جدد الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تذكيره في هذا الشريط بأن العدل والإحسان “مدرسة للتربية، نتربى فيها جميعا كبارا وصغارا في وقت قد نجد فيه من التجمعات الأخرى من يستغرب هذا ويعتبر نفسه غنيا عن هذه التربية”.

وتحدث الإمام رحمه الله في هذا المجلس المنعقد يوم الأحد 24 شوال 1423هـ/29 دجنبر 2002م عن التربية، باعتبارها الأساس المتين الذي يتأسس عليه عملنا وعمل كل ساع للخير. “ومن أجل ذلك لا نفتأ نذكر بأن مشروعنا هو التربية ثم التربية ثم التربية. وجزى الله عنا الشيخ العباس رحمه الله الذي كان له فضل عظيم علينا، ندعو له وللصالحين ممن سبقه في كل حين”.

فلنأتمر بأمر الله تعالى عز وجل وننتقل من الغفلة إلى الذكر ومن الزيغان إلى الثبات ومن الغفلة إلى اليقظة ينبغي أن نلزم باب التربية، وشرط التربية الائتمار بما فرضه الله عز وجل أو نهى عنه، والاتباع الكامل لسنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ونجد التربية الربانية مبسوطة للمؤمنين في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)﴾. [الأنفال: 45-47].

وقال إنه لا يمكن أن نأتمر بأمر الله عز وجل كما ينبغي إن لم نكن مؤمنين كما ينبغي، وإلا فالناس جميعا يقرؤون القرآن الكريم ويسمعون كلام الله عندما يقول يا أيها الناس يا أيها الذين آمنوا، ولكن ليس الكل يعتبر، إذن فعلينا أن نكون من المؤمنين المحسنين لنتمكن من تطبيق ما أمر الله به عز وجل.

طالع أيضا  إحدى عشرة سنة على تشميع بيتي الأستاذين عبادي وعطواني

ومن التربية ألا نيأس من الناس ونصبر عليهم، بل نرجو أن يخرج الله من أصلاب هذه الأمة صالحين مصلحين، فهو سبحانه مخرج الحي من الميت، وتدبر أمر الصحابية الجليلة درة بنت أبي لهب، الذي نزل فيه وفي زوجه قرآن يتلى إلى يوم القيامة، ومن صلبهما أخرج الله درة رضي الله عنها التي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”أنتِ مِنِّي وأنا مِنكِ”. وقد روت سيدتنا درة رضي الله عنها حديثا عظيما جامعا لمعاني التربية، قالت:

“قامَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَهوَ علَى المنبرِ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ النَّاسِ خَيرٌ؟ فقالَ: خَيرُ النَّاسِ أقرؤهُم وأتقاهُم للهِ، وآمرُهُم بالمعروفِ، وأنهاهُم عنِ المنكرِ، وأوصَلُهُم للرَّحمِ”.

وأشار الإمام رحمه الله إلى أن هذه الأفعال على صيغة التفضيل، على صيغة “فلانة تقية والأخرى أتقى منها”. فأقرؤهم لكتاب الله عز وجل حفظا وتدبرا وعملا بما فيه، وتعلما للغة العربية وإتقانا لها، وأقرؤهم تدخل في الاستقامة الفكرية والعقلية والعلمية. وأتقاهم خوفا من وعيد الله وعذابه وهذا خلق قلبي، نتخلق فيه بأخلاق المؤمنين والمحسنين. ووقوفا عند أوامر الله ونواهيه في كل شؤون الحياة، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر في غير عنف ولا تشدد، و“إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، ويُعْطِي علَى الرِّفْقِ ما لا يُعْطِي علَى العُنْفِ”. وصلة الرحم الأقرب فالأقرب، معاملة بالمعروف والكلمة الطيبة والصبر على أذاهم. فنصل الرحم الإسلامية؛ صلة بكل مسلم ومسلمة من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رحمة وبشارة وقولا معروفا، وصلة الرحم الإنسانية دعوة بالحكمة والرحمة والموعظة الحسنة ومعاملة بالحسنى وإعدادا للقوة في مستوياتها جميعا، عسى الله تعالى أن يجري الخير على أيدينا فنكون من السعداء.

طالع أيضا  اتفاقيات التطبيع في ضوء قواعد القانون الدولي.. دراسة حقوقية قانونية (2/2)

ثم أضاف رحمه الله إلى الرحم القريبة رحما إسلاميةـ واعتبر أن أمة الإسلام كلها مستهدفة بالصلة، “فلا نكون مكفرين، ولا من الذين يضلون ويُضلون غيرهم”. وشدد على أن الأمة تحتاج الرحمة والعطف رغم ما قد يبدو من بعد عن الطريق القويمة لأنها تسلطت عليها المصائب وتتناوشها الذئاب والانياب من كل صوب.

وبعد ذلك ذكر نوعا ثالثا من الرحم وهي الرحم الإنسانية، وتساءل عن علاقة هذه الرحم بالعلاقة مع اليهود وأعداء الأمة، وهنا شدد على أهمية التفريق بين نظرة الحقيقة ونظرة الشريعة. فمن منطلق الشريعة يقول الله تعالى: يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً، وقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وغيرها من الآيات التي تستنهض لقتال أعداء الأمة بما نملك من قوة والإعداد لها. لكن من منطلق الحقيقة فالله تعالى يقول: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة فكل الناس مستهدف بالحكمة إلى رحمة الإسلام، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يستهدف الجميع بالدعوة والرحمة بما فيه تلك القبائل التي قست عليه وطردته…