بقلم: صلاح الدين المساوي

-3-

كنت قد التقيت بزميلة مسيحية (متدينة حتى النخاع) في إحدى الشركات الإسبانية، فلما عرفت بأنني رجل مؤمن كلمتني في شأن الدين، والإيمان بوجود الله فانشرح صدرها، ثم أفصحت عن ارتياحها لكل إنسان يعتقد بوجود الله وله دين يستنير به في حياته، لكن مما أثار انتباهي هنا، كونها تخجل أن يعلم أحد بتدينها فيفتضح أمرها!! فقلت لعل هذا من مخلفات الحروب التي شنها الغرب على الدين والكنيسة منذ العصور الوسطى. وفي المقابل كان كل زملائنا داخل العمل يكنون لي كل الاحترام والتقدير، خصوصا لما علموا بأنني أنصرف كل يوم الجمعة قبل الوقت المحدد، لأن الناس ينتظرونني في المسجد لأقوم فيهم خطيبا ومذكرا بالله واليوم الآخر، وهذا ما جعلهم ينفتحون على أفكاري أكثر لإشباع فضولهم تجاه قضايا كثيرة تخص الإسلام والمسلمين.

إنها سلطة الإيمان يا صاح، والقناعة بأنك على الطريق الصحيح، فإذا تحقق لنا هذا لن يغلبنا أحد مهما حاول أن يزعزع ثقتنا بالله أو يثني عزمنا عن أداء واجبنا الإيماني.

 كانت هذه نافذة حاولنا أن نطل عبرها عن واقع مرير يحكمه منطق اللادينية. كيف نتجاوزه؟ وكيف نربي فيه أبناءنا؟ ويتعلمون ويعملون ويقترحون ويبنون، دون أن تجرح هويتهم الإيمانية.

فما العمل إذن؟        

إنه لا يعدل سلوك الإنسان، والرفع من قيمته، سوى التربية ثم التربية ثم التربية…

ونقصد بالتربية تلك العملية التفاعلية الدؤوبة التي تركز على البناء المادي والمعنوي للإنسان، وفق أساليب ناجعة لتنمية القيم العلمية والأخلاقية والروحية لديه، حتى يصير سويا ومتناغما مع الكون الذي خلقه الله لتسبيحه وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم.

فما تكون هذه الأساليب؟

-4-

قد تتعدد أساليب التربية ومناهج التعليم، لكن نأخذ منها أصح ما في الباب.

طالع أيضا  "رمضان وعلاقته بعبودية القلب" سلسلة يومية على قناة الشاهد مع الأستاذ باهشام

أ- التربية بالقدوة: فلا صلاح للأبناء نرجوه إلا بصلاح الآباء أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب؛ إنه استنكار فظيع على من ينشد الفضيلة ويدعو الناس إلى الخير ناسيا نفسه مهملا سلوكه! لأن من كان حاله هكذا فهو ينافق ولده في التربية ولا يرجى منه شيء!

ب- التربية بالصحبة: كثيرا ما نسمع أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجلس مع الصبيان يلاعبهم ويواسيهم، أو يردف أحدهم خلفه على دابته ويناديه يا غلام إني أعلمك كلمات(…)، وهذه إشارات عملية نبوية قوية في التشجيع على حسن ملازمة الأبناء لتعليمهم وتقويم سلوكهم من دون استعمال أسلوب السيطرة والعنف.

ج- التربية بالحب: لقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أحب رجلا فليخبره، كما جاء في الحديث. ولعل في الإعلام والاخبار حكمة بالغة، فمن علم بحبك له انقاد لك، واطمأن إليك، وأباح لك سره وخاطره، وفتح لك أقفال قلبه لتُدخل فيه ما تشاء وتُخرج منه ما تشاء، فما أجمل أن تملك مفاتيح فلذة كبدك!

وكذلك نقرأ في السنة المطهرة كيف يكون الحب والبوح به أسلوبا حكيما في التربية والتعليم؛ يُروى عن رسول الله أنه أَخَذَ بِيَدِ معاذ، وَقالَ: يَا مُعَاذُ واللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، ثُمَّ أُوصِيكَ يَا مُعاذُ لاَ تَدَعنَّ في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ تَقُولُ: اللَّهُم أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ، وحُسنِ عِبَادتِك.

هذا ما يسمى في عصرنا “فن التواصل والحوار” فالرسول الكريم أستاذ المتواصلين والمتحابين، يعلمنا كيف نأخذ بيد أبنائنا، ونطيب خاطرهم، ثم بعد ذلك نوصي وننصح.

ومن الحب أن ينفتح الوالدان على ولدهما ليشاركاه همومه النفسية، والاجتماعية، وحتى الجنسية -خصوصا في سن (المراهقة) عندما تهجم على الشاب والشابة كل وساوس النفس والدنيا والشيطان- لكن كل ذلك مغلف بالحياء الذي لا يخل بالواجب ولا يفقد الهيبة اللازمة.

طالع أيضا  في أسباب رفض التطبيع مع كيان غير طبيعي.. (2)

كانت هذه إشارة سريعة لبعض الأساليب التربوية التي لا غنى عنها لتربية النشء في مجتمع لا ديني، وبعد هذا يأتي دور العمل التطوعي للجمعيات الدينية والثقافية والتربوية لاحتضان الطاقة الشبابية وترشيدها، عبر إيجاد فضاءات حرة للتعليم والتربية المكملة، وأيضا مخيمات عائلية تسعى للتعارف والتعاون، من خلال تبادل التجارب والخبرات الميدانية، ولعل مخيم واحد في السنة وبأنشطته الهادفة قد يحقق كل معاني التربية المنشودة.

وكذلك مما ينبغي الإشارة إليه في هذا الباب هو ربط الأبناء بـ”أسرة روحية”، تسهر على حفظ دينهم وفطرتهم التي خلقوا عليها، وهذا الدور غالبا ما يكون منوطا بالمسجد حيث ولد العقل المسلم، وترعرع بين غصون الوحي وثمار النبوة.

وقبل كل هذا وبعده يبقى عامل الدعاء عاملا قويا لتحقيق كل إنجاز يبدو مستحيلا. والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما الفرقان/74.