شرع الأستاذ محمد بارشي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان والخبير في العلاقات الأسرية، في الحديث عن عناصر المقوم البنائي في العلاقات الأسرية في سلسلته التي يقدمها في قناة الشاهد الإلكترونية.

وكان الأستاذ بارشي تحدث في الحلقات السابقة عن المقوم الإيماني الذي كان فيه الكلام عن استحضار كلا الزوجين المؤمنين “أنهما عابران إلى دار البقاء وأن قصد الحياة بينهما تعاون على طاعة الله واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينبغي تعظيم النية حتى يكون زواجهما هجرة منهما إلى الله ورسوله”.

وأوضح المتحدث في الحلقة السابعة من البرنامج أن المقوم البنائي سيكون فيه الحديث عن التعامل اليومي والأسبوعي بما يسهم في بناء هذا الصرح العظيم، مع استحضار أن ما بني على تقوى من الله يباركه الله ويبارك أسبابه ووسائله. 

وأورد ما جاء في سورة الروم في قوله سبحانه: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، موضحا أن السكن والسكون هو الطمأنينة والراحة، وسكن الشيء هدأ وتوقفت حركته. “والمقصود به السكون القلبي المتبادل فيكون البيت جنّة يتفيأ الأبوان والأبناء في ظلالها، كلاهما حسنة الدنيا لشقه الآخر”.

وبالرغم من أن العناصر التي تمتّن هذا المقوم البنائي كثيرة إلا أن الأستاذ بارشي خصّ عنصرين بالحديث في هذه الحلقة، على أن يتم استكمالها في حديثه عن هذا المقوم في الحلقات المقبلة.

فقد ذكّر المتحدث بأن الإنسان مجبول على الخطأ، موضحا أنه “كلما كان التعامل يوميا كلما زادت فرصه”، وقال إن “كل بني آدم خطاء” كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، و“خير الخطائين التوابون”، معتبرا أن هذا الشطر الثاني من الحديث “يتفاوت فيه الناس بقدر مراقبتهم وخوفهم من الله، إذا كان الخطأ في حق الغير وجب إرجاع الحق لصاحبه، هنا نتكلم عن لبنة أساس في بناء العلاقة وفي هذا المقوم وهي خلق الاعتذار”.

طالع أيضا  الجبهة المغربية: لا أهلا ولا سهلا بالصهاينة مجرمي الحرب في بلادنا

ولفت في إشارة مهمة إلى أن هذا الخلق قد يصعب التمثل به بين الزوجين إن طغت العادة والعرف، ويصعب كذلك الاعتذار للأبناء إذا كان الخطأ في حقهم لما ساد ويسود بين الأسر أن الأب والأم لا يخطئان في حق الأبناء، والغالبية يطنون أن الخطأ في حق القريب لا يضر، فإذا كان هذا لا يضر في حق القريب؟ يتساءل المتحدث، فلمَ عقوق الوالدين إذن، ولماذا نهانا الله أن نقول لهما أفّ وألا ننهرهما وأن نقول لهما قولا كريما. مشدّدا على أن “الخطأ لا تسقطه القرابة”.

وأورد طرفا من حديث في مسند الإمام أحمد رحمه الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ غَدًا”، ويفهم منه أن “الاعتذار مطلوب في شرعنا بل هو لازم”. والنهي في هذا الحديث عن تفادي أسباب ما يضطرنا إليه، وذلك من تمام الإيمان بالله واليوم الآخر كما جاء في الحديث أن نقول خيرا أو لنصمت.

فينبغي أن نكره النفس على أن تتخلق بهذا الخلق، يقول الأستاذ بارشي، موضحا أن ذلك مما يسهم في كسر الأنانية، “نحرص أن يكون اعتذارنا صادقا، وأن لا نبحث عن العبارات لنبرر الخطأ، لأن الخطأ يبقى خطأ، وعلينا التحلي بالقوة والاقتحام”، موضحا أن هذا العمل “سيعطي أكله بإذن الله إن اخترنا له الوقت المناسب، وتتقوى فاعليته إن صاحبته هدية من غير تكلف، على أن يعزم المخطئ ألا يعود وألا يتكرر منه الفعل”.

أما في العنصر الثاني فقد ذكر المتحدث بأن الكلام عن اعتذار المخطئ يفضي بنا إلى الكلام عن عفو من كان في حقه الخطأ، موضحا أن القرآن الكريم “يحثنا على المسارعة إلى المغفرة من ربنا وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين”.

طالع أيضا  تلاميذ المغرب يخرجون إلى الاحتجاج ويصرخون: لا لإهانة أساتذتنا

وقد ذكر الله تعالى صفاتهم، ومن بين الصفات التي ذكرها في حق أصحابها ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ، وقال معلق: “العفو عن الناس، مطلقِ الناس، فكيف بمن جمعهم الله في بيت واحد”.

وذكر الأستاذ بارشي في هذا الصدد ما جاء في صحيح مسلم رحمه الله من قوله صلى الله عليه وسلم “مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ.

وخلص إلى أن الاعتذار من المخطئ، والعفو ممن كان في حقه الخطأ، “لبنتان تقويان أساس البناء، تقربان المسافة بين القلبين، تدفعان الشيطان ووساوسه، وكلا الطرفين يكبر في عين الآخر عكس ما توسوس به النفس وتحدث، وما ينفخ به الشيطان لعنة الله عليه، بهما وهما يسهمان في قهر أنا الإنسان ونفسه الخبيثتين، وقانا الله شرهم جميعا”.