اعتبر الدكتور عمر إحرشان، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية، أنه من الصعب أن تكون المقاطعة هي من أثرت على حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة، لأن تأثيرها على كل الأحزاب كان بنفس الدرجة.

وأوضح إحرشان، الذي كان يتحدث إلى جانب الأساتذة فؤاد عبد المومني وأبو بكر الجامعي وعمر باعزيز في ندوة نظمتها قناة الشاهد الإلكترونية أمس حول: “المشهد السياسي المغربي بعد انتخابات الثامن من شتنبر”، أن الملفت في هذه الانتخابات “هو نجاح المقاطعة في أن تضع سؤال جدوى المشاركة وجدوى المقاطعة في أولوية النقاش قبل الاقتراع، كما أن العدالة والتنمية نجحت في أن يصبح فشلها هو الموضوع الأول في نقاش ما بعد الانتخابات”.

ورأى أن المقاطعة نجحت في أن تصبح الموضوع الرئيسي قبل الاقتراع، ونجحت كذلك في أن تنقل جزءا مهما من المقاطعين بطريقة العزوف أو المقاطعة غير الواعية إلى مقاطعة واعية على أساس موقف سياسي.

وذهب إلى أن ما كان سببا في فشل العدالة والتنمية هو العدالة والتنمية نفسه، أولا في قراراته في المجال القيمي الذي أفقده شريكه وهو حركة التوحيد والإصلاح وأفقده ثانيا جمهوره المحافظ، وثانيا سياسته الاقتصادية والاجتماعية التي كان أكبر المتضررين منها هم الفئة التي صوّتت عليهم وهم الشباب والموظفون أو ما يصطلح عليهم الطبقة الوسطى.

واسترسل موضحا أن هذا الفشل بدأ منذ مؤتمر 2017 عندما بدأ انشغاله بالصرعات البينية، ولمّا وصل إلى الانتخابات وصل وهو منهك ولم يجد من المرشحين ما يغطي به كل الدوائر.

فحزب العدالة والتنمية، يضيف المتحدث، أفشل نفسه بنفسه سواء بطريقة تدبيره وبمعركته في موضوع الانتخابات وبسياسته وحصيلته “أما المقاطعون فقد كانوا يستهدفون بشكل متساو كل المنظومة الانتخابية وليس حزبا على حساب الآخر”.

وفي جواب عن سؤال مرتبط بإزاحة الإسلاميين في المغرب بطريقة ناعمة دون إزالة قطرة دم؛ قال إحرشان إن من يتحدث بهذه الصيغة “أبعد من أن يكون إنسانا ديموقراطيا، لأن الانتخابات من المفروض أن يشرف عليها جهاز محايد لا مصلحة له في إنجاح أحد أو إسقاط الآخر”. مردفا أنه يكفي فقط أن يكون قد وَضع الهدف لإزاحته لكي يطعن في المسلسل الانتخابي برمته.

طالع أيضا  15 هيئة تؤسس "الجبهة المغربية لدعم فلسطين وضد التطبيع".. قراءة سريعة في الدلالات

وأوضح الباحث في العلوم السياسية أن الانتخابات في المغرب لم يسبق لها أن شكلت رهانا كبيرا أو تحديا ما للمخزن “بل هي محطة يجدد فيها النخب أو يجدد بها مشروعيته”.

وأشار إلى أن “المؤسسات التي أفرزتها صناديق الاقتراع تفتقد إلى المشروعية الديمقراطية” لأنها غير ذات تمثيلية، وبالرغم من أنه ليست هناك صيغة قانونية لكي نزيح صفة التمثيلية عن هذه المؤسسات ولو بمشاركة 10 أو 15 في المئة فقط، “ولكنها شعبيا وفي الديموقراطية باعتبارها هي سيادة الشعب علينا أن نعتبر بأن أغلبية الشعب لم يصوت على هذه المؤسسات”.

وفي موضوع نزاهة الانتخابات، قال إحرشان إن ما قيل إلى حد الساعة بلغ حد التواتر، وهو ما يجعل سؤال النزاهة مطروحا في الواجهة، وحتى ما يتعلق بالملاحظين الذين لا يرقون الى مستوى المراقبين، وهذا مهم الوقوف عنده لأن هناك ملاحظة نوعية وليست رقابة، ورغم ذلك فهم قرابة أربعة آلاف ملاحظ بالمقارنة مع 40 ألف مكتب تصويت.

وشدد الأستاذ الجامعي على أن كل ذلك لم يشكل رهانا للنظام، لأن “الرهان الأساسي هو كيف ينسجم المغرب مع السياق العربي”، وأصبح موضوع التخلص من الإسلاميين باعتبارهم عنوانا فقط وقنطرة نحو التخلص من تداعيات مرحلة الربيع العربي التي اتخذ فيها المخزن قرارات اضطرارا ولم تكن ضمن الخيارات المطروحة على الإطلاق، وهذا يذكرنا بأن التعديل الدستوري أيضا لم يكن أولوية إطلاقا، كما لم يكن موضوع من ينجح في الانتخابات رهانا أيضا لكن كل ذلك اضطر المخزن للدخول فيه.

ورأى إحرشان أنه بموجب ذلك لم يكن التخلص من العدالة والتنمية هو الهدف في حد ذاته، “بل سنرجع عمليا وواقعيا إلى العمل بمقتضيات ما قبل دستور 2011، وقد اتضح هذا التوجه منذ سنة 2016 لما بدأ العدالة والتنمية يتخلى في خطاباته عن الإرادة الشعبية لصالح الثقة الملكية”.

طالع أيضا  تأملات مطلبية (1)

واعتبر أنه من النتائج الإيجابية للمقاطعة ثلاثة مكاسب؛ أولها أننا وصلنا مرحلة متقدمة في “تحقيق الفرز السياسي في المجتمع المغربي، وليس فقط الفرز على مستوى النخب بل الآن أصبح هذا الفرز عموديا في كل فئات المجتمع”.

أما المكسب الثاني يضيف المتحدث “فقد اتضح بشكل كبير جدا كل خيار من الخيارات السياسية المطروحة أمام المغاربة”. في حين أن الثالث هو أن “مجموع الكلام الذي تفضل به المشاركون في الانتخابات والسلوكيات التي تمارس الآن في تشكيل المؤسسات بينت بالملموس فساد المنظومة الانتخابية في المغرب”.

وشدد إحرشان على أن “فساد المنظومة الانتخابية في المغرب لن يصلحها مصداقية فاعل كيف ما كانت هذه الدرجة من المصداقية”، وبالتالي فإن نقاش العدل والإحسان والنهج ونقاش من نجح ومن فشل ليس ذا قيمة، لأن الهدف هو إصلاح المنظومة، والخاسر الأكبر الآن هو الشعب في حين أن المستفيد آنيا هو المخزن لأنه طوى صفحة معينة.

ومما يستفاد أيضا وفق إحرشان؛ أنه اتضح جدوى خيار مقاطعة الانتخابات باعتبارها وسيلة من وسائل التداول على السلطة، معتبرا أنه يمكن أن تؤدي الانتخابات في المغرب أي وظيفة أخرى إلا أن تؤدي إلى التداول على السلطة، “وهذا أهم شيء في فساد المنظومة، وأهم سبب يؤدي إلى العزوف والمقاطعة وعدم الثقة وعدم الإقبال”.

وشكك في ما إذا كان المخزن فعلا في حاجة إلى وسائط أو “بارشوك” معتبرا أن هذه المسألة وإن كانت إرثا مرتبطا بعهد سابق، “لكنه الآن لم يعد في حاجة إلى هذه الوسائط لأنه -في اعتقاده – يملك من الإمكانيات والأدوات الذاتية ما يمكن أن يواجه به هذه الصدمات”، معتبرا أن ما يحتاجه النظام اليوم، ليس الوسائط التي تحمية من الصدمات بل ما ينظف به ويبيض مرحلة معينة.

طالع أيضا  ذ. فتحي: الجبهة تروم حماية وحدة النسيج المجتمعي المغربي من سرطان التطبيع

ولفت إحرشان إلى أن التجارب الانتخابية منذ سنة 97 على الأقل إلى الآن أعطت خلاصات مهمة جدا، لأن الحكومة بالرغم من أنها تكون ائتلافية، إلا أن الذي يؤدي الثمن هو الحزب المتصدر فقط.

وذكر إحرشان أن السياسات العمومية التي يعتمدها النظام، “لم تحقق العدالة والديمقراطية والتنمية ولا يختلف في ذلك أحد” ولا يعتمد هذه السياسات للاستقواء بها، بل إنه يستقوي دائما بسياق ليس ضاغطا عليه بالدرجة التي تجعله يتقدم أكثر، كما يستقوي بشتات معارضيه الحقيقيين، ويستقوي أيضا بمعارضة مهمتها المشاغبة على المعارضة، فضلا عن استقوائه بـ“الاستثمار في التفقير والتجهيل وإشغال المغاربة بأولويات ذات طبيعة اجتماعية على حساب الديمقراطية بمنطق المقايضة كما يستقوي بامتلاكه لكل وسائل التأثير واحتكارها”، وقد جاء موضوع التطبيع مؤخرا ليضيف الكيان الصهيوني إلى لائحة ما يستقوي به.