المدرس يغرس بذرة

تأتي مناسبة اليوم العالمي للمدرس، الذي خلدناه قبل يومين، لتسلط الأضواء على ما يقوم به الأساتذة والأستاذات من مهام جسام في تربية النشء وغرس بذور الخير في التلاميذ ورعايتها عبر المراحل المتعاقبة لسنوات التربية والتعليم.

هذه البذور تنمو وتنمو لتؤتي أكلها في خدمة الناس والمجتمع ولو بعد حين، كما يأمل عدد كبير من الأساتذة وهم يتعاملون مع تلاميذهم، ويغمرونهم بالحب والعطف الذي يغذي العملية التربوية، لأن الأساس في التعلم ليس العلم فقط، بل معه من المهارات والآداب والأخلاق الشيء الكثير، حيث ينتظرون ليروهم نماذج ناجحين في مستقبلهم.

يستحضر عدد من الأساتذة ممن أمضوا سنوات طويلة في التربية والتعليم ذكريات جمعتهم مع المتعلمين فيشعرون بالفخر تجاه ما قدموه لهم، ويتعاظم هذا الفخر كلما لمح أستاذ إطارا ما في تخصص من التخصصات وقد كان بالأمس القريب تلميذا يافعا.

بعض قصص النجاح التي يراها الأستاذ في أطر اليوم الذين كانوا صغارا بالأمس، قد لا يهم فيها إن كان التلميذ مجتهدا حينها أو غير ذلك، بل قد يكون له مع من كان مشاغبا ذكريات من نوع خاص، لكن الذي يهم أنه كان تلميذه في يوم من الأيام وأعطاه شيئا مما وجّه به قوته من شغب إلى اتزان صقل مهاراته لينفع مجتمعه من ثغره الذي انتدبه إليه لما اشتد عوده.

تكثر القصص عن أساتذة سابقين صادفوا أطرا فاحترموهم وأظهروا لهم التقدير المناسب، وربما قدموهم عليهم وساعدوهم في قضاء مصالحهم قبل أن يذكروهم بأنهم من تلامذتهم السابقين، لتتولد لحظة فخر مباغتة وتتسلل إلى قلب أي أستاذ عاش مثل هذه اللحظة أو تأملها.

قصص معبرة

يحكي الأستاذ عبد اللطيف العسلة في تدوينة له في فيسبوك أنه خرج يوما من محطة القطار وبحث عن سيارة أجرة صغيرة، فجاء أحدهم يرتدي بذلة رجل إطفاء ثم فتح باب سيارة الأجرة مناديا منحنيا ينظر أسفل، مبديا احترامه وقال: تفضل يا أستاذ. أجاب الأستاذ قائلا: شكرا لك. قال له الإطفائي: “بل أنت شكرا لك على ما علمت وربيت ووجهت. وغمرتنا من محبتك وسعة صدرك”. ثم أخبره بأنه درس عنده منذ حوالي عشر سنوات وشكره على سنوات الدراسة عنده. فعلق الأستاذ في النهاية “غمرني باحترامه وتقديره، هذا رأس مال كل أستاذ”.

طالع أيضا  طالبَ بتحسين وضعية "القيّمين الدينيين" فوجد نفسه محكوما بسنتين.. تضامن واسع مع الإمام المسجون "سعيد أبو علي"

هذا الموقف ليس الوحيد، يقول الأستاذ (م.أ) معلقا على تدوينة زميله؛ وهناك مواقف مشابهة كثيرة فتجد ذاك التلميذ الذي أصبح موظفا في إدارة أو حرفيا أو عاملا يعامل أستاذه السابق معاملة جيدة وباحترام عال، ويضيف: “حسن معاملة التلاميذ وإتقان العمل لوجه الله تجارة رابحة في الدنيا والآخرة”.

ما يتلقاه الأستاذ من تلاميذه السابقين؛ وإن كان ثروة لا تقدر بثمن فعلا، إلا أنها حصاد ونتيجة ما زرعه فيهم. فبقدر تفانيه في تربيتهم وبقدر إخلاصه في عمله بقدر ما تكون النتيجة إيجابية في المجتمع برمته، وبقدر استهتار الأستاذ في تربية تلاميذه أو تقصيره في مهامه قد يشكل ذلك سببا مهما في تقلص همة التلميذ.

مكانة رجل التربية والتعليم في المجتمع

عند التأمل مليا في بناء المجتمعات، تجد أن دور المعلم أو الأستاذ أساسيا إلى درجة أنه لا يمكن تجاوزه في بناء أي نهضة، لأن تكوين الأجيال ونقل القيم إليهم متوقف على المعلم باعتباره مكونا من المكونات التي تتولى هذه المهمة إلى جانب الأسرة والمسجد وغيرهما.

كبرنا وترعرعنا في مجتمع يحترم الأستاذ ويقدره، ويستأمنه على فلذات أكباده، حيث ينظر إليه على أنه بمثابة الأب الذي يعرف المصلحة ويقدر حجم المفاسد التي تتربص بالأبناء، ومقابل ذلك يتلقى من التقدير والاحترام بقدر هذه المهام الجسام، بل إن مكانته ترقى إلى ذلك الشخص المثالي الذي يكون قدوة يقتدى به.

لقد استطاعت شرائح واسعة من المجتمعات أن تحفظ للمعلم مكانته الاعتبارية وإن لم تعمل الأنظمة السياسية والسياسات المتبعة على تحقيق ذلك، بل وإن عددا من السياسات الرسمية تضرب في الصميم هذه المكانة لتكون بداية لممارسات مجتمعية تخصم من مكانة الأستاذ التي لم نعهد فيها أنها مجرد وظيفة يتقاضى عليها أجرا فقط، بل هي أكبر من ذلك بكثير، فهو يقوم بدور أساس في بناء المجتمع وتخليقه ووضعه في سكته الحقيقية حاضرا ومستقبلا، أما الأجر الزهيد الذي يتقاضاه من الدولة ما هو إلا رمزي لا يرقى إلى مستوى ما يقوم به من مهام تجاه مجتمعه وأمته. وإن أي تهميش للمعلم والأستاذ وهضمه حقوقه البسيطة، وأي مس بكرامته ووضعه الاعتباري؛ ما هو إلا ضرب مباشر لوظيفته التي يقوم بها، وتشويه مباشر لصورته في أذهان الناس، وإن ذلك كله اعتداء واضح على أجيال من الناشئة ووضع لمستقبلهم على حافة الضياع.

طالع أيضا  العدل والإحسان تنعى ضحايا سقوط منازل بالبيضاء وتدعو إلى محاسبة المستهترين بأرواح المواطنين

لا يختلف اثنان في أن مهمة الأستاذ والمعلم في المجتمع يتوقف عليه بناء التاجر والصحافي والعسكري والمحامي ورجل الإدارة والطبيب والسياسي والنقابي والرياضي والفنان وغيرهم من مكونات المجتمع. والاهتمام برجل التعليم هو اهتمام في النهاية بكل هاته الفئات، وإفراده بالعناية المادية والمعنوية، والتكوين اللازم هو صناعة جيدة للنخب والزيال من هذه الفئات كلها.

ولا يوجد أحسن ما يختم به في هذا المقام إلا قول الشاعر:

قم للمعلم وفه التبجيلا    كاد المعلم أن يكون رسولا