المقالة مجتزأة من كتاب صدر لنا عن مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين في موضوع التربية والتعليم في مشروع التغيير المجتمعي عند الإمام عبد السلام ياسين.

لقد راقب الإمام عبد السلام ياسين، بعين الخبير ومن زاوية المشارك، ما أحدثه الاستقلال السياسي الصوري والرغبة في مسايرة تحديث الإدارة وبناء بلدان ما بعد الاستقلال من حماس حصر العملية التغيرية للمجال التعليمي في بناء المدرسة أثاثا وحيطانا، من دون الاهتمام بالإنسان أي بالعامل البشري. يقول في كتاب الإسلام غدا: “لقد كانت هذه الجدران سميكة، وكان الأثاث المستورد جيدا، لكن العامل البشري هوى ولم يصدق على محك المزاولة اليومية لأمانة عظيمة، فلا الحكم سهر ليحضر المعلم في مدرسته حضورا جسميا، ولا الجهاز استطاع أن يراقب المعلم ومردوديته. وما كان لذينك أن يستطيعا ولهما من شؤونهما الخاصة شاغل” 1.

يركز الإمام المجدد على أهمية إعادة علاقة الجدية بين المعلم والمتعلم، ويتحسر أشد ما تكون الحسرة على وضع “معلمي الناس الخير” الذين يحيون على “هامش الحياة العامة” 2، وكان الأجدر عنده “لو استقام الوضع أن يكونوا هم نخاع الأمة” و”طليعتها” و“بعثها” لتعليم الناس ميراث النبوة والخير وتجديد الايمان” 3.

المعلم.. الركن الركين

رجل التعليم هو الركن القوي في أي إصلاح يروم التغيير الحقيقي، لذا عدّه الإمام المجدد عبد السلام ياسين “واسطة عقد المنظومة التعليمية التربية”. واشترط فيه القدر الكبير من الكفاءة والعلو باعثا وهمة ومروءة، ودعا إلى أن يكون قرآنيا مقتديا بالنموذج المثال القرآني معلم الناس الخير رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ “من لا مثالية له لا باعث له” 4.

إن المربي هو القطب الأساسي في عملية التعليم والتعلم، وإن غياب الرجل المربي من أهل المروءة والكفاءة يؤدي إلى تدمير الذات المتعلمة وتخريج أفواج من المهملين غير المبالين. غير أن هذا لن يتحقق بغير ثلاثة شروط نحسبها مهمة وضرورية:

 الشرط الاجتماعي: من الأحلام والأماني أن نطالب المعلم بما لا قبل له به، أن يكون مثالا ونموذجا يحتذى ويقتدى في مجتمع سمته التسيب وخاصيته اللامسوؤلية. إن لم نحقق له الشرط الاجتماعي بشقيه المادي والمعنوي؛ المادي بضمان الحد المتكامل لعيشة كريمة هنية تحفظ ماء وجهه لأن المنشغل بالخبز اليومي لن يفرغ للتعليم والتربية، والمعنوي بتهييء ظروف الاستقرار النفسي حتى لا يكون في وضعية موزعة ممزقة.

 الشرط العلمي: إذ لا بد من الكفاءة المهنية التي تجعل المعلم علما في مهنته، ومن الزاد المعرفي العلمي. ومن المعرفة بشرائط التدريس الهادف، ومن المعرفة بنفسية المخاطب الذي هو المتعلم، ومن اكتساب أدوات الاتصال والتواصل والتنشيط والتفعيل. أي لا بد من كفاءة علمية عملية تقنية تساعد على أداء الواجب في أحسن الظروف.

طالع أيضا  الحلقة 8 من برنامج "قرآنا عجبا" تسلط الضوء على اسم الرحمن من خلال سورة الرحمن

 الشرط الأخلاقي: إنه ما ينفع علم لا يتبعه عمل، وما يؤثر من يفعل عكس ما يقول، وما يربي من يحتاج إلى تربية، وما يغير من قائده هواه، ما استطاع أن يغير ما بنفسه حتى يغير ما بالناس. من هنا لا تحمل مسؤولية التعليم إلا لأفاضل الناس ذوي الدين القويم والمروءة العالية والأخلاق الفاضلة، من يجمع الحزم والتؤدة، واللين والشدة.

يقول ملخصا هذه المواصفات العلمية والمعرفية والاحتياجات الجامعية والمعاشية “فالعالم والمعلم المحرِّران لا بد أن يكونا حرين من عبودية همّ المعاش، حرين مما يجرح المروءة والدين بشهادة الناس فيهم. كيف يشهد فيهم، وكيف يعاد النظر في صلاحيتهم؟ هذه أسئلة لا تتناسق مع إجرائيات التوظيف الإداري وامتحانات التأهيل ومباريات الوزارة. والجواب عنها الجواب الإسلامي إنما يأتي في سياق التغيير العام حين تكون المشاركة العامة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشورى وحرية الرأي، وواجب النصح أخلاقا يفرضها على الضمير المسلم دينه. مطلبنا عالم متوازن ومعلم منسجم في نفسه، مرتاح في سربه الاجتماعي، سوي في بنيته النفسية الخلقية، كفء في مادته العلمية، مراقب لله تعالى في أمانته، مطمئن بالإيمان، صابر على معالجة النفوس الناشئة والعقول، زاهد فيما بأيدي الناس، ذو مروءة وعفة وهمة” 5.

حقا يحتاج المعلم إلى توافر مواصفات نفسية تحقق له الانسجام الذاتي، وإلى شروط اجتماعية تحقق له الراحة في الجماعة، وإلى مواصفات الاستواء الخلقي والنفسي، ثم إلى شروط الكفاية في المادة التعليمية المدرسة. عدا الحاجة إلى ضرورة التميز بخصائص النزاهة والاطمئنان الصادرين عن مراقبة الله تعالى في السر والعلن، وإلى القدرة على الصبر والمصابرة في معالجة المادة البشرية الطينية نفسيا وعقليا للناشئة وللطفولة المسلمة. بيد أن تأسيس هذا النموذج المثال القدوة يغدو حلما وسرابا ضمن المستوى التربوي التعليمي إن لم يتجل ضمن النسق السياسي العام متمثلا في وجود القائد السياسي النبيل، وفي ظل غيابه لن يكون إلا التسيب العام. يقول الإمام في ذلك: “هذا نمط من الرجال في حقل التربية والتعليم لا يتعايش ولا يزدهر إلا إن كان نفس النمط له القيادة والسيادة في الحقل السياسي. لا ننتظر أن تبرز في حقل التعليم شخصية تنضح بالإيمان وتشرق منها الطمأنينة إن كان قائد القافلة السياسي الحاكم شخصية تنضح بالنفاق، وتنبعث منها روح التسيب الخلقي. وها نحن عدنا لإشكالية من أين يبدأ التغيير؟ من أعلى حيث يتخذ القرار السياسي أم من القاعدة حيث يتقرر مصير الأجيال؟ لا شك أن هذا من ذاك وذاك من هذا، وأن التغيير قومة لا تتجزأ. فالمعلم الذي يصنع المجتمع الجديد ولا ينساق صِنْو لرجل السلطة العفِّ النزيه الأمين القوي” 6.

طالع أيضا  تقرير: ناشطون يدونون وعائلات تصرخ.. أنقذوا حياة الريسوني والراضي

إعادة ترتيب العلاقات التربوية

إن التأسيس لهذه المضامين التي جوهرها القرآن وسبيلها التعليم المهني التدريبي والبحث العلمي المنتج، لابد فيه من شرط الربانية الخبيرة البانية التي وجب أن تتوفر في محيط ومجال التعلم، فعلى المستوى الأخلاقي لابد من إعادة النظام والاستقرار والمسؤولية إلى مجالاتنا التعليمية، لابد من طرد التمرد على القيم وأخلاق التخريب والمسخ الثقافيين، لابد إذن من إعادة النظر في علاقة المربي بالمتعلم فتعاد أخلاق الجدية إلى تعليمنا كل ذلك بآداب التعلم.

يعيد الإمام المجدد بناء العلاقات التربوية بين المعلمين والمتعلمين على أسس من الجدية التي ترفض القمع والمراقبة والاستعلاء، وتنحو نهج الرفق والحكمة والتعارف والتواد والإصغاء والنصح والتوجيه الحكيم.  رافضا التعامل الرقمي الكمي مع المتعلمين لصالح التعامل الرفيق الحاني المحترم لشخصية المتعلم المتخلق بأخلاق التعلم الواجبة لمعلمي الناس الخير، يقول في هذا الصدد في جمل جميلة: “صناعة جيل لمستقبل حياة أمة ينبغي أن تعتمد على تحرير التلميذ والطالبة من عقدة القصور أمام أستاذ يعلم كل شيء. تُنمّى طاقات الجيل ويُفتح الصدر، ويفتح المجال للمناقشة والمجادلة والاحتجاج بأدب لتكبَر الشخصية الحرة المسؤولة. وإلا فالفظاظة من جانب المعلمين، والقمع السياسي من جانب الدولة، عصاً لا تربي إلا الحمير. وعلى رأس الضارب تعود الضربة. “إنما بُعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين”. حديث شريف. ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.( النحل125) 7

ينتقد الأستاذ عبد السلام ياسين عيبين يسمان علاقة المعلم بالطفل؛ عيب نظرة الموظف الأجير إلى المهنة وأثرها في ضمور الشعور بالمسؤولية وبعظم الأمانة، وعيب ما يسميه “بالفجوة العاطفية” بين المعلم والتلميذ، وما ينجم عن هذين “العقلية المأجورة” و”الجمود العاطفي” وما يولدانه من جمود أكاديمي.

يستفيد الإمام من قصة العلاقة بين سيدنا موسى عليه السلام والخضر في القرآن الكريم ومن صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحابته الكرام، ما يجب أن تتأسس عليه هذه العلاقة من توقير ومحبة وصبر. من هنا تركيزه إعادة بناء العلاقات التربوية على أسس تطلب:

–     تربية المربين والمعلمين أولا ليكونوا “النموذج الحي الباسط ذراعي المحبة لمن استرعاهم الله أطفال المسلمين وشبابهم”.

–     إنزال هؤلاء المعلمين المثقفين من أبراجهم العاجية من دون إخلال بالمبادئ الخلقية وسيلة وغاية، مع أهمية تغيير الشكليات ليحل محلها اللب والجوهر في أفق تطوير وتحديد العمل وآلياته.

طالع أيضا  الكاتب الوطني لشبيبة النهج: 20 فبراير مسار مفتوح لم ينته بعد

–     تغيير المعنى المعهود للوظيفة ليكون المعلم مربيا صاحب رسالة، حامل هداية يمارس أبوته الحانية على أبنائه المتعلمين 8.

لتكن مدارسنا مجالسا للعلم والحلم بسكينتها، المعلم فيها حامل قائد بالقرآن وأخلاق القرآن متواضع غير متعجرف. والمتعلم مؤدب متجاوز للصدام والعنف، ولا يكون ذلك بالزجر والإكراه وإنما بسيادة “الخلق القرآني لما تسود الربانية الإيمانية” 9.

زد على ذلك أهمية التأكيد على التربية الجمالية مظهرا ومخبرا بآداب الذوق الجمالي صبرا وصفحا وهجرا جميلا: “ألا وإننا حَمَلَةُ رسالة سماوية، فلنَبْرُزْ لِلناس بصورة جذابة، ولنَكُن شامةً بين الأمَم نُلْفِتُ الأنظارَ بجمال خُلُقِنا وأفعالنا ومظهرنا. وليَسُدْ الدولة الإسلاميةَ السمتُ الإسلاميُّ، والتظرفُ، والتلطُّف، لنوازِنَ بذلك الاخشيشانَ الجهاديَّ والقوةَ الغلاَّبة. ولْنَطرُدْ وثَنيَّة عبادة الأشكال من حياتنا وذوقنا، تلك الوثنيةُ التي ورثتها جاهلية اليوم عن اليونان” 10.

والحاصل أنه إذا كان الإمام يركز في تصوره العام على أن التربية في معناها السلوكي في علم التزكية هي المطلب المحوري للأمة، وعلى أنه لا تربية إن لم تكن إحسانية غاياتها أن يعرف الإنسان ربه ويتقرب إليه بالطاعة الدائمة المنضبطة بالكتاب والسنة، فإنه يؤكد على أن مدار هذه التربية وجود المربي الذي يربي بحاله ومقاله ووجود المتربي المستعد للتربية. ومن هذا نفهم في مجال التعليم والتربية بمعناهما التخصصي الدقيق أهمية وجود المربي المعلم بالصفات المذكورة سابقا وأهمية الاستعداد لدى المتعلم للتعلم من حيث الاستعداد العقلي والنفسي.


[1] ياسين، عبد السلام. الإسلام غدا، ص 721.
[2] ياسين، عبد السلام. المنهاج النبوي، ط3، ص 355.
[3] نفسه. ط3، ص 356.
[4] ياسين، عبد السلام. حوار مع الفضلاء الديموقراطيين، ص 169. فقرة المعلم من فصل تعليم يحررنا 169 وما بعدها.
[5] ياسين، عبد السلام. حوار مع الفضلاء الديموقراطيين ص 172 و173.
[6] ياسين، عبد السلام. حوار مع الفضلاء الديموقراطيين، ص 173.
[7] ياسين، عبد السلام. تنوير المومنات، ج2، ص 273. 
[8] نفسه ص 742. وما بعدها.
[9] ياسين، عبد السلام. إمامة الأمة، ص 188.
[10] نفسه. ص 189.