين بعيدا عن التجييش والحشد وأجواء العداء.

ثانيا: الخلاف وحتى النزاع بين الدول قائم في العلاقات الدولية، ولكنه لا يمنع من إقامة العلاقات، وتكثيف العمل الديبلوماسي، وفتح التواصل بمختلف الأشكال والوسائل، وتخفيض مستوى التوتر والتصعيد، كل ذلك بالموازاة مع تدبير الاختلافات، بل قد يكون من وسائل حلها، خصوصا ونحن بإزاء بلدين جارين ما يجمعهما أكثر مما يفرقهما.

ولاحظ تناسي هذين المعطيين في الآونة الأخيرة، ليتم اللجوء إلى الرفع من درجات التوتر والتصعيد.

وفي الوقت الذي قد يقف فيه البعض عند مستوى التصعيد وطبيعة التدابير والخطاب الصادر من هذا الطرف أو ذاك، فإن عضو مجلس إرشاد الجماعة استحضر، مع هذا المعطى، حدّة الصراع، وهو ما دفعه إلى التنبيه إلى “خطورة مزلق الانجرار إلى فخاخ تُصنع بأيد خارجية”.

طالع أيضا  بعد دخول طالبان العاصمة كابول.. ذ. حمداوي: نأمل أن يدشن هذا الحدث لمرحلة جديدة تتميز بوحدة الشعب الأفغاني

أزمة القرار السيادي

وفي إشارة صريحة مسؤولة إلى واحد من أهم الأسباب الذي يدفع نحو التوتر ويجر إلى الفخاخ، وقف نائب الأمين العام على ما أسماها “أزمة عميقة” تتمثل في “ضعف استقلالية القرار السيادي”.

وحذر من “الارتهان لحسابات القوى الكبرى في المنطقة والعالم”، وهو ما يجعل أي تقارب حقيقي بين البلدين “يزداد تعقيدا وتتهدّده إرادة توتير الأجواء وتصعيد الخلافات”.

وإشارة منه إلى معطى آخر يسهم بدوره في تعقيد الوضع، استغرب الأستاذ أرسلان من بعض الفاعلين في الضفتين، إذ ينحازون إلى مواقف الأنظمة مهما كانت، فقط لأنهم لا ينتمون جغرافيا إلى الضفة الأخرى، فلا يلتزمون الحق ولو كان على أنفسهم، ولا يستفرغون الجهد في البحث عن الحلول الوسطى التي يرتضيها الجميع، بل إنهم يسهمون مع الأسف في إدماج غير واع للشعوب في نزاعات يشتبك فيها التاريخي بالسياسي بالاقتصادي بالدولي، مما يفضي إلى تعقيد مضاعف.

وأكد من جهة على “ضرورة التحييد الإيجابي للشعبين”، ومن جهة ثانية على أن “الصراعات الخارجية ليست مبررا لمقايضة الحقوق والتنمية الداخلية”.

موقفنا من نزاع الصحراء

ولأن ملف الصحراء يعد أحد نقاط الخلاف الرئيسة بين البلدين، قال الناطق الرسمي “يهمنا في جماعة العدل والإحسان أن نؤكد، أولا وقبل كل شيء، موقفنا الواضح من المسألة، والذي لن تزايد على نصاعته روايات التشويش، وهو عدالة قضية الوحدة الترابية باعتبارها خطا أحمر لا نقبل المساس به، بذات القدر الذي تهمنا وحدة الشقيقة الجزائر أيضا”.

وزيادة في بسط الموقف شدّد على أن التلاعب بوحدة الشعوب وإثارة النزعات ومسألة الحدود “قنابل موقوتة يمكنها أن تنفجر في وجه الجميع وتُفتّت كل المنطقة، لذلك نقولها بلسان مبين: لا للانفصال، ولا لتوظيف الخلافات السياسية لإثارة الملفات الماسّة بسيادة أي دولة”.

طالع أيضا  د. الونخاري: الانتخابات المغربية لعبة يتم هندستها على المقاس من طرف الحكام الفعليين للبلد

الموقف المبدئي للجماعة من مسألة الوحدة الترابية، لم يمنعه من استنكار “استفراد الدولة بتدبير ملف الصحراء، ذلك أن طريقتها لم تجلب حلا ولم تقدم جديدا، بل ازداد الوضع اختناقا وتوترا”.

وذكّر بدعوة الجماعة إلى “فتح الملف من أجل التداول الوطني، بغية الوقوف على أسباب أزمته الحقيقية، وطرح الحلول الجماعية الممكنة”، ناهيك عن مطلبها “بتهييء الأجواء الداخلية سواء في شقها الاجتماعي بتمكين المواطنين من حقوقهم الأساسية، أو بتحقيق العدالة المجالية ومراعاة الخصوصيات الثقافية، وهو ما من شأنه إكساب الخيارات والحلول السياسية والديبلوماسية عمقها الشعبي اللازم”.

نزعا للفتيل.. مداخل عاجلة وأخرى استراتيجية

وفي اقتراحات واضحة ترتبط بملف العلاقة بين البلدين، عرض الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان، مداخل رئيسة وواضحة.

يقول الأستاذ فتح الله أرسلان:

في المجمل، ومن أجل احتواء توتر العلاقات بين الجزائر والمغرب، نرى عاجلا:

–          ضرورة الإسراع بخطوات وتدابير خفض التوتر والحد من تزايد التصعيد، بهدف تدشين مرحلة جديدة بنَفَس وأسلوب مغاير.

–          ضرورة الوعي بأن القضايا الخلافية يجري الاشتغال على حلّها بالموازاة مع الإبقاء على العلاقات الديبلوماسية ووسائل التواصل السياسي المختلفة، عوض إضافة قضايا وملفات نزاع جديدة. فلا ينبغي أن نكون رهينة تصور مثالي: خلاف كامل أو صلح كامل.

–          ضرورة “التحييد الإيجابي” للشعبين الشقيقين، فقدرنا أننا “دول جوار” لا يمكننا القفز على حقائق الجغرافيا، وللجوار حقوق ومستلزمات وتبعات. والدول العاقلة تدبر خلافاتها البينية بعيدا عن الشحن والتجييش الشعبي. 

ونرى أن الحل العميق، يتأسس على:

–          تدشين حوار مباشر بين الدولتين، يتدارس الملفات العالقة والمشكلات الأساسية، ويبحث حلولها الممكنة، ويطرح التدبير الديبلوماسي والسياسي العاقل للخلافات الموجودة. شرط نجاحه إنهاء التبعية للأجنبي وتحرير القرار السيادي من التحكم الخارجي.

طالع أيضا  تأملات ربيعية في خصائص نبوية

–          التوقف عن استدعاء الأحداث التاريخية المتوترة التي شكلت مسار الملف، أو استدعاء الوجوه التي كانت سببا في الأزمة ولا يمكنها أن تكون جزءا من الحل، والبحث عن مكامن التقارب الثقافية والتاريخية والسياسية وهي كثيرة.

–          فتح مسار بناء اتحاد مغاربي جديد، من شأنه تقوية دول المنطقة وتعزيز وحدة شعوبها، يفتح الحدود، وينزع فتيل الأزمات.

–          تأسيس مسار داخلي لكل دولة على حدة، تتصالح فيه مع شعبها، فتُجدّد تعاقدها المجتمعي ووثيقتها التأسيسية، وتضمن حقوق مواطنيها الاجتماعية والسياسية، وتؤسس لتنمية حقيقية تعود بالنفع على الجميع.