وقف رجل بالسوق يلتمس المساعدة لتوفير حاجيات أسرته قائلا: “ساعدوا من قدّم ما أخّر الله”، فسأله أحدهم: وكيف قدمت ما أخر الله؟ فأجابه: لقد أقدمت على الزواج وإنجاب الأولاد قبل توفير المال، والله تعالى يقول: “المال والبنون زينة الحياة الدنيا”، وقدمت البنين على المال فساء حالي. انطلاقا من هذه الوضعية ننطلق في عرض مثل شعبي شائع، ولعل اتساع تداوله أغنى عن البحث في قصته وأصله. يقول المثل: “آش خاصك ألعريان؟ قال ليه: خاتم أمولاي”. “آش”: تعني ماذا. خاصّك: أي ينقصك. الهمزة “أ”: حرف نداء للقريب في هذا السياق. العَريان: العُريان، المجرد من الملابس، وليس المقصود هنا العُري الكلي، فهذا لا يستقيم طبعا وفطرة، وإنما المقصود هو الحاجة إلى ملابس تدفئه وتكسبه وقارا بين الناس، حتى لا تنفر منه النفوس. “ماذا ينقصك أيها العُريانُ؟ قال: خاتمٌ يا مولاي”. مثل شخّص وبشكل دقيق وأسلوب بليغ إشكالية ترتيب الأوليات، حيث يقدّم ما يجب إرجاؤه أو ربما إلغاؤه، ويؤخر ما يجب التعجيل به، إذ لا تستقيم الأمور إلا به. والحكمة تقتضي التصرف بما يتطلبه المقام، حيث يوضع الشيء في مكانه، دون تقديم أو تأخير.

المثل على بساطته التعبيرية يرصد حالة صارخة من التناقض بين المُلح الواجب من الحاجيات وبين المطالب. فالخاتم في المثل عنوانٌ للكماليات والزينة، والعُريان كان الأولى أن ينصرف اهتمامه لملابسَ تستر عورته وتحفظ آدميته. يقول الحق سبحانه في سورة “الأعراف”: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءاتِكُمْ وَرِيشًا (الآية:25)؛ ملابسُ اعتبرها القرآن الكريم نعما إلهية تستوجب الشكر. يقول جل وعلا في سورة “النحل”: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (الآية:81). لذلك فتقديم الخاتم على الملابس بالنسبة للعُريان خفة عقل، وطيش في التفكير، ينم عن ارتباك في سلم الأولويات.

طالع أيضا  ندوة فكرية لهيئة العمل النسائي تناقش: المرأة والدعوة إلى الله بين الواقع والمأمول

سُلمُ أولويات يُرتب الحاجيات شرطُ وجوب للنجاح في سائر الأمور، إن على مستوى الأفراد أو على مستوى المجتمع، فقبل التفكير في مشاريع كبرى وعملاقة من قبيل قطار فائق السرعة أو التهافت على امتلاك الأبراج التجارية الشاهقة أو الترشيح لاحتضان تظاهرات رياضية عالمية ككأس العالم لكرة القدم أو دورة الألعاب الأولمبية؛ مشاريع يراد لها أن تسوق صورة مزيفة عن المستوى التنموي للبلد تكلف خزينة الدولة ما لا تطيقه أو تتوفر عليه من أموال طائلة، فتُضطر معها للاقتراض بشروط مجحفة ترهن سيادة البلد ومقدراته دون أن تغير من واقع بؤس الناس أو تُحسن مؤشرات التنمية؛ قبل التفكير في مثل هذه المشاريع كان الأولى هو صرف الجهود والإمكانات المادية لتوفير ما يضمن كرامة الشعب، لا سيما فئاته الهشة من شغل وتطبيب وتمدرس وماء شروب وكهرباء وطرق تفك العزلة على مناطق نائية لا يفكَّر فيها ولا يُعبأ بمعاناتها؛ مناطق ينهش ساكنتَها الحرمانُ والجهل والمرض، ولا رابط لهم بالوطن إلا الشمس والقمر. مشاريع كبرى أشبه بخاتم في أصبع عُريان أو جائع، خراجها التنموي مقارنة مع تكلفتها يبقى هامشيا ما لم تغير الواقع البئيس للمواطن، ولم ترق بقيمته الإنسانية من خلال توفير متطلباته الحياتية والعيش الكريم.

لقد استحال مدلول هذا المثل عقلية ونمط تفكير وثقافة مجتمعية تؤطر التدبير للشأن العام للعباد والبلاد، حيث تصرف الأموال فيما لا ينعكس خدمات اجتماعية وتحسين ظروف الناس وتجويد مؤشرات تنمية تعذرت. كيف يواجه المواطنون المطالبون بتوفير خدمات المرافق العمومية بضعف الإمكانيات المرصودة في الميزانية، ومشاريع تحديث المقرات الإدارية مركزيا وجهويا ومحليا لا تكاد تنتهي، حيث يُتنافس في اقتناء أغلى الأثاث والمُعدات المكتبية وأحدث السيارات؟ أيها أولى بالاهتمام في قطاع التعليم -على سبيل المثال- الارتقاء بالمؤسسات التعليمية بناء وتوفير الوسائل التعليمية وتحسين ظروف استقبال المتعلمين أم تجديد المقرات الإدارية وأسطول سيارات مسؤولين لا يكادون يغادرون مكاتبهم المكيفة إلا لضرورة قصوى؟ أيها أحق بترشيد النفقات؟ وأيها الخاتم؟ وأيها الملابس حسب منطوق المثل؟ إنه ومع اختلال سلم الأولويات تكثر الخواتم، فتصبح الانتخابات المتحكم في مخرجاتها، والمجالس العليا وهيئات الحكامة والمجالس المُنتخبة وما يرصد لها من تعويضات وامتيازات وريعٍ الخفيُّ منه أعظم من الظاهر في ظل الاستبداد، خواتم يراد لها أن تصرف الأنظار عن سوءات حكامة غير راشدة.

طالع أيضا  الصهاينة يقتحمون المسجد الأقصى بالقنابل والرصاص المطاطي.. 3 فلسطينيين يفقدون البصر وأزيد من 200 جريح

ويبقى للمثل حضور في مجال العبادات حيث رتّب الشرع الأولويات التعبدية وفق نسق بنائيٍّ لا يستقيم معه القفز على المراحل؛ مراتب لأهميتها اقتضت أن تكون مادة رحلة نورانية لجبريل عليه السلام جاء في هيئة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرى عليه أثر السفر، فحاور رسول الله صلى عليه وسلم تعليما للصحابة أن الدين مراتب: إسلام وإيمان وإحسان، ولكل مرتبة مقتضيات ومتطلبات، فلا يصح إيمان دون إسلام، ولا يستقيم إحسان قبل الإيمان.

سلمُ أولويات فقِهه الصحابة وتمثلوه، فهذا سيدنا أبو بكر يُوصي سيدنا عمرَ بنَ الخطاب رضي الله عنهما وصية جامعة: “إني موصيك بوصية إن حفظتها: إن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل، ولله في الليل حق لا يقبله في النهار، وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة”. سلم أولويات تُقدم فيه الركائز على التوابع، كما في حديث “من عادى لي وليا” القدسي: “وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ…”، الفرائض أولُ ما يُتقرب به العبد لربه، ثم تأتي النوافل مكملة معالجة لما قد يشوب الأعمال التعبدية من تقصير. ولكل المجالات التعبدية والحياتية فرائض ونوافل، والفرائض مقدمة على النوافل. وفي الحديث النبوي: “إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها.”

والحمد لله رب العالمين.