يمكن الحديث عن نتائج انتخابات 2021 من زوايا مختلفة، لا تنفك عن تفاوت مستويات النظر واختلاف مجالات التحليل، لكني أوثر مقاربتها، بصيغة التموقعات الأساسية، استجماعا لرؤية عامة، تكون أقرب إلى نظرة متكاملة منها إلى زاوية نظر واحدة. ولذلك يمكن الحديث عن أربعة تموقعات تحليلية كبرى، تختلف في منطلقاتها وحجمها، وفي قوتها وعمقها. وسأكتفي، تجنبا للإطالة، بعرض الخلاصة العامة في كل تموقع:

1- الرَّاسِبُون:

من حق الحزب المتدحرج أن يصرخ باكيا، ويأخذ كامل وقته لاستيعاب ما حصل، ومن حقه أن يصرّح بكونه تعرّض لعملية “انقلاب” أبيض، وبطريقة انتخابوية محسوبة، وخطط مكشوفة منذ البداية، ومن حقه أن يستنتج أنه “لا يصحّ إلا الصحيح”، وأن الاستمساك بالأصول لم يكن أبدا نكوصا ولا عدمية، وأن المؤمن لا ينبغي أن يُلذَغَ من جحر مرتين.

ومن حقنا أن نصدِّقَهم، ونعترف أيضا بالحملة الممنهجة لتمريغ سمعتهم في الوحل، وضرب رمزيتهم السياسية، ونتأمّل جرأة أدوات الفساد في اقتحام معاقلهم، بالمال تارة، وبالمكر والخديعة تارة أخرى، لكن من حقنا أن نذكّر من كانت تنفعه الذكرى، أن اللعبة في هذا البلد دوما كانت “هكذا”، وأنهم هم الذين كانوا يبيّضون سيرَتَها ويجتهدون في مدح جدواها، وفاعلية مُدْخَلاتها لإحداث “التغيير من الداخل”، فالمرجو العودة إلى تفقُّد الجذور وتصحيح اتجاه البوصلة، “والله غالب على أمره”.

2- الفئات الصامتة:

كالعادة تستبشر بعض فئات الشعب بكل تغيير، مهما كان شكليا، وتنخرط متحمّسة بما يحدث، تأثرا، بالفرحين المستبشرين، وتصديقا لخطابات وسائل الإعلام وميولاتها، قبل أن تكتشف بعد حين، أنها كانت ضحية تلاعب بالحقائق، والمشاعر، لكنّها، قلّما تفعل شيئا، خارج دائرة الغضب المكتوم، والنقد العام، وخطاب اليأس. ولذلك أغلبها يركن إلى الصمت، ويغرق في اللامبالاة، وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها.

وقد بات من شبه المؤكد أن فئات معينة، غالبا تكون قابلة لأن تصدّق من جديد نفس الكذبة، وتتعرّض لنفس الخديعة، إلا فيما ما ندر. ولعلّ الذي يمكنه أن يحرّك هذه الفئات، هي المنعطفات الحادة، والأحداث الكبرى فقط، أو عن طريق عملية حفر دؤوبة، صامدة، تصحبُهم فيها قوى مناضلة حيّة، كي تسحبَهم فردا فردا من دائرة فقدان الثقة في التغيير، وتعطيهم الثقة بأنفسهم، بأنهم يمكن أن يكونوا ركائز قوية في بناء المستقبل. وهو درس على الحركات الممانعة، وخاصة الإسلامية منها، أن تعيَه، فتحرص على التغلغل الشعبي دعويا وتربويا وتعليميا في الأعماق الشعبية، عوض الاكتفاء بالجري وراء نخبة متطلّبة ومزاجية وحريصة ومتوجّسة.

طالع أيضا  ذ. النويني: هيئة دفاع الشهيد عماري مازالت مصرة على كشف الحقيقة كاملة وتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسسية

3- المقاطعون:

لا يهم بالنسبة إليهم من يصعد ومن ينزل، ما دام الكل مرتهن للعبة محبوكة، ومضبوطة المخرجات، وتؤدي إلى نفس النتيجة مهما اختلفت الألوان والشعارات والحساسيات، ولذلك يزداد رسوخ نظرتهم بوجود ما يعزز توجهاتهم ويؤكد تحليلاتهم ويدعّم فرضياتهم.

فمهما قفزت نسب المشاركة وانتفخت وتضخمت، فلن تحجب الحقيقة الواضحة التي صارت تصفع الماسكين بزمام الأمور، وهي أن الكتلة الأكبر من الشعب لا تثق في مؤسسات النظام وهياكل “ديموقراطيته” الشكلية، سواء تلك الثمانية ملايين تقريبا التي قاطعت التسجيل في اللوائح الانتخابية من أساسه، أو التسع ملايين تقريبا الذين لم يذهبوا للتصويت، دون احتساب الأصوات الملغاة التي تعبّر في الغالب عن استراتيجية إدانة اللعبة من الداخل. ولهذا يسعى الحكام إلى “إلغاء وجود” هذه الفئة على المستوى الإعلامي، واعتبار “الشعب المغربي” هو فقط ذلك الذي جاء إلى الصناديق مصدّقا اللعبة ومنخرطا في فقراتها المسرحية.

ولذلك تفرض حقيقة المقاطعة الكاسحة، بذلَ جهد كبير، لتأطير الكتلة الهائلة للمقاطعين، ورسم مسارات قاصدة لحركتها الفاعلة، في اتجاه محاصرة الاستبداد والفساد، وهو ما يلزم تجاوز الكثير من الجدران العتيقة للتفكير الكلاسيكي المهيمن على بعض تنظيمات الممانعة أو القريبة من خطها الفكري، والتعامل بدقة مع المراحل المقبلة، في اتجاه تحشيد إمكانات الشعب المقاطع، في انتظار التحاق المستفيقين على الخيبة بُعَيْدَ قليل.

4- الخصوم الإيديولوجيون:

(أقصد بهم من يخالف حزب العدالة والتنمية إيديولوجيا وسياسيا، وليس حزبيا فقط، وخاصة أهل اليسار المشارك في اللعبة)

همسة: صحيح أنه لو تصدّر نتائج الانتخابات الشكلية حزب معارض قوي، ذو جذور نضالية عميقة، ومبادئ واضحة، تنحاز للشعب ومطالبه الحقيقية، لكان حريّا بكل مواطن مغربي أن يفرح بمجرد انزياح بسيط على درب التغيير، مهما كان انزياحا ضئيلا، ولو تمّ احتسابه بالفاصلة، لأنه محاولة في الاتجاه، مهما اختلفنا مع صيغتها.

طالع أيضا  كمال عماري.. حكاية شهيد فضح زيف شعارات العهد المخزني الجديد

لكن الحقيقة المرة الساطعة، أن إرادة المخزن الشمولية هي التي انتصرت، وقواه الأقرب إلى نبضه وبِنْيَتِهِ، هي التي اكتسحت بمختلف الوسائل، فإن الفرحة يجب أن تحاط بالكثير من الاستغراب والتشكيك، وتصير حينها الحماسة المشتعلة لانزياح خصوم سياسيين، كانوا ينافسونك، على هامشِ فتاتٍ في مائدة الاستبداد، هو عين البؤس، سيستيقظ من ينخرط فيه على الحقيقة المفجعة: أنه يرقص في عرس غيره، وسيتم طرده بمجرد انتهاء المراسيم.

5- خلاصة “اللعبة”:

لقد كان متوقعا أن يعيد المخزن توزيع تموقع بعض المتعاونين معه، وفق هندسة محسوبة، وبإخراج ماكر معهود من نظام قُروني، يحاول من خلاله أن يقدّم نفسه إقليميا، على هيئة التلميذ النجيب المتميّز، الذي يعرف كيف يتصرّف بطريقة فريدة و”استثنائية” للتجاوب مع المزاج الدولي العام، وتنفيذ توصيات الحُماة الأكابر بطريقة “أذكى” و”أنجع”.

وفي محاولة لجذب الانتباه إلى “لعبة” فقدت بريقَها وهالَتَها، حَرَصَ مخرجو “الفرجة” أن يجعلوا أطوار “العرض” مُشَوِّقًا، ونهايَتَه صادمة “للمتلقّي”، في منزع “تحديثي” يُخْرِجُ المسرحيةَ من نمطها الكلاسيكي ويفتحها على آفاق “تجريبية” تضفي “رجّة” ما على الخطّية الانتظارية القاتلة، تتكفّل ببعث رسائل في اتجاهات مختلفة، على رأسها، أن المخزن لا يفرض عليه أحَدٌ واقعا ما، نعم، قد ينحني قليلا، ويتجرّع بعض الانزياحات، ولكنّه لا ينسى أبدا، ولا يغفر أبدا، ولا يرضى أن يمنّ عليه أحد.

6- العودة إلى السطر:

أعتقد أن المخزن بما أفرزته “لعبته” الجديدة، قد وضع سكة البلد على الطريق السريع للتكشّف، الذي بموجبه ستتعرّى تماما خطاباته، وسيدخل في عملية تآكل داخلي لا يمكن تجنّبها:

– سيكتشف الناس، أن الوضع لم تكن العدالة والتنمية هي التي تمنع تطوّره نحو الأفضل، وإن كانت سببا جزئيا في تدهوره، وأن الثروة والسلطة باقيتان في مكانهما “القديم” لا تتزحزحان بنقاش برلماني، ولا ب”لَغَط” صحفي، ولا بتحالف، ولا بحكومة ولا بمعارضة، ما دام الكل، في حوزة النظام وداخل أسوار لعبته.

طالع أيضا  محطات كبرى في مسيرة "العدل والإحسان" المغربية (3من3)

– سيكتشف المغاربة، أن لعبة المناورات الإديولوجية، لا تقدم طعاما للجوعى، ولا تشغِّل عاطلين عن العمل، ولا توقف طوفان الديون المتضاعفة باستمرار، ولا تضمن حرية أبدا، ويكفي ألا أحد من الأحزاب المتنافسة في “اللعبة” وعد بالمطالبة ب”ورش إصلاح دستوري”، أو وضع ضمن برنامجه إطلاق المعتقلين السياسيين والصحفيين، أو إسقاط التطبيع، أو الدفاع عن الممنوعين المقصيين.

– تعيين “أصحاب الشكارة” وخدام المخزن البارزين، سوف يأتي على ما تبقى من معنى للسياسة في هذا البلد، وهو ما سيسرّع بتكشّف اللعبة عن آخرها، وتصاعد كبير للخطاب الذي يشير بشكل مباشر إلى المسؤولين عن فقر الشعب ومعاناته، الشي الذي سيجعل النظام بِرُمَّتِهِ موضع تساؤل كبير، مما سيضعه – لزاما- وجها لوجه أمام شعب مكتشف لخديعته وغاضب من التلاعب بإرادته.